بعيدا عن تقرير صحتها، نقل إلينا الموروث الأدبي وصية كليب بين ربيعة التغلبي لأخيه أبي ليلى المهلهل، كتبها بالدم بعد أن طعنه جساس بن مرة: «لا تصالح»، لكن الثابت تاريخيا أنه اندلعت على إثر مقتله حرب الثأر ما يقرب من أربعين سنة، كاد الحيّان التغلبيون والبكريون أن يتعرضا للفناء.
اليوم يرفع السوريون المعارضون لنظام بشار شعار «لن نصالح»، على إثر دعوة تركية للمصالحة بين المعارضين والنظام، انطلاقا من رؤية مفادها، أنه لن يكون هناك سلام دائم إلا بالمصالحة.
لئن كانت دعوة «لا تصالح» في قصة كليب، دعوة عدوانية، يريد بها محتضر أن تشتعل الدنيا بعد وفاته من أجله، أو يستغلها طالب الثأر، أخوه أبو ليلى الملهل سالم، في تحقيق مجد شخصي بإفناء البكريين مقابل رأس أخيه، فإن «لن نصالح» التي رفعها المعارضون السوريون لها ألف وجه يبررها، وليس في التمسك بها رغبة في العداء والخراب، لأن الأرض صارت بالفعل خرابا.
السوريون المعارضون عبّروا عن غضبهم، سواء عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، أو عن طريق المظاهرات التي اندلعت في المدن السورية، التي تسيطر عليها فصائل المعارضة، أو القوات التركية، على إثر الدعوة التي أطلقها مولود تشاوش أوغلو وزير الخارجية التركية: «علينا أن نجعل النظام والمعارضة يتصالحان في سوريا، وإلا لن يكون هناك سلام دائم». من حق السوريين أن يغضبوا لمثل هذا التصريح، فعلى مدى 11 عاما، سقط مئات الآلاف من الضحايا، والملايين من الجرحى والمعتقلين والمهجّرين على يد نظام الإبادة الأسدي، الذي ارتكب المجازر بالأسلحة الكيميائية والبراميل المتفجرة وقنابل الفوسفور، وغيرها من الأسلحة الفتاكة، فما من بيت إلا وله ثأر عند هذا النظام الجائر، لم يتعرض لمحاسبة دولية، وترك يذبح الشعب بمعاونة إيرانية روسية، فكيف بعد كل هذا الدمار الذي لحق بسوريا، يُطالَب السوريون بالرضوخ للأمر الواقع، والمصالحة مع السفاح، وتبديد كل سنوات النضال من أجل نيل الحرية؟!

من حق السوريين أن يغضبوا، لأن الحديث التركي عن مصالحة بين المعارضة والنظام، يعني العودة القسرية لملايين اللاجئين إلى سوريا يحكمها طاغية، فهم يدركون أن هذه المصالحة إذا قدر لها أن تتم فسوف تكون على إثر تقارب تركي سوري، ما يعني تخلي تركيا عن اللاجئين الذين احتضتنهم على مدى سنوات، وجعْلهم عرضة لمقصلة الطاولات السياسية وتقاطع المصالح. ويدعم مخاوف السوريين تجاه هذا التقارب، القمة الثلاثية التي جمعت الشهر الماضي رؤساء تركيا وروسيا وإيران في طهران، وما أعقبها من زيارة لوزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان إلى أنقرة ودمشق، ما يوحي بأنه مؤشر على تحول نوعي في موقف الأتراك تجاه الملف السوري. أتفهم إلى حد بعيد، الضغوط التي يتعرض لها النظام التركي داخليا وخارجيا، ما يدفعه إلى الاتجاه إلى تبني موقف أكثر رخاوة في الأزمة السورية، فالتيار القومي يضغط بقوة بورقة اللاجئين السوريين على الأراضي التركية، وتدرجها الأحزاب المعارضة في برامجها السياسية للانتخابات المقبلة، وتروج لأن وجود اللاجئين أحد كوارث نظام العدالة والتنمية، التي أتت على حساب الحالة الاقتصادية للأتراك، وهو الأمر الذي يهدد بقاء حزب أردوغان على سدة الحكم.

ومن ناحية أخرى، هناك ضغوط روسية وإيرانية بشأن العملية العسكرية التي تعتزم تركيا شنها على قوات سوريا الديمقراطية «قسد» الموالية لحزب العمال الكردستاني، التي تنطلق من صميم الحفاظ على الأمن القومي التركي، باستكمال المنطقة الآمنة، وهناك وساطة روسية وإيرانية في هذا الشأن لشن عمليات على تلك الوحدات عن طريق نظام بشار الأسد، وليس القوات التركية، لمنع تنامي النفوذ التركي في المنطقة. وأتفهم كذلك أن تركيا دولة تبحث عن مصالحها، وتعقد سياساتها الخارجية بثوابتها ومتغيراتها وفقا لهذه المصالح، ولا تريد الدخول في عزلة دولية، وتتلاقى مع هذا حينا ومع ذاك حينا آخر. لكن مع ذلك، يحق للسوريين أن يغضبوا، ويحق لهم التعبير عن رفضهم ومخاوفهم من أن يتم إدراج وجود الأسد في سوريا ما بعد الحرب. لكن حتى لا نستبق الأحداث، تنبغي الإشارة هنا، إلى أن القيادة التركية تداركت الأمر بعد هذا الغضب السوري العارم، حيث أصدرت الخارجية التركية بيانا أكدت فيه مواصلة أنقرة جهودها لإيجاد حل دائم للنزاع في سوريا بما يتماشى مع تطلعات الشعب السوري، وأنها تدعم الحل السياسي وفق القرار الأممي 2254، كما أكد البيان أن تركيا تسعى لتوفير الشروط المناسبة لعودة طوعية آمنة للاجئين، معربا عن أن المسار السياسي لا يشهد تقدما حاليا بسبب مماطلة النظام.
فحوى البيان، ربما يشير إلى أن تصريح المصالحة كان بهدف جسّ النبض لدى المعارضة والنظام معا، وربما كانت مناورة تركية للضغط على الولايات المتحدة التي تتخذ من القوات الكردية في الشمال السوري حليفا لها، وربما كانت مناورة أيضا مع الروس لتوسيع دائرة الخيارات.

ومن ثم لا ينبغي تحميل التصريحات أكثر مما تحتمل، لكن الغضب السوري كان خطوة قوية بامتياز، تقطع الطريق على التفكير في أي مشروع مصالحة مع النظام الجائر بمعزل عن القرار الدولي 2254 وتطبيق بنوده بالتسلسل المقرر، هيئة حكم انتقالية، ثم إنشاء دستور جديد، والعودة الطوعية للاجئين، ومحاسبة جميع الأطراف على انتهاك حقوق السوريين. وفي الوقت ذاته، لا نغفل أن التعبير عن الغضب الشعبي ينبغي أن يكون في إطار سلمي، من دون التجاوز بحق تركيا، فلم تقدم دولة دعما للسوريين كما فعلت، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

…………
*كاتبة أردنية

نقلا عن "القدس العربي"

Facebook Comments