ما أن يهل علينا شهر كانون الثاني/ يناير، إلا وتهل علينا نسمات الربيع العربي بعطره الذي يزكي الأنوف وينقي النفوس وينعش الذكريات الجميلة في العقول، رغم كل ما واجهه من ضربات موجعة أدت إلى انكساره وانحصاره في الوجدان العربي وفي ذاكرة الأمة وفي سجل التاريخ..

في عام 2011، حدث زلزال رهيب في العالم العربي أفقد الحكام الطغاة توازنهم، فمنهم مَن سقط مثل حسني مبارك في مصر وزين العابدين بن علي في تونس ومعمر القذافي في ليبيا وعلى عبد الله صالح في اليمن، ومنهم من انتظر وهو يرتجف خوفاً ورعباً كسفاح سوريا بشار الأسد؛ الذي كان قاب قوسين أو أدنى من السقوط لولا التدخل الروسي الذي أنقذه من السقوط، مُفضلاً سقوط سوريا تحت براثن الاحتلال الروسي والبقاء كخيال مآتة جالساً على تلها وركامها وحطامها؛ على أن يلحق بسابقيه من الطغاة!!

لم يكن سفاح سوريا هو فقط الذي كان يرتعش، بل ارتعش معه كل الملوك وأمراء باقي الدول العربية وخشوا أن تصيب شعوبهم عدوى الحرية والكرامة والديمقراطية، وتهب عليهم رياح التغيير؛ فتعصف بعروشهم وتطيح بهم جميعاً، فسرعان ما تحالفوا مع العدو الصهيوني الذي انزعج أيضا من تلك الثورات وخاصة في بلاد الطوق، حراس حدوده، وكوّنوا مركزاً في دولة الإمارات تنطلق منه الثورات المضادة في كل الدول التي شهدت الربيع العربي، ليحولوه إلى خريف دام وخاصة في سوريا وليبيا واليمن، ليرهبوا كل من تسول له نفسه القيام بمظاهرة أو مجرد التفكير بها للمطالبة بالحرية والديمقراطية والعيش الكريم!

لقد وقفت السعودية والإمارات ضد إرادة الشعوب وساندت ودعمت الحكام الطغاة، كما حدث في سوريا التي أخصها اليوم بالحديث؛ لأن الثورة السورية أعظم الثورات العربية على الإطلاق، فلم يحدث في التاريخ أن قدم شعب من تضحيات ما قدمه الشعب السوري خلال ثورته التي تكالب عليها الجميع، القريب قبل البعيد، لإجهاضها والانقضاض عليها.. كل ضباع الأرض نهشت في الجسد السوري الجريح لتقتطع منه ما استطاعت لنفسها، وتفوز به وتفر بغنيمتها، تاركة إياه غارقا في دمائه!

الثورة السورية المظلومة، التي تخلى عنها كل من كانوا يسمون أنفسهم "أصدقاء سوريا"، وذهبوا لنيل نصيبهم من الغنيمة، ليت السوريين ظلوا على عهدهم مع الله ويرددون ما قالوه في البداية: "ما لنا غيرك يا الله"، ولم يسلموا أنفسهم لدول ادعت مناصرتهم، ودعمتهم بالمال والسلاح حتى أصبحوا أسرى لها ينفذون أوامرها، ولكنها خانتهم وأوقفت انتصاراتهم المظفرة لحسابات إقليمية ولمصالح بلدانهم، كما حدث في درعا وحلب وحمص وحماة!!

لقد بدأت شرارة الثورة السورية من درعا في الجنوب الغربي السوري، حينما قام عدد من الأطفال الصغار بكتابة عبارات من وحي شعارات كانت ترفع في تلك الفترة في الثورات العربية المحيطة بهم، مثل "ارحل يا بشار"، و"الشعب يريد إسقاط النظام"، "أجاك الدور يا دكتور" (في إشارة طبعا إلى بشار وأن الثورة قادمة)، على جدران مدارسهم، فجن جنون النظام الذي يحكم البلاد بالحديد والنار. فلم يكن يتخيل للحظة أن يجرؤ أحد على كتابة هذه العبارات، فانقضت القوات الأمنية بشراسة على مدينة درعا، واعتقلت الأطفال الأبرياء الذين لا تزيد أعمارهم عن 13 عاماً، وقادتهم إلى سلخانات التعذيب الوحشي في الأفرع الأمنية للنظام الفاشي، حيث ذاقوا شتى أنواع التنكيل والعذاب، صعق بالكهرباء وضرب بكوابل الكهرباء، وكُسرت أصابعهم التي كتبت تلك العبارات.

حينما ذهب أهالي هؤلاء الأطفال لفرع الأمن للسؤال عن مصير أولادهم تعرضوا للإهانة والذل وطُردوا بعد أن قال لهم رئيس الفرع: "انسوهم وانجبوا أطفالاً غيرهم، وإن عجزتم فإن الأمن سوف يتولى المهمة"، فصُدم الأهالي بهذا الرد القاسي فتظاهروا ضد القوى الأمنية، وسرعان ما انضم إليهم المئات ثم الآلاف من أهالي درعا فقابلهم النظام الوحشي بالرصاص الحي، وسقط الشهداء، فهاج الأهالي أكثر وانتفضت درعا عن بكرة أبيها ضد نظام بشار الأسد مطالبين بإسقاطه.

ورد النظام بمحاصرة المدينة، ولكن هذا لم يمنع أهالي البلدات القريبة من المدينة للخروج في مظاهرات غاضبة تضامنا مع أهل درعا لفك الحصار عن المدينة، وقد تم اعتقال المئات منهم، من بينهم الطفل "حمزة الخطيب"، البالغ من العمر 13 عاما، وبعد مدة تم تسليم جثمانه لأهله، وبدت على جثته آثار التعذيب والرصاص الذي تعرض له، وكسرت رقبته ومُثل بجثته، حيث قُطع عضوه التناسلي. وتم تناقل صوره على شبكة الإنترنت، فصدمت هذه الصور الملايين من الشعب السوري فخرجوا إلى الشوارع في مظاهرات عارمة، تعاطفاً مع هذا الطفل الجميل المغدور به.

وعمت المظاهرات في أغلب المدن السورية من العاصمة دمشق إلى حلب وحمص وحماة وغيرها من المدن السورية، وأصبح حمزة الخطيب أيقونة للثورة السورية التي أسقطت تماثيل السفاح بشار الأسد وأبيه، ومزق المتظاهرون صوره وداسوا عليها بالأقدام وأحرقوها.

ولم تستطع القوى الأمنية أن تفرق المظاهرات رغم وابل الرصاص الذي كان ينطلق من بنادقهم بغزارة، فنزل الجيش بمدرعاته ودباباته وسقط الآلاف من الشهداء. هنا تغير مسار الثورة السلمية التي استمرت لأكثر من ستة أشهر، إلى ثورة مسلحة تدافع عن أهلها. ولقد ساعد النظام السوري نفسه على تحويلها لهذا المسار، فلقد كان يضع الأسلحة أمام البيوت وفي الطرقات وفي المقاهي، وأطلق سراح معتقلين إسلاميين من السجون لكي يحول مشهد الثورة التي ضمت جميع فئات الشعب تحت جناحيها وأبهرت العالم وتعاطفت معها كل شعوب العالم؛ إلى حرب على الإرهاب وأن الذي يقود هذه المظاهرات جماعات إرهابية مسلحة!!

حول النظام الثورة الشعبية إلى حرب على الإرهاب، تمشياً مع النغمة الدولية التي تطرب الغرب عله يميل إليه ويناصره، خاصة بعدما تمكن الثوار من تحقيق انتصارات مُذهلة على جيش الأسد، وحرروا مدنا كثيرة وخرجت عن سيطرة نظام الأسد.

واستعان في البداية بمليشيات حزب الله وبعض المليشيات الشيعية من العراق وأفغانستان لمساعدته في حربه ضد أبناء شعبه، وحينما لم يستطع وأد الثورة، نزل الحرس الثوري الإيراني بثقله بقيادة المجرم قاسم سليماني وأحرق ودمر قرى بأكملها، وقتل الآلاف من السوريين وهجّر الآلاف من المسلمين السنة. لقد حولها إلى حرب سنية شيعية، ومع كل هذا لم يستطع وأد الثورة، وأصبح نظام الأسد آيلا للسقوط لولا التدخل العسكري الروسي؛ الذي قلب الموازين على الأرض بطائراته وصواريخه التي أعادت إلى الأذهان مشهد الحرب الروسية على الشيشان وسياسة الأرض المحروقة التي طبقها الروس أيضا في سوريا.

واستعمل نظام السفاح بشار الأسلحة الكيماوية والبراميل المتفجرة، لتقع على رؤوس الأهالي وتدفنهم تحت الركام!

بدخول روسيا بدأت الدفة تميل إلى نظام بشار، وبدأت المدن المحررة تتساقط واحدة تلو الأخرى، وبعد أن كان النظام لا يسيطر إلا على 20 في المئة من مساحة سوريا أصبح يسيطر على حوالى 80 في المئة منها. وانحصرت الثورة في مناطق الشمال السوري، وتدفق إليها الثوار من المدن الأخرى بعد التدخلات والتفاهمات الدولية والاتفاقيات بين روسيا وتركيا. لكن لم تسلم هذه المناطق حتى الآن من جرائم مليشيات بشار وغارات المحتل الروسي المستمرة رغم الاتفاقيات!

هذه قصة الثورة السورية باختصار، قصة كفاح شعب عظيم ناضل من أجل حريته وكرامته وضحى بالغالي والنفيس، قدم أكثر من مليوني شهيد وجريح، وهُجر ما يزيد عن عشرة ملايين سوري قسراً من وطنهم وديارهم!!

كانت الثورة السورية ثورة فاضحة، كشفت غدر وخيانة ذوي القربي وأبناء جلدتها، ولكن القصة لم تكتمل بعد ولم تُكتب لها نهاية بعد. فالثورات كالحروب لها جولات وصولات ومعارك إلى أن تدق ساعة الحسم، ويسدل الستار. فلا يغرنك استمرار السفاح بشار في مكانه حتى الآن، ولا تزال جذوة الثورة موقدة في وجدان كل سوري حر في انتظار لحظة إشعالها على الأرض، وإن غداً لناظره قريب إن شاء الله..

Facebook Comments