تنبؤات متشائمة بشأن المستقبل الاقتصادي لدولة الإمارات العربية المتحدة في أعقاب الهجوم الحوثي الأخير الذي يعتبر أول قصف مباشر في قلب المدن الإماراتية؛ وهو الهجوم الذي تحذر مؤسسات بحث دولية من أن يكون سببا في تقويض السمعة التي كونتها أبو ظبي حول نفسها على مدار العقود الماضية، كمركز تجاري آمن. وقد يؤدي الهجوم أيضا إلى دعم عسكري ودبلوماسي أمريكي للتحالف السعودي الإماراتي في اليمن ويضع ضغوطا جديدة على الحوثيين المدعومين من إيران، ومن جهة ثالثة قد يفضي إلى تقويض جهود  التقارب الإماراتي مع إيران.

ووفقا للتقارير الأولية، شاركت في الهجوم الحوثي  الذي وقع الإثنين 17 يناير 2022م،  طائرات بدون طيار وصواريخ باليستية وصواريخ كروز مجنحة، ادعت السعودية اعتراض بعضها، وهو القصف الذي طال مطار أبو ظبي ومواقع في دبي وأسفر عن مقتل 3 أشحاص وإصابة 6 آخرين بخلاف الخسائر المادية. ويأتي الهجوم الحوثي لأبو ظبي بعد أسبوع من احتلال المليشيات اليمنية (لواء العمالقة) المدعومة من الإمارات محافظة شبوة اليمنية الغنية بالطاقة في 10 يناير 2022م؛ الأمر الذي يمثل انتكاسة ملحوظة لحصار الحوثيين المستمر لمحافظة مأرب اليمنية المجاورة، التي تعد مركز النفط والغاز في البلاد. وتشارك الإمارات عسكريا في اليمن منذ تدخل التحالف الذي تقوده السعودية عام 2015. لكن الإماراتيين سحبوا معظم قواتهم التقليدية عام 2019، معتمدين على الوكلاء مثل "لواء العمالقة" الذي يدعم المجلس الانتقالي الجنوبي. وبالرغم من انسحاب الإمارات، واصل الحوثيون تهديداتهم لأبوظبي بسبب دعمها لخصومهم.

ووفقا لمركز استراتفور للبحوث والدراسات، فقد نجت الإمارات خلال العقود الماضية من موجات وآثار عدم الاستقرار، ويرجع الفضل في ذلك نسبيا إلى سياساتها الخارجية غير التدخلية. لكن هذا النهج تغير بعد الربيع العربي، عندما خلصت أبوظبي إلى أنها يجب أن تشارك بشكل مباشر في الشؤون الإقليمية؛ من أجل القضاء على الإسلاميين وعلى رأسهم الإخوان المسلمين والحد من التهديدات الإيرانية.

 

تحركات أبو ظبي

ويذهب "استراتفور" إلى أن حكومة أبو ظبي سوف تستغل الهجمات الحوثية من أجل الحصول على مزيد من الدعم العسكري والدبلوماسي من الولايات المتحدة الأمريكية، وطالبت أبو ظبي على الفور بضرورة إعادة وضع جماعة الحوثي على قائمة الإرهاب،  وهو ما كانت إدارة الرئيس الأمريكي "جو بايدن" قد ألغته في فبراير2021 كجزء من مساعيها لحل دبلوماسي للحرب باليمن. ولم تدن الولايات المتحدة الضربات الجوية الانتقامية التي قامت بها السعودية على صنعاء؛ ما يشير إلى أن واشنطن قد تكون مستعدة لدعم المزيد من الضغط العسكري ضد الحوثيين بعد هجوم أبوظبي.

من زاوية أخرى، يشير الهجوم على أبوظبي إلى أن الجناح العسكري للحوثيين يقود السياسة في الوقت الحالي؛ ما يقوض احتمالية نجاح الجهود الدبلوماسية الأمريكية. نتيجة لذلك، قد تكون الولايات المتحدة أكثر استعدادا لإعادة تقديم بعض الدعم اللوجستي والاستخباراتي للسعودية بعد أن خفضته عقب اغتيال "جمال خاشقجي" عام 2018.

ومنذ توليه منصبه في يناير2021، سعى "بايدن" إلى إعادة ضبط نهج الولايات المتحدة تجاه اليمن لدعم حل دبلوماسي للحرب. وشمل ذلك إنهاء مبيعات الأسلحة الهجومية إلى السعودية والإمارات، وكذلك التراجع عن تصنيف الحوثيين كمنظمة إرهابية أجنبية بعد أن حذر مسؤولو الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولية من أن يعرقل ذلك وصول المواد الغذائية والإمدادات الضرورية للبلد الذي مزقته الحرب. لكن العام الماضي شهد تصعيدا حوثيا استهدف السيطرة على محافظة مأرب لتوجيه ضربة حاسمة للحكومة اليمنية المدعومة من السعودية والإمارات.

 

ضربة للتقارب الإماراتي الإيراني

وقد يعيق هجوم الحوثيين الأخير على أبوظبي التواصل الدبلوماسي بين الإمارت وإيران مؤخرا، بالرغم أن أبوظبي ستتجنب التصعيد العسكري العلني مع إيران خوفا من الإضرار بالأعمال المحلية أو إثارة صدام أكبر مع جارتها القوية. وقالت الإمارات إنها تحتفظ بالحق في مواصلة الرد على الحوثيين، لكن لا يوجد ما يشير إلى أن أبوظبي مستعدة لإلقاء اللوم على إيران في الهجوم، بالرغم من تزويد طهران الحوثيين بالمعرفة والدعم المادي لشن مثل هذه الضربات.

وبحسب استراتفور فإن الحذر الإماراتي تجاه إيران يعتبر مبررا جزئيا، عازيا ذلك إلى عدم اليقين بشأن المدى الذي ستوفره الولايات المتحدة من الدعم في حالة المواجهة، خاصة بعد الهجمات الإيرانية على منشآت "أرامكو" في عام 2019، والتي لم تتحرك فيه الولايات المتحدة للرد عليها. كذلك تخشى الإمارات من إثارة مواجهة عسكرية قد تخيف السائحين والشركات والمستثمرين، وهي ركائز أساسية لاستراتيجيتها للتنمية الاقتصادية. ويعتمد اقتصاد دبي، على وجه الخصوص، على التجارة مع إيران أيضا. ومن المحتمل أن تكون هذه التحديات بمثابة قيود تشغيلية للرد على ضربات الحوثيين ضد الإمارات، إلى جانب اعتبارات سياسية بأن مثل هذه الهجمات قد تضر بالعلاقات بين الإمارات وإيران حليفة الحوثيين.

ومع ذلك،  يرى استراتفور أن هجمات الحوثي قد تهدد الجهود التي بذلتها الإمارات وإيران في الأشهر الأخيرة لإصلاح العلاقات بينهما. وقبل هجوم الحوثيين، دعت الإمارات الرئيس الإيراني "إبراهيم رئيسي" لزيارة البلاد في فبراير 2022 المقبل. وإذا تم إلغاء هذه الدعوة، فسيشير هذا إلى تعطل جهود المصالحة.

ويمكن لضربات الحوثيين ـ بحسب استراتفور ــ  أن تدفع الإمارات مرة أخرى إلى دور عسكري أكثر نشاطا في اليمن؛ ما قد يؤدي إلى هجمات حوثية جديدة في المستقبل تستهدف الأراضي الإماراتية. وإذا بدأ الحوثيون حملة أطول ضد الإمارات؛ فسيؤدي ذلك إلى إلحاق ضرر كبير بسمعة البلاد كمكان آمن للاستثمار وممارسة الأعمال التجارية، ما يضر باستراتيجية التنويع الاقتصادي للبلاد.

Facebook Comments