أعدت احتجاجات الأطباء على قانون المسئولية الطبية الذي تحاول حكومة الانقلاب فرضه عليهم بكل الوسائل، وهو ما يهدد بانهيار المنظومة الصحية وهجرة الأطباء إلى الخارج ورفض العمل في مصر.
كانت التعديلات الأخيرة التي أقرها مجلس نواب السيسي على القانون قد أثارت انتقادات الأطباء، خاصة مع رفع الغرامات في حالة الخطأ الطبي لتصل إلى مليون جنيه وإحالة القضايا إلى قانون العقوبات، وهو ما يعرض الأطباء للسجن لمدة تصل إلى 5 سنوات.
كما تسببت هذه التعديلات في استقالة 4 أعضاء من مجلس نقابة الأطباء، خاصة بعد قرار تأجيل الجمعية العمومية التي كان من المقرر عقدها أول أمس الجمعة 3 يناير، وهو ما يهدد بـ”فركشة” مجلس نقابة الأطباء وإشعال الصراعات داخله، وهو ما يسعى إليه قائد الانقلاب الدموي عبدالفتاح السيسي.
التعديلات المقترحة
تشمل التعديلات زيادة الغرامات بشكل ملحوظ، مع إضافة عقوبات سجن تصل إلى خمس سنوات في حالة الأخطاء الطبية الجسيمة، وهو ما يراه الكثيرون غير متناسب مع طبيعة العمل الطبي.
نقابة الأطباء
من جانبها، أعربت نقابة الأطباء عن تحفظاتها على هذه التعديلات، مؤكدة أن العقوبات الجنائية لا تتناسب مع الخطأ الطبي الذي قد يحدث في إطار معقد مثل الرعاية الصحية.
وقالت النقابة في بيان لها إنه تم تأجيل الجمعية العمومية لمدة شهر، مع استمرار الجهود مع مجلس نواب السيسي لتحقيق كامل مطالب الأطباء العادلة، وصدور النسخة النهائية من مشروع القانون.
وأشارت إلى أن لجنة الصحة بمجلس نواب السيسي عقدت اجتماعًا لمناقشة مشروع قانون المسؤولية الطبية، بحضور نقيب الأطباء أسامة عبدالحي، واستمعت اللجنة إلى شرح وافٍ لمطالب نقابة الأطباء وتعديلاتها المقترحة بشأن مشروع القانون.
وأضافت أن نقابة الأطباء نجحت في الوصول إلى إلغاء عقوبة حبس الأطباء في الأخطاء المهنية، والحبس الاحتياطي، وإضافة تعريف واضح للخطأ الطبي والتفريق بينه وبين الخطأ الطبي الجسيم.
استقالات
في رد فعل سريع على الأزمة، أعلن 4 أعضاء بمجلس النقابة استقالاتهم، بينهم الدكتور إبراهيم الزيات، أمين عام مجلس نقابة الأطباء، الذي أعلن استقالته عبر صفحته على الفيس بوك، وكتب: “كما وعدتكم جميعًا، إذ فشلت أرحل. بعد فشلنا في عمل جمعية عمومية طارئة لمصلحة الأطباء، ودفاعًا عنهم قررت الرحيل.”
5 مواد
وقال الدكتور جمال عميرة، وكيل نقابة الأطباء، إن إلغاء مادة الحبس الاحتياطي بمشروع قانون المسئولية الطبية وحماية المريض هو استجابة لواحدة من خمس مواد طلبت النقابة تغييرها.
وأضاف عميرة في تصريحات صحفية أن اجتماع لجنة الصحة بمجلس نواب السيسي لم يناقش أمورًا جوهرية، مشيرًا إلى أن مشروع القانون لا يزال ينص على حبس الأطباء في الأخطاء المهنية، وهو أمر غير موجود بأي مكان في العالم.
حبس وغرامات
وأعربت الدكتورة منى مينا، الأمين العام السابق لنقابة الأطباء، عن استغرابها الشديد من التعديلات التي أقرتها لجنة الصحة في مجلس نواب السيسي على قانون المسئولية الطبية.
وقالت منى مينا في تصريحات صحفية: يا للعجب! هؤلاء يدّعون أن التعديلات هي استجابة لمطالب نقابة الأطباء، بينما البعض يهلل لها، موضحة أن التعديل شمل استبدال المادة 27 القديمة ليتم رفع الغرامة في حالة الخطأ الطبي غير الجسيم إلى مليون جنيه، مع فرض عقوبة حبس لا تقل عن سنة ولا تزيد عن خمس سنوات في حالة الخطأ الجسيم.
وشددت على أن رفع الغرامة على الخطأ الطبي غير الجسيم إلى مليون جنيه أمر غير منطقي، موضحة أن العقوبات الجنائية التي تصل إلى السجن لمدة خمس سنوات وغرامة مليون جنيه في حالة الخطأ الجسيم تتطلب مراجعة دقيقة.
وأكدت منى مينا أن شركات التأمين لا تتحمل دفع الغرامات الجنائية، بل تقتصر مسؤوليتها على دفع التعويضات المدنية، مشيرة إلى أن التعديلات الحالية تظل غامضة فيما يتعلق بتعريف الخطأ الطبي ومدى تحديده بدقة.
وحذرت من أن المادة 23 من القانون، التي لم يتم تعديلها، تظل تشكل إشكالية، حيث تتيح إمكانية فرض عقوبات أشد غير محددة بشكل واضح، وهو ما يعزز القلق حول تطبيق القانون بشكل عادل ومنصف.
مراجعة شاملة
وشددت منى مينا على ضرورة أن يكون الرأي الفني للأطباء مرجعًا رئيسيًا في هذه القوانين، مشيرة إلى أن التعديلات التي أُقرت تستدعي مراجعة شاملة لضمان حماية حقوق الأطباء والمرضى على حد سواء.
وحول مشروع القانون الذي قدمته النقابة سابقًا، أوضحت أنه يتضمن تقسيمًا واضحًا بين المضاعفات الطبية، والأخطاء البسيطة، والإهمال الجسيم، كما ينص المشروع على إنشاء لجنة لتقرير المسؤولية الطبية تكون الجهة الأساسية لاستقبال وفحص الشكاوى الطبية، على أن تتكون اللجنة من ممثلين عن النقابات الطبية المختلفة وأعضاء من المجتمع المدني.
وأشارت إلى أن هذه اللجنة هي المسؤولة عن تحديد ما إذا كانت الحالة تمثل مضاعفات طبيعية، أو خطأ طبيًا يستحق تعويضًا مدنيًا، أو إهمالًا جسيمًا يتطلب المحاسبة الجنائية.
وكشفت منى مينا أن المشكلة في القانون المقترح حاليًا من حكومة الانقلاب أنه يسمح بتقديم شكاوى إلى جهات متعددة مثل النيابة، وزارة صحة الانقلاب، أو الجامعات في حالة المستشفيات الجامعية، وهذا يؤدي إلى تضارب وتكرار الإجراءات.
ولفتت إلى أن من أبرز المشكلات في القانون الجديد أنه يمنح المريض وذويه حق التقدم بشكاوى ضد الطبيب في اللجنة المُشكلة حديثًا، وفق القانون، وفي النيابة أيضًا، الأمر الذي يعني ازدواجية المحاسبة، بمعنى أن الطبيب يمكن أن تتم محاسبته أمام اللجنة والنيابة في آن واحد، ويُعاقب الطبيب وفق العقوبات الواردة بقانون المسؤولية الطبية أو أي قانون ينص على عقوبات أشد، ويظل رأي اللجنة في النهاية استشاريًا ومن حق النيابة أو القاضي ألا يأخذ به.
وطالبت منى مينا بتوحيد جهة المحاسبة لضمان العدالة للمرضى، وتحسين مستوى الكفاءات الطبية، وحماية الأطباء من التورط في قضايا جنائية لأسباب غير عادلة.
ظروف آدمية
وطالب الدكتور أحمد حسين، عضو مجلس نقابة الأطباء، بضرورة توفير الإمكانيات اللازمة للأطباء حتى يتمكنوا من أداء واجبهم كما هو مطلوب، موضحًا أنه حتى يتمكن الطبيب من ممارسة دوره كما يجب، يجب أن تتوافر لديه الإمكانيات اللازمة، سواء كانت أدوية أو مستلزمات طبية أخرى.
وشدد حسين في تصريحات صحفية على ضرورة أن يعمل الطبيب في ظروف آدمية ولمدة محددة لا تزيد عن ثماني ساعات يوميًا، مؤكدًا أن بعض الأطباء في الوقت الحالي يعملون لمدة 18 و24 ساعة داخل المستشفيات دون راحة، وبمرتبات ضعيفة، فضلًا عن عدم توافر الإمكانيات اللازمة.
وتساءل: كيف يُطلب من الطبيب في ضوء هذه الظروف الصعبة التعامل مع حالات طارئة وخطيرة، بينما هو مهدد بالسجن والعقاب في حال وقوع أي خطأ؟
وكشف حسين أن الطبيب يُعاقب إذا طلب من المريض شراء بعض الأدوية من خارج المستشفى، وفي الوقت ذاته لا تتوافر الأدوية داخل المستشفيات الحكومية. في مثل هذه الحالات، ماذا يفعل الأطباء، خاصة أن القانون الجديد لا يقدم حلولًا أو حماية للطبيب في هذه المواقف؟
وأوضح أنه في حالة وقوع اعتداءات على الأطباء بسبب نقص الإمكانيات أو سوء الأوضاع، لا يوفر القانون الجديد حماية كافية لهم. مشددًا على أن أغلب الاعتداءات على الأطباء يكون السبب الرئيسي هو نقص الإمكانيات المادية والبشرية التي تمنع الطبيب من القيام بدوره بشكل كامل.
وطالب حسين حكومة الانقلاب بتوفير ظروف آدمية للطبيب حتى يتمكن من أداء عمله، وإقرار نظام صحي شامل يضمن حقوق مقدم الخدمة الصحية ويوفر له الإمكانيات اللازمة، وفي الوقت نفسه يكفل للمريض الحصول على أفضل رعاية صحية ممكنة، وبجانب ذلك، يجب أن يكون هناك ضوابط واضحة لمعاقبة من يرتكب فعلًا إجراميًا، والتفريق بين هذا وبين الأخطاء الطبية غير المقصودة التي تحدث في إطار العمل الطبيعي.