ما إن أعلن جهاز الإحصاء ، الجمعة الماضية، تسجيل مؤشر أسعار المستهلكين 264.2 نقطة، وتراجع معدل التضخم في ديسمبر 2025 إلى 10.3% مقابل 23.4% في ديسمبر 2024، حتى سارعت الحكومة إلى الترويج لانتصارٍ وهمي على موجات الغلاء التاريخية، مدعية نجاحها في ضبط الأسواق وتوفير السلع واستقرار سعر الصرف، وكأن المواطن يعيش واقعًا آخر غير الذي يراه يوميًا في المتاجر والأسواق.
غير أن هذا الخطاب الرسمي، الذي يجمّل أرقام الإحصاء، يصطدم بواقع اجتماعي ومعيشي أكثر قسوة، يؤكد أن ما يسمى «تراجع التضخم» لا يتجاوز كونه حسابات مكتبية لا تعكس تحسنًا حقيقيًا في حياة أغلبية المصريين، الذين باتوا عاجزين عن تلبية أبسط احتياجاتهم في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وتآكل الدخول.
اقتصاديون من اتجاهات فكرية وسياسية مختلفة يرون أن الحكومة تتلاعب بمؤشرات التضخم، مستندة إلى ما يُعرف بـ«أثر سنة الأساس المرتفعة»، وليس إلى تحسن فعلي في الإنتاج أو القوة الشرائية. فالتراجع المعلن، بحسبهم، جاء نتيجة انكماش الطلب وضعف الاستهلاك، بعد أن أنهكت موجات الغلاء المتتالية المواطنين، ودَفعت قطاعات واسعة إلى تقليص إنفاقها إلى الحد الأدنى.
ورغم تسجيل التضخم الشهري ارتفاعًا طفيفًا بنسبة 0.1% في ديسمبر مقارنة بنوفمبر 2025، فإن جهاز الإحصاء أرجع ذلك إلى تراجع أسعار بعض السلع الغذائية، مثل اللحوم والدواجن والألبان والخضراوات والفواكه، في تفسير يراه خبراء انعكاسًا لركود الطلب لا لوفرة حقيقية تُترجم إلى استقرار دائم في الأسعار.
وتعتمد الحكومة في ترويج روايتها المتفائلة على أرقام تُظهر تراجع التضخم خلال الربع الأخير من 2025، إلا أن مراقبين يؤكدون أن هذا «الهدوء المصطنع» قابل للانفجار مع أي زيادة جديدة في أسعار الطاقة أو تحريك لسعر الصرف، في ظل اقتصاد هش يعتمد بشكل كبير على الاستيراد ويفتقر لإنتاج محلي قادر على امتصاص الصدمات.
كما عزز اتحاد الغرف التجارية الخطاب الرسمي بتقارير عن توافر مخزون ضخم من السلع الأساسية يكفي البلاد لأشهر طويلة، إلا أن خبراء يشككون في دقة هذه البيانات، مشيرين إلى أن وفرة السلع في المخازن لا تعني بالضرورة انخفاضها في جيوب المواطنين، في ظل ارتفاع تكاليف النقل والتشغيل وهوامش الأرباح وضعف الرقابة على حلقات التوزيع.
ويؤكد خبراء التمويل والاقتصاد أن التضخم في مصر لا يزال «هيكليًا»، وأن ما تروج له الحكومة ليس إلا «انخفاضًا غير صحي» ناتجًا عن ضعف الطلب وانكماش القدرة الشرائية، وليس عن زيادة حقيقية في الإنتاج أو تحسن مستوى المعيشة. فأسعار الخدمات الأساسية مثل الطاقة والتعليم والصحة والنقل ما زالت مرتفعة، ولم تشهد أي تراجع يخفف العبء عن المواطنين.
في المقابل، يحذر مختصون في الزراعة من موجة تضخم جديدة مع ارتفاع أسعار الأسمدة وتكاليف الإنتاج، مؤكدين أن استقرار بعض السلع الغذائية مؤقت ومرتبط بتراجع الاستهلاك، وأن أي عودة للطلب ستترجم فورًا إلى زيادات سعرية جديدة.
ويجمع الخبراء على أن تراجع أسعار الغذاء عالميًا كان له دور نسبي في تهدئة التضخم، لكنه لم يصل إلى المستهلك المصري بسبب سوء الإدارة، وارتفاع الأعباء الضريبية، وتعدد الوسطاء، وضعف المنافسة، ما يجعل الحكومة تبيع للمواطن «وهم السيطرة على التضخم»، بينما الواقع يقول إن الغلاء مستمر، والفقر يتسع، والأرقام الرسمية لا تُطعم جائعًا ولا تخفف عن أسرة أنهكها الغلاء.