رؤية حول “فشل التحديث والتحول الديمقراطي في مجتمعاتنا”..ماذا قالت؟

- ‎فيتقارير

قالت ورقة بحثية بعنوان “فشل التحديث والتحول الديمقراطي في مجتمعاتنا”، نشرها موقع “الشارع السياسي” على الشبكة، إن بقاء الأشكال السلطوية والعسكرية في الحكم ليس دائمًا، بل إن التغيير حتمي، ولكن تجربة الفشل غير مضمونة في أن تتغير.

 

وخصصت الورقة عبر آراء أكاديميين من تيارات سياسية بين اليمين واليسار استطلاع سيناريوهات التحول الديمقراطي، في محاولة منها للإجابة على سؤال: “هل يمكن أن تستمر الدولة العربية في ظل وضعها الراهن؟ هل يمكن أن تستمر تجربة الفشل إلى الأبد، وتظل النخب السلطوية والعسكرية الحاكمة في مواقعها، بصرف النظر عن تكلفة استمرارها على الدولة والمجتمع، وعلى فرص التحديث في بلادنا؟”.

 

وأجابت: “يبدو أن ذلك مستبعد، فالتغيير حتمي. لا يقود المسار بالضرورة إلى التحديث، بل قد يقود إلى مزيد من الفشل والتفسخ، أو الانقطاع في تجربة الدولة الحديثة في بلادنا، مفسحًا المجال لأشكال حكم جديدة، حتى وإن أخذت الشكل الخارجي للدولة”.

 

3 تفسيرات للفشل

 

وعن أسباب فشل التحول أو التغيير، استعرضت الورقة 3 سيناريوهات رئيسية:

 

أحدها يفترض “أن المشكلة تعود إلى تقليديتنا وفشلنا في توطين التحديث في مجتمعاتنا، وهو ما يبدو متناقضًا مع حداثة مؤسسات الضبط والمراقبة في مجتمعاتنا، وفي تبنيها استراتيجيات حديثة، وفي دخول أنماط الحداثة والحياة الحديثة إلى مجتمعاتنا، مع اختلاف في معدلات التحديث باختلاف الشرائح الاجتماعية وتباين مواقعها الطبقية”، واستعرضت تفسيرًا آخر يرى أن “فشل الدولة العربية الحديثة كونها بنية مستوردة، غريبة عن المجتمعات العربية. نضيف إلى ما سبق ما أثاره معلقون من أن هذه الدولة موروثة عن المرحلة الاستعمارية، وبالتالي رغم تغير النخبة الاستعمارية بنخبة وطنية، إلا أن الدولة ظلت محتفظة باستراتيجياتها القمعية، وكثير من أدواتها العنيفة، فاستمر العداء والتوجس المتبادل بين الدولة والمجتمع”، ومقابل هذين التفسيرين، تفسير ثالث يرى أن “فشل تأسيس دولة عربية حديثة تدفع عجلة تحديث المجتمعات العربية يعود إلى البنى والترتيبات والقيم والتصورات الاستبدادية الموروثة عن الدولة السلطانية، التي كانت بدورها مزيجًا يجمع بين الملك الدهري الذي عرفته الجزيرة العربية قبل البعثة النبوية، ونمط التنظيم الآسيوي الذي ورثته وتمثلته الدولة الإسلامية عقب حركة الفتوح. وفق هذا التصور، فإن هذه الموروثات مع بعض مدخلات عمليات التحديث غير المكتملة والمشوهة؛ أنتجت الدولة العربية الحديثة. هناك كذلك من يرى أن مشكلة الاجتماع السياسي العربي الحديث والمعاصر تكمن في الدولة ذات المرجعية الوستفالية نفسها؛ فهي سر الانهيار والعنف والتراجع في مجتمعاتنا”.

 

أسباب الفشل

 

تتفق الورقة على أن الدولة العربية فشلت في إنتاج التحديث والتحول الديمقراطي ومنظومة حقوق إنسان متطورة ومجتمع مدني قوي وفاعل لأسباب:

 

محتكرو العنف

 

ونقلت الورقة عن الباحث نزيه الأيوبي (الذي درس 10 سنوات التغيير في ضوء المنهج الماركسي الكلاسيكي) 3 أسباب لفشل التغيير في المجتمعات العربية الحديثة:

  1. مع عدم بروز تشكيل طبقي راكم رأس المال وأعاد تشكيل المجتمع بما يضمن له استمرار الهيمنة، ومع وجود تنوع في أنماط الإنتاج، صارت ماكينة الدولة التي تحتكر العنف هي باب التغيير ومدخله، وصارت تبني علاقات زبائنية مع الشرائح والمجموعات المتحالفة معها.

  2. مع غياب تشكيل اجتماعي مهيمن، صارت الدولة تعوض غياب هذا التشكيل، وتضفي الوحدة على تشكيلات اجتماعية متعددة بشكل واسع. ومن ثم أصبحت للدولة هذه الأهمية الحاسمة، وهيمن العنصر السياسي، وبات لدينا دولة مهيمنة ومجتمع ضعيف؛ دولة تعبر عن شرائح ضيقة، مع ادعاء تمثيل أوسع للمجتمع.

  3. ثم جاء الاستعمار الذي ألحق الدولة والمجتمعات العربية بالنظام الرأسمالي العالمي.

الدولة التسلطية

 

وعن الدولة الاستبدادية، نقلت الورقة عن خلدون النقيب تفسيره للاستبداد العربي، مشيرًا إلى الدور الذي لعبته الطبقات الوسطى في المدن، ذات الأصول الريفية، في دعم الانقلابات التي شهدتها المنطقة العربية في الخمسينيات وما بعدها.

وأشار في الوقت ذاته إلى أن الطبيعة العسكرية للنخب الجديدة كرست أكثر من الطبيعة الاستبدادية للدولة في المنطقة العربية، فقد أسسوا موقفهم من إدارة السلطة على رؤية مفادها أن “سبب فقدان الأمن وعدم الاستقرار… هو تعدد الآراء واختلاف الميول وتكاثر الأحزاب والتنظيمات…، ولذلك حتى يتحقق الأمن والاستقرار فلا بد من حل الأحزاب، وإن كان لا بد من وجودها فيتم التضييق عليها وخنقها تدريجيًا، لمصلحة الحزب الحاكم أو التنظيم الذي يدعمه العسكر”.

 

ارتباط التغيير بالعلاقة بين الفلاح وصاحب الأرض

 

ونقلت الورقة عن الباحث عصام خفاجي أن المجتمع بقي بمعزل عن التحديث، وأن ارتفاع معدلات البطالة كان في بدايات التحديث، ومع عدم وجود فرص عمل بديلة للمجال الزراعي، وإصدار تشريعات تمنع الفلاحين -رغم معدلات البطالة المرتفعة- من مغادرة بلادهم؛ كل ذلك استبقى العلاقات الما قبل الرأسمالية ورسخ بقائها.

 

بالمقابل، أوضح أن القوى البرجوازية المالكة للأراضي بدورها لم تجد دافعًا لضخ رؤوس الأموال المتراكمة لديها في أسواق صغيرة لا تغري بالمغامرة ولا تعد بالربح، وهو ما بدوره أيضًا حافظ على استمرار ما قبل الرأسمالية. ومع قدوم الاستعمار وحرصه على تعطيل وإجهاض محاولات التصنيع المحلي وفتح الأسواق المحلية أمام السلع المستوردة الجيدة والرخيصة، أُهدرت أي إمكانية تحول إلى الرأسمالية.

 

ووصف هذه العلاقة بـ”هيمنة الأرستقراطية الزراعية”، معتبرًا أنها وراء سيطرتها على المجال السياسي، كما أعادت تشكيل أدوار ووظائف المجتمع ككل، حيث “هيمن كبار ملاك الأراضي الزراعية على الحياة الاقتصادية لبلدان المشرق، وفي غياب مصادر الدخل المستقلة للحكومات لعب كبار الملاك دورًا شديد الأهمية في تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع”.

 

ترييف الدولة

 

مع رفع القيود عن هجرة الفلاحين واستمرار الفقر في الريف؛ زادت الهجرة من الريف إلى المدينة، فيما كانت الكراهية والازدراء المتبادل هي الحاكمة لعلاقة المهاجرين الريفيين بسكان المدن، إلا أن الجيل الثاني من الريفيين كانوا هم المحرك للتغيير بعد ذلك؛ “عبر حضورهم الكثيف في أجهزة الدولة الإدارية والقوات المسلحة”، إذ مثل المهاجرون الريفيون الطبقات الوسطى الجديدة، الذين سيطروا على جهاز الدولة. ومع الثورات التي قادوها، وتشظي الشرائح الاجتماعية القديمة، سادت الدولة المسيطرة ذات الطابع الريفي، وفشلت محاولات التحديث.