شهدت صفقة استحواذ مجموعة طلعت مصطفى على محفظة الفنادق التاريخية المصرية، ثم دخول الكيانات الإماراتية عبر إعادة هيكلة معقدة، سلسلة من الفضائح التي أثارت جدلًا واسعًا.
وشملت الصفقة فنادق ذات قيمة تاريخية وثقافية كبرى، منها: "ماريوت مينا هاوس المطل على الأهرامات، الذي استضاف مباحثات تاريخية"، و"سوفيتيل ونتر بالاس الأقصر المسجل كأثر منذ عام 1997"، وفنادق أخرى مثل: شتايجنبرجر سيسيل الإسكندرية، سوفيتيل ليجند أولد كتراكت أسوان، موفنبيك أسوان، شتايجنبرجر التحرير، وماريوت عمر الخيام الزمالك.
وتكشف رحلة فنادق ما يعرف ب"ليجاسي" عن مزيج معقد من الصفقات المالية، إعادة الهيكلة، والملاذات الضريبية، التي انتهت بتحويل ملكية أصول تاريخية مصرية إلى كيانات إماراتية.
والفضائح المرتبطة بالصفقة – من تسجيل الشركات في الكايمان كملاذ ضريبي، إلى مخالفة الاتفاقيات الدولية، إلى الأرباح المحققة قبل الاستحواذ – تطرح تساؤلات جوهرية حول شفافية الطروحات الحكومية وجدوى التخلي عن أصول استراتيجية مقابل حصيلة فورية.
ويظهر من استقصائي أجرته منصة "متصدقش" أن المستفيد الأكبر كان مجموعة طلعت مصطفى وشركاؤها الإماراتيون، بينما خسرت الدولة المصرية موردًا دولاريًا مستدامًا كان يمكن أن يسهم في دعم الاقتصاد الوطني على المدى الطويل.
وفي 21 ديسمبر 2023، استحوذت مجموعة طلعت مصطفى على حصة أغلبية في محفظة تضم سبعة فنادق تاريخية مملوكة للحكومة المصرية، بقيمة تقارب 800 مليون دولار.
بعد أقل من شهر، في 12 يناير 2024، دخلت الإمارات عبر صندوق أبو ظبي السيادي (ADQ) و"أدنيك"، بحصة تقارب 40% من شركة "آيكون" المالكة للفنادق.
في 24 ديسمبر 2025، أعلنت شركة "مدن القابضة" الإماراتية تخارجها الكامل لصالح صندوق أبو ظبي السيادي، في خطوة وُصفت بأنها إعادة هيكلة داخلية بين كيانات حكومية إماراتية.
4 خطايا في الصفقة
ورصد التقرير 4 خطايا متعلقة بالصفقة أبرزها؛ تسجيل الشركات في ملاذات ضريبية مثل جزر الكايمان، بما يتيح تهريب الأرباح للخارج بعيدًا عن أعين السلطات المصرية إضافة إلى تعارض النشاط مع الاتفاقيات الدولية التي وقّعت عليها مصر للحد من الممارسات الضريبية الضارة.
ورصدت أيضا تحقيق الشركة المملوكة من طلعت مصطفى والإماراتيون أرباحا من أصول حكومية قبل اكتمال الاستحواذ، وهو ما يثير تساؤلات حول تقييم الصفقة وأسسها المحاسبية.
واعتبر خبراء للمنصة أن التخلي عن أصول فندقية تاريخية تدر عملة صعبة مقابل حصيلة دولارية فورية، يضع علامات استفهام حول جدوى القرار على المدى الطويل.
وقال خبير في السياسات الضريبية: إن "الدافع الأبرز لدى بعض المستثمرين لا يقتصر على الاعتبارات الضريبية، بل يمتد إلى السعي للحصول على حصانة قانونية للأصول وتقليل مخاطر المصادرة لو حدثت تغييرات سياسية أو أي تبعات قانونية، بحسب المنصة".
جزر الكيمان
وكشف تقرير "متصدقش" أن تأسيس كيان باسم TMG للاستثمار الفندقي في جزر الكايمان، تحت مظلته ثلاث شركات، منها شركتان باسم "آيكون للاستثمار الفندقي" مسجلتان في الإمارات والكايمان ويتيح تسجيل هذه الشركات في الخارج عدة ميزات أبرزها؛ تحويل الأرباح بالعملة الصعبة دون قيود البنك المركزي المصري، وتجنب التدقيق الضريبي داخل مصر، والاستفادة من السرية المالية التي توفرها الملاذات الضريبية.
وسبق ل"البنك الدولي" أن حذّر في تقارير سابقة من أن مثل هذه الممارسات تؤدي إلى استنزاف إيرادات الدول التي كان يمكن أن تُستخدم في تمويل الصحة والتعليم.
وخالف طرفي الصفقة الاتفاقيات الدولية حيث انضمت مصر عام 2021 إلى اتفاقيات متعددة الأطراف للحد من الممارسات الضريبية الضارة وتنص هذه الاتفاقيات على أن إنشاء كيانات وسيطة في ولايات منخفضة الضرائب دون نشاط اقتصادي فعلي يُعد إساءة استخدام.
وقال الخبراء: إن "هيكلة مجموعة طلعت مصطفى عبر كيانات في الكايمان وبريطانيا والإمارات تتعارض مع هذه الاتفاقيات، إذ فصلت مكان مراكمة الأرباح عن مكان النشاط الفعلي داخل مصر".
ولفت خبير إلى أهمية "الخصوصية" التي توفرها "الملاذات" موضحًا أن المستثمرين المسجلين في ملاذات ضريبية يستفيدون من السرية المالية بحيث يصعب تعقب أملاكهم وثرواتهم، مع مرونة تتيح إعادة ترتيب الحسابات والتدفقات داخل المجموعة، مضيفًا أن هذه الهياكل قد تتيح نظريًا تقليص الإيرادات الدفترية عبر تحميل الشركات العاملة بمصروفات داخلية وهمية، بما يخفض الوعاء الخاضع للضريبة.
الأرباح قبل الاستحواذ
وأظهرت القوائم المالية أن مجموعة طلعت مصطفى حققت أرباحًا بقيمة 37 مليون دولار من تشغيل الفنادق قبل اكتمال الاستحواذ، وهذه الأرباح حُولت إلى الشركة المسجلة في بريطانيا، ثم إلى الكيان الإماراتي.
يثير ذلك تساؤلات حول الأساس المحاسبي الذي جرى بموجبه تسجيل هذه الأرباح، خاصة أنها تعود لفترة كانت الأصول لا تزال مملوكة للحكومة المصرية.
وحصلت الحكومة المصرية على نحو 620 مليون دولار من الصفقة، وهو مبلغ مهم في ظل أزمة العملة الصعبة ولكن في المقابل، فقدت الدولة السيطرة على أصول تدر أرباحًا دولارية مستدامة.
وبعد الاستحواذ، ارتفع صافي ربح النشاط الفندقي لمجموعة طلعت مصطفى من 1.5 مليار جنيه في 2023 إلى 6.7 مليار جنيه في 2024، أي أربعة أضعاف.
وباتت هذه الأرباح قابلة للتحويل إلى الخارج عبر الهيكل الجديد، ما يثير مخاوف بشأن فقدان موارد دولارية طويلة الأجل.
وشكّل النشاط الفندقي نحو 47% من إجمالي أرباح المجموعة في 2024. وفي الأشهر التسعة الأولى من 2025، حقق القطاع الفندقي أرباحًا تقارب 5 مليارات جنيه، أي نحو 40% من أرباح المجموعة.
آيكون ومدن وغيرها
تعمل مجموعة "طلعت مصطفى" في القطاع السياحي والفندقي عبر ذراعها "آيكون" (ICON)، التي تأسست وسُجلت في مصر عام 2005.
ودخلت الكيانات الإماراتية سريعًا عبر شركات مسجلة في مركز أبو ظبي العالمي، الذي يمنح مزايا ضريبية، والمساهمون الرئيسيون في الشركة الأم الإماراتية كانوا مرتبطين مباشرة بصفقة الاستحواذ، ما يعكس تنسيقًا محكمًا بين مجموعة طلعت مصطفى والجهات الإماراتية.
التخارج الأخير لشركة "مدن القابضة" لصالح صندوق أبوظبي السيادي يؤكد أن السيطرة النهائية على الأصول باتت إماراتية بالكامل.
في 24 ديسمبر 2025 أعلنت شركة "مدن القابضة" الإماراتية الحكومية تخارجها الكامل من حصتها غير المباشرة في شركة "آيكون" الفندقية لصالح صندوق أبو ظبي السيادي (ADQ)، في خطوة تُعدّ ترتيبًا داخليًا وإعادة هيكلة بين كيانات مملوكة للحكومة الإماراتية.
تمكنت الإمارات من دخول "آيكون" التابعة لمجموعة "طلعت مصطفى"، بعد أن استحوذت الأخيرة قبل عامين على حصة أغلبية في محفظة تضم سبعة فنادق تاريخية كانت مملوكة للحكومة المصرية، وذلك في 21 ديسمبر 2023، في صفقة تُقدَّر قيمتها بنحو 800 مليون دولار.
بعد نحو 20 يومًا فقط، في 12 يناير 2024، أعلنت كل من "القابضة (ADQ)" و"أدنيك" المملوكتين للحكومة الإماراتية الاستحواذ على نحو 40% من شركة "آيكون" المالكة لمحفظة الفنادق التاريخية المصرية، لتظهر الإمارات سريعًا داخل الشركة التي أصبحت تتمتع بحقوق الإدارة والتشغيل للفنادق.
https://x.com/matsda2sh/status/2006721034565607502