البيان الأخير الذي أصدرته عائلة مبارك الثلاثاء 17 مايو 2022م، والذي تتباهى فيه بأن القضاء الأوروبي حكم ببراءة الأسرة وفك قرارات التجميد لأرصدتها في البنوك الأوروبية، حوى كثيرا من التدليس؛ ذلك أن المحاكم الأوروبية التي اتخذت قرارات تجميد أرصدة مبارك وحاشيته ليست جهة تحقيق في هذه القضايا؛ بل اتخذت هذه القرارات كإجراء احترازي لمنع هروب هذه الأموال إذا ثبت أنه ملك الشعب المصري وتم الحصول عليها بطرق غير مشروعة. لكن نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي هو من أهمل أو تواطؤ في هذا الملف ولم يقدم الأدلة الكثيرة التي تبرهن أن هذه الأموال ملك للشعب وتم السطو عليها بطرق غير مشروعة.

البيان تلاه جمال مبارك باللغة الإنجليزية بعنوان "لقد انتصرنا يا أبي"! .. يتجاهل فيه آل مبارك أن البراءة التي حصلوا عليها في معظم القضايا التي تلت ثورة يناير إنما جاءت بسبب فساد المنظومة القضائية وتواطؤ النيابة العامة مع مبارك وحاشيته فطمست الأدلة وأخفت أدلة الإدانة حتى تتنتهي مسرحية المحاكمات إلى براءة  مبارك الأب وحاشيته رغم فسادهم الذي ملأ أرجاء الوطن.

كل الأدلة والشواهد تؤكد أن نظام العسكر سواء في عهد المجلس العسكري أو بعد انقلاب 03 يوليو 2013م، تعمد حماية مبارك ونجليه وعصابته؛ وضيَّع على مصر استراداد مليارات الدولارات، والاستفادة من هذا المبلغ الضخم في بناء مئات المدارس والمستشفيات ومحطات الكهرباء والمياه. فلم يستجب النظام لمطالب الحكومة السويسرية البسيطة والمتكررة والتي اشترطت ما يثبت تقديم أن هذه الأموال ليست ملكا لمبارك، وأنها ناتجة عن أنشطة غير مشروعة، أو تم الحصول عليها بطريقة غير قانونية، وأنها تخص الشعب المصري وليس غيره. فهل كان من الصعب تقديم ما يثبت أن مرتب مبارك كرئيس للدولة يبلغ 808 دولارات فقط شهريًا، كما تقول الوثائق الرسمية، وأنه من المستحيل أن يكون هذا المبلغ البسيط قد تراكم ليصبح ثروة طائلة تقدر بمليارات الدولارات تم تحويلها للخارج وتوزيعها ما بين بنوك سويسرية وأوروبية وعقارات بريطانية وفرنسية وألمانية وأذون خزانة وسندات أميركية؟ وهل كان من الصعب على الحكومة إرسال نسخة من الحكم الصادر عن محكمة الجنايات بحق مبارك ونجليه جمال وعلاء في القضية المعروفة  باسم "القصور الرئاسية" وهل كان من الصعب إرسال نسخة من الحكم النهائي الصادر عن محكمة النقض المصرية، أعلى جهة تحقيق في مصر، والذي دان مبارك ونجليه في قضية القصور الرئاسية، كما رفضت المحكمة الطعن المقدم من مبارك ونجليه لإلغاء الحكم السابق الصادر من محكمة الجنايات بالقاهرة؟

وفي هذا التقرير نرصد تفاصيل قضية القصور الرئاسية التي أدين فيها الرئيس الأسبق حسني مبارك. حيث تعتبر هذه القضية هي البرهان الساطع على حماية المجلس العسكري ومن بعده السيسي لمبارك وحاشيته؛ فهي القضية الوحيدة التي حكم فيها على الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك؛ وكانت محكمة النقض قضت في (يناير 2016) بتأييد حكم الجنايات الصادر(في مايو 2015) بالسجن المشدد 3 سنوات لمبارك ونجليه وتغريمهم متضامنين مبلغ 125 مليون و779 ألف جنيه، وإلزامهم متضامنين برد 21 مليون و197 ألف، وذلك إثر إدانتهم بالاستيلاء على 125 مليون جنيه من ميزانية مؤسسة رئاسة الجمهورية والتزوير في محررات رسمية. فلماذا  أدين مبارك في هذه القضية دون غيرها  من القضايا الأخرى التي كان متهما فيها؟  لذلك قصة عجيبة تحمل الكثير من الدلالات والمعاني. وفي 13 يونيو 2011، أصدرت اللجنة  القضائية التي تشكلت  بالقرار رقم 5841 لسنة 2011 من المستشار محمد عبدالعزيز الجندي، وزير العدل الأسبق، والتي كلفها بحصر كافة أموال ومحتويات ومقتنيات القصور الرئاسية، وقد انتهى تقرير اللجنة إلى عدم  وجود عجز سواء في الأموال أو المقتنيات أو العهدة الخاصة بالقصور الرئاسية. لكن النائب العام طلعت عبد الله الذي تم تعيينه بقرار من الرئيس محمد مرسي، لم يطمئن إلى عمل هذه اللجنة، وكلف فريقاً من أعضاء النيابة للتحقيق في المخالفات المالية التي تمت في أموال القصور الرئاسية خلال فترة حكم مبارك، وانتهت التحقيقات إلى أنه يوجد عجز في أموال القصور الرئاسية بلغ 126 مليون جنيه استولى عليها مبارك ونجلاه؛ حيث جاء الحكم في القضية موافقاً ومؤيداً لما انتهى إليه النائب العام المستشار طلعت عبد الله ورفاقه".

معنى ذلك أن اللجنة القضائية الأولى التي رأسها المستشار أحمد إدريس وضمت في عضويتها المستشار خالد المحجوب صاحب قرار إحالة القضية المعروفة إعلامياً باسم "الهروب من وسجن وادي النطرون" التي اتهم فيها الرئيس الشهيد محمد مرسي وبعض قيادات الإخوان الذين كانوا مخطوفين وقتها دون وجود أي أوراق ثبوتية بشأن اعتقالهم واحتجازهم. هذه اللجنة أصدرت تقريرها بالمخالفة للحقيقة؛ فإنْ كان ما جرى هو من باب القصور وعدم الخبرة فلا يستحقون المناصب القضائية التي تبؤوها، وإنْ كان ما جرى إخفاء للحقيقة لمساعدة مجرم من الإفلات من العدالة، وإهدارا لمال الشعب؛ فإن تلك جريمة تستوجب المحاكمة والعقاب. لكن الذي جرى عكس ذلك تماما؛ فقد جرى التنكيل بالنائب العام المستشار طلعت عبدالله وإحالته للصلاحية من جانب سلطات الانقلاب، فيما كوفئ المحجوب بتعيينه في المكتب الفني لـ "نائب عام الانقلاب هشام بركات""، وحتى الضابط عصام فتحي الذي كان يعمل في هيئة الرقابة  الإدارية وفجَّر القضية بعد لقائه بالرئيس مرسي وتقديم أدلة إدانة مبارك ونجليه، تمت إحالته للتقاعد، بينما رئيس الرقابة الإدارية وقتها الجنرال محد تهامي، والذي حاول منع نشر تقرير إدانة مبارك ونجليه فقد كوفي بعد الانقلاب بتعيينه رئيسا لجهاز المخابرات العامة!.

خلاصة الأمر أن التحقيقات التي كانت تجريها النيابة العامة في عهد المجلس العسكري عندما كان المستشار عبدالمجيد محمود نائبا عاما، ثم  في عهد ما بعد انقلاب 3 يوليو،  كانت ولا تزال مجرد تحقيقات شكلية الهدف منها تهدئة الرأي العام دون كشف الحقائق وتقديم الأدلة التي تدين مبارك وقيادات نظامه، والقضية الوحيدة التي جرى التحقيق فيها بنزاهة وشفافية وشارك فيها بعض المخلصين من أبناء مصر في أحد الأجهزة الرقابية تمت إدانة مبارك ونجليه فيها. وبالتالي فإن مسلسل البراءة لمبارك وجميع رجال عهده إنما كانت خطة ممنهجة أشرفت عليها المؤسسة العسكرية ونفذتها الدولة العميقة في الجهاز القضائي وباقي أجهزة الدولية الرقابية والأمنية. والتي فضلت طمس الأدلة وإخفاء الحقائق لحماية رجال عهد مبارك باعتبارهم أعضاء بارزين في كيان الدولة العميقة التي كانت ـ ولا تزال ـ تحكم مصر فعليا وتهيمن على جميع مفاصل الدولة حتى بعد  الإطاحة بمبارك. في ضوء  هذه الحقائق يمكن فهم أبعاد قرار منع الحظر والتصرف في أموال مبارك وأسرته فهم جزء من العصابة التي تستظل بحماية المؤسسة العسكرية وأركان الدولة العميقة.

 

 

Facebook Comments