كأى مشروع يركز على الشكل والشو الإعلامى تحولت مدارس المتفوقين فى العلوم والتكنولوجيا (STEM) فى زمن عصابة العسكر من مشروع يستهدف إعداد العباقرة فى المجالات العلمية والتكنولوجية من أجل النهوض بالوطن ووضعه على خريطة الدول المتقدمة إلى مجرد مدارس لا تحمل من التفوق إلا اسمه بل تعمل على معاقبة المتفوقين ووأد تطلعاتهم وأحلامهم عبر منظومة متخلفة فى وزارتى التربية والتعليم والتعليم العالى بحكومة الانقلاب .
ورغم خصوصية نظام STEM واختلاف أدوات قياسه، يجد الطالب نفسه خاضعاً لمنظومة قبول جامعى تتعامل معه بالمنطق ذاته المطبق على أنظمة تعليمية تقليدية، لا تعكس طبيعة الجهد البحثى والمهارى الذى بُنى عليه هذا المسار.
ومع تصاعد شكاوى أولياء الأمور والطلاب، تتكشف فجوة واضحة بين فلسفة تعليم STEM وسياسات القبول الجامعى، خاصة فيما يتعلق بمعامل التفوق، ونظام الشرائح، واتساع الفجوات الرقمية، فضلاً عن غياب مسارات جامعية واضحة تستوعب مخرجات هذا التعليم .
هذه التحديات تطرح تساؤلات حول مدى قدرة المنظومة التعليمية فى زمن الانقلاب على احتضان المتفوقين علمياً، وتحويل تفوقهم إلى قيمة مضافة حقيقية تخدم سوق العمل .
السكن الداخلى
حول هذه المأساة قالت ولية أمر طالب فى مدارس المتفوقين إن المعاناة لا تقتصر على الجانب الأكاديمى فقط، بل تمتد إلى السكن الداخلى، موضحة أن مدارس STEM موزعة على محافظات محددة، ما يفرض على الطلاب الاغتراب عن أسرهم فى سن مبكرة .
وأكدت أن أبنها يعيش فى السكن الداخلى طوال العام الدراسى، فى ظل ضغوط نفسية وعلمية كبيرة، ومعاناة يومية تتعلق بالبعد عن البيت والالتزام الصارم بنظام لا يراعى دائماً احتياجات المراهقين النفسية، وأشارت إلى أن بعض الطلاب يعانون من الإرهاق الشديد والضغط العصبى نتيجة الجمع بين الدراسة المكثفة والمشروعات والتقييم المستمر، دون دعم نفسى كافٍ داخل السكن.
التنسيق الجامعى
وقالت إحدى الأمهات إن الصدمة الكبرى تأتى فى مرحلة التنسيق الجامعى، حيث يأتى تنسيق طلاب STEM بعد انتهاء مراحل تنسيق الثانوية العامة، ما يضع الطلاب فى حالة ترقب وضغط نفسى شديد، ويجعل سنوات التفوق والعمل البحثى المكثف وكأنها لا تُترجم إلى ميزة حقيقية فى القبول الجامعى.
وأشارت إلى أن المشكلة الأساسية تكمن فى سياسات التنسيق من جانب وزارة التعليم العالى بحكومة الانقلاب التى لا تراعى طبيعة دراسة طلاب STEM القائمة على الابتكار والبحث العلمى والتفكير النقدى، وهى طبيعة تختلف كلياً عن النمط التقليدى للتعليم.
معامل التفوق
وطالب ولي أمر بالحفاظ على معامل التفوق وعدم المساس به، مؤكدا أن الطلاب يستحقون نفس الحوافز التى يحصل عليها الطلاب المتفوقون رياضياً، سواء من حيث الدرجات أو المميزات الداعمة لتفوقهم الدراسى.
وحذر من أن إلغاء معامل التفوق يمثل إجحافاً بحق طلاب بذلوا جهداً استثنائياً وحققوا نتائج علمية متميزة، مطالبا بإعادة النظر فى نظام الشرائح الذى يوسع الفجوات بين الدرجات، وهو ما يحرم الطلاب المجتهدين من الالتحاق بكليات تتناسب مع قدراتهم الفعلية.
وشدد على ضرورة إعادة النظر فى آليات تنسيق طلاب STEM، بما يحقق العدالة التعليمية، ويضمن الاستفادة الحقيقية من قدراتهم العلمية والبحثية، محذرا من تحويل التفوق إلى عبء نفسي يدفع بعض الطلاب إلى الندم على اختيار هذا المسار من الأساس.
أوائل على الهامش
وكشف الدكتور تامر شوقى، أستاذ علم النفس التربوى بجامعة عين شمس عن وجود ضغوط نفسية وأكاديمية كبيرة يعانى منها طلاب STEM، إذ يلتحقون بها فى سن صغيرة، ويضطرون للتكيف سريعاً مع الحياة الداخلية الصارمة والمناهج المكثفة، مع خضوعهم لسلسلة طويلة من الاختبارات والمشروعات البحثية الجماعية.
وقال شوقى قى تصريحات صحفية بالنسبة للقبول الجامعى، فأن نظام «النسبة المرنة» لطلاب STEM له مزايا وعيوب، فهو يخصص مقاعد لطلاب هذه المدارس حتى لو حصلوا على مجموع منخفض نسبياً، لكنه قد يقلص فرص بعض المتفوقين بسبب الربط بعدد المقاعد بين طلاب STEM وطلاب الثانوية العامة، مؤكداً أن طالب STEM الحاصل على 60% قد يعادل مستوى طالب حصل على 90% فى الثانوية العامة، ما يستدعى إعادة النظر فى آليات التنسيق.
واقترح إنشاء تنسيق جامعى منفصل ومستقل لطلاب STEM، على غرار بعض المسارات التعليمية الأخرى، لضمان العدالة وعدم تحويل هؤلاء الطلاب إلى «أوائل على الهامش»، مؤكداً أن إنصافهم يتطلب تكامل أدوار وزارتى التربية والتعليم والتعليم العالى، عبر تطوير البنية التحتية، سد العجز فى المعلمين، تحسين الخدمات اللوجستية، والاستماع لشكاوى الطلاب وأولياء الأمور، إلى جانب تعديلات تشريعية عادلة فى القبول الجامعى.
وأشار شوقى إلى وجود عجز فى أعداد الأخصائيين النفسيين والمعلمين المؤهلين للتعامل مع هذه الفئة من الطلاب، مطالباً وزارة تعليم الانقلاب بزيادة الكوادر ورفع كفاءة المعلمين من خلال برامج تدريبية متخصصة .
وشدد على أن الدعم النفسى للطالب المتفوق ليس رفاهية بل ضرورة، نظراً لضغوط التفوق المستمر وصعوبة المناهج والبعد عن الأسرة.
عقوبة التفوق
وقال الباحث التربوى الدكتور طارق مقلد، إن مدارس STEM أنشئت كمشروع تعليمى خارج القوالب التقليدية، يستهدف إعداد طالب قادر على التفكير النقدى والابتكار، إلا أن الواقع الحالى يطرح تساؤلاً حول ما إذا كان هذا التفوق يُقابَل بالعقاب بدلاً من المكافأة.
وأكد مقلد قى تصريحات صحفية أن طلاب STEM يخضعون لنظام تعليمى معقد يعتمد على المشروعات البحثية والعمل الجماعى والتقييم التراكمى، ومع ذلك يتم اختزال جهودهم عند مرحلة التنسيق الجامعى فى رقم واحد، ثم مقارنتهم بمجاميع طلاب خاضوا مساراً تعليمياً مختلفاً، ما يمثل شكلاً من أشكال الظلم المقنع.
وحذر من الأثر النفسى الخطير لهذا النظام، مشيراً إلى ضغوط دراسية كبيرة، وحالة من القلق مع تأخر إعلان التنسيق، ليصطدم الطالب بنتائج لا تعكس جهده، ما يقلل ثقته بنفسه ويحول التفوق من ميزة إلى عبء نفسى.
وشدد مقلد على أن إنقاذ تجربة STEM لا يتحقق بإلغائها أو تجميلها إعلامياً، بل يتطلب إصلاحاً جذرياً، يشمل تنسيقاً جامعياً مستقلاً وعادلاً، وإنشاء مسارات جامعية واضحة، ودعم نفسى وأكاديمى مستدام، مؤكداً أن العدالة التعليمية لا تعنى توحيد الأرقام، بل احترام الاختلاف .
وحذر من أن معاقبة التفوق من جانب حكومة الانقلاب تهدد مستقبل التعليم ودولة العسكر معاً.