الحكم  الغريب والشاذ الذي أصدرته ما تسمى بالمحكمة الإدارية العليا يوم السبت الماضي (20 نوفمبر 2021م) بشطب ستة محامين من نقابة المحامين يمثل سابقة خطيرة تبرهن على مدى شذوذ البنية التشريعية في مصر في مرحلة ما بعد انقلاب 3 يوليو 2013م من  جهة، وكذلك يثبت مدى الانحطاط الذي وصل إليه منظومة القضاء في مصر بفعل الهيمنة المطلقة للسلطة التنفيذية على جميع مفاصل السلطة القضائية التي باتت لا تحظى بأي استقلال حتى لو كان هامشيا.

وكانت المحكمة الإدارية العليا قضت، السبت الماضي، بتأييد شطب عضوية ستة محامين مدرجين على قائمة الإرهاب من النقابة هم: صالح سلطان، وعصام سلطان، وأسامة مرسي، نجل الرئيس الشهيد محمد مرسي، إضافة إلى حاتم عبد السميع الجندي ومحمد العمدة وعبدالمنعم عبدالمقصود محامي جماعة الإخوان المسلمين، ورفضت الطعون المقدمة منهم ضد حكم أول درجة الصادر من محكمة القضاء الإداري في سبتمبر 2020 لصالح المحامي سمير صبري، المعروف عنه قربه من أجهزة السيسي الأمني وتنفيذه لأوامرها وتوجهاتها.

الملاحظة الأولى على هذا الحكم الشاذ، أنه تجاوز حتى ما تضمنه قانون الكيانات الإرهابية والذي نص على اتخاذ قرار تحفظي مؤقت «بوقف العضوية في النقابة» للمُدرج على القائمة، إلى إصدار قرار دائم بشطب عضويته من النقابة وفقدانه مصدر رزقه.

الملاحظة الثانية، أن الحكم بهذه الصيغة التي تخالف حتى قانون ما يسمى بالكيانات الإرهابية يفرض على المحامين المظلومين من الحكم التعسفي سلوك عدة مسارات قضائية لوقف تنفيذ الحكم الشاذ والغريب حتى لو كانت الظروف المحيطة تبرهن على أن المحاولة  قد تكون بالغة الصعوبة في ظل إصرار الجنرالات على فرض الطغيان والاستبداد وتقنين الظلم والاضطهاد حتى يتحول إلى إجراء عادي يحظى بشرعية قانونية. وهناك أربعة إجراءات قد يتخذها المحامون المتضررون من حكم الإدارية العليا: إقامة دعوى بطلان أمام المحكمة التي أصدرت الحكم، خصوصًا أن رئيس المحكمة الذي أصدر الحكم والذي يشغل منصب رئيس مجلس الدولة، سبق أن ألغى -وقت رئاسته للدائرة الرابعة من المحكمة- حكمًا أصدره بنفسه بحسب أحد المحامين، فضلًا عن تقديم التماس إعادة النظر في القضية أمام محكمة القضاء الإداري، وإلى جانب ذلك، التقدم بمنازعة تنفيذ أمام المحكمة الدستورية العليا لوقف تنفيذ حكم الإدارية العليا.

ويشار إلى أن نقابة المحامين قدمت سابقًا مذكرة دفاع لمحكمة القضاء الإداري تطالب فيها برفض الدعوى لعدم وجود صفة ومصلحة لمقيمها، وهو نفس الرأي الذي أيّدته هيئتا المفوضين بكل من محكمة القضاء الإداري والمحكمة الإدارية العليا، واللتان أوصتا برفض الدعوى لنفس السبب إلى جانب أسباب أخرى، منها عدم إخطاره وممثلي باقي المحامين بالحضور وتقديم الدفاع وقت تداول القضية أمام محكمة القضاء الإداري. فالمحامون الستة المتضررون من الحكم لم يعلموا بالقضية إلا بعد صدور حكم من محكمة القضاء الإداري بشطبهم من عضوية النقابة، ولذلك تقدموا بالطعن على الحكم.

الملاحظة الثالثة، تتعلق بالكيفية التي ستنفذ بها نقابة المحامين الحكم؛ وبحسب أحد أعضاء مجلس النقابة لموقع "مدى مصر" فإنه ليس لديه معلومات بشأن وصول صيغة الحكم من عدمه إلى النقابة حتى يوم الاثنين، مضيفًا أنه فور وصول صورة رسمية من الحكم للنقابة، ستقوم الشؤون القانونية بالنقابة بإعداد مذكرة للعرض على النقيب لتحديد آلية التنفيذ. لكنه استدرك بتوضيح أن قانون الكيانات الإرهابية يتحدث عن وقف عضوية المدرج على قائمة الإرهاب طوال فترة الإدراج، مضيفًا أن ما قرأه عن الحكم أنه يتضمن شطب العضوية استنادًا إلى قانون المحاماة الذي يلزم توافر شرط حسن السمعة في أعضاء النقابة، ولهذا فإن حيثيات الحكم ستحدد طريقة تنفيذه.

الملاحظة الرابعة، أن الحكم بهذه الصياغة يفتح الباب على مصراعيه أمام النقابة لشطب أعضائها على خلفية قضايا سياسية تتعلق بالرأي والفكر؛ فالمحكمة توسعت في «المصلحة» متجاهلة افتقاد المدعي للصفة والمصلحة في إقامة الدعوى وأن «صاحبة المصلحة في القضية هي نقابة المحامين، وليس أي فرد آخر»، علاوة على ذلك فإن الحكم  استند إلى أحكام الإدراج على قوائم الإرهاب، وهي أحكام غير مسببة، ولا تستند إلى وقائع معينة، وعادة لا تقبل الطعن عليها. من جهة أخرى هناك مواطنون مدرجون على قوائم الإرهاب ولم يصدر ضدهم أحكام جنائية، ولم يحبسوا، لأن إدراجهم على قوائم الإرهاب يتم عبر تحريات أمنية وهي قرارت مؤقتة، معنى ذلك أن حكم الإدارية العليا يحول هؤلاء المحامين إلى عاطلين لأن الحكم استهدف وقفهم عن ممارسة مهنتهم ما يعرضهم ويعرض أسرهم للجوع بلا عائد أو هدف؛ ما يعني أن المحكمة تحولت إلى أداة انتقام سياسي تزلفا للسلطة التنفيذية بعيدا عن أي معنى للعدالة والإنصاف.

معنى ذلك أن تنفيذ نقابة المحامين للحكم سوف يحمل كثيرا من الدلالات والتوجهات؛ والتزامها بتنفيذ الحكم رغم أنه شاذ ومخالف للقانون، سوف يفتح الباب أمام دعاوى كثيرة لتصفية الحسابات السياسية. وسيتعين على المحامين المتضررين من الحكم مواجهته بشتى الوسائل القانونية (إقامة دعوى قضائية أمام القضاء الإداري ــ الدفع بعدم دستورية المادة الخاصة بالآثار المترتبة على الإدراج على قوائم الإرهاب) لعلها تجدي حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

وبحسب قانون الكيانات الإرهابية فإن الإدراج على قائمة الإرهابيين، الذي يتم بناء على قرار من النيابة العامة تؤيده محكمة الجنايات، يرتب عليه عدد من الآثار منها: «وقف» العضوية في النقابات المهنية ومجالس إدارات الشركات والجمعيات والمؤسسات وأي كيان تساهم فيه الدولة أو المواطنين بنصيب ما ومجالس إدارات الأندية والاتحادات الرياضية وأي كيان مخصص لمنفعة عامة، لمدة خمس سنوات. ولكن لم يحدد القانون الجهة المنوط بها تنفيذ هذا الأثر أو آلية تنفيذه.

Facebook Comments