“السيسى مكس” يكرم شركات الإمارات في مصر بعد انتقاده لداعمي الانفصاليين والميليشيات ؟ !

- ‎فيتقارير

 

تظهر مفارقة لافتة بين الخطاب العلني الذي يلمّح فيه عبدالفتاح السيسي إلى رفض التدخلات الإماراتية عبر دعم الميليشيات والانفصاليين خارج إطار الجيوش النظامية، وبين الواقع العملي الذي يشهد توسع الشركات الإماراتية في مصر وتكريم ممثليها رسميًا.

 

ففي احتفالية "عيد الشرطة"، خرج السيسي لأول مرة بتصريحات حملت ما يشبه الهجوم غير المباشر على الإمارات، من دون تسميتها، متحدثًا عن رفض "التدخلات الخارجية التي تدعم ميليشيات وجيوشًا موازية". وهو توصيف ينطبق، بحسب مراقبين، على سياسات أبوظبي في عدة ساحات، من السودان إلى اليمن وليبيا.

 

ورغم غياب التسمية الصريحة، اعتبر محللون أن الرسالة تمثل اضطرابًا في الهدوء التقليدي بين القاهرة وأبوظبي.

 

في المقابل، تصاعدت دعوات سعودية لمصر لاتخاذ موقف أكثر وضوحًا، والانضمام إلى التحالف السعودي. وكتب أحدهم (@SOBHI_TR) مطالبًا القاهرة بـ"إلغاء الشراكات المشبوهة مع الإمارات في مشاريع العقارات والأراضي المصرية".

 

لكن الحكومة المصرية أعلنت في 26 يناير أن رئيس الوزراء أكد أن "جوائز مصر للتميّز الحكومي في دورتها الرابعة هي أحد ثمار التعاون مع دولة الإمارات"، في إشارة معاكسة تمامًا لخطاب السيسي.

 

وفي الوقت نفسه، تتباهى منصات إماراتية بأن مصر تتجه لتوقيع "اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة" مع أبوظبي في فبراير المقبل، وهي الأولى من نوعها في تاريخ مصر، وفق صحيفة "اليوم السابع".

 

كما بحثت الحكومة المصرية في 21 يناير مع شركة "أركيوس" — وهي استثمار مشترك بين "أدنوك" الإماراتية و"بي بي" البريطانية — تنمية اكتشافات الغاز غير المطوّرة في البحر المتوسط.

 

وكشف موقع "الشرق" أن شركة "أرابتك مصر" تخطط لمضاعفة تعاقداتها إلى 22 مليار جنيه بحلول 2026، مع توسع في مشروعات الإسكان والبنية التحتية.

 

وفي خطابه خلال الاحتفال، أكد السيسي رفض مصر لأي مساعٍ لتقسيم دول المنطقة أو إنشاء ميليشيات موازية للجيوش الوطنية، معتبرًا أن هذه الكيانات كانت سببًا رئيسيًا في تدمير المنطقة. ورغم عدم ذكر دولة بعينها، رأى خبراء أن الوصف ينطبق على الإمارات نظرًا لسجلها في دعم قوات غير نظامية في عدة دول.

 

وربط سعوديون تصريحات السيسي بالإمارات، مشيرين إلى دعمها لقوات خليفة حفتر في ليبيا، وتشكيلها وحدات مسلحة خارج إطار الجيش الليبي، إضافة إلى دعمها لقوات الدعم السريع في السودان، ووحدات أمنية ومليشيات محلية في الصومال، فضلًا عن دعم المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات "الحزام الأمني" و"النخبة الحضرمية" في اليمن.

 

العلاقات مع الإمارات

 

شهد يناير 2026 سلسلة اتفاقات اقتصادية وتجارية بين مصر والإمارات، أبرزها وضع اللمسات النهائية على اتفاق تجارة حرة شامل، إلى جانب توسع استثمارات أبوظبي في الطاقة والبنية التحتية، وحديث عن استحواذات جديدة في قطاعات مالية ولوجستية.

 

وفي 24 يناير، كشفت مصادر مصرية أن الجانبين أنهيا معظم بنود الاتفاق، بما يشمل قواعد المنشأ وتعريف الشخص الاعتباري وفصل الخدمات والتجارة الرقمية، على أن يُوقّع رسميًا في فبراير.

 

وتواصل الإمارات تعزيز حضورها الاستثماري في مصر، خصوصًا في الطاقة المتجددة والموانئ والخدمات اللوجستية. كما ترددت أنباء عن مفاوضات بين صناديق إماراتية وشركات مصرية في العقارات والبنوك والبتروكيماويات، امتدادًا لصفقات سابقة لصناديق مثل "ADQ" و"القابضة".

 

ويستفيد السيسي من تدفق الاستثمارات الإماراتية لتخفيف الضغط الاقتصادي الداخلي، في ظل أزمة العملة وارتفاع الدين الخارجي.

 

من جانبه، قال الباحث فراس أبو هلال إن توقيع الإمارات اتفاقية دفاع مع الهند — أحد أبرز حلفاء إسرائيل — يعكس تشكل تحالفين متناقضين: السعودية–تركيا–باكستان مقابل الإمارات–الهند–إسرائيل، معتبرًا أن مصر تقف في المنتصف رغم وجود فرصة تاريخية لتحالف عربي–إسلامي فاعل.

 

طعنات أبوظبي

 

أما الباحث السعودي سلمان الأنصاري، فاعتبر أن العلاقات بين القاهرة وأبوظبي شهدت خلال عقد كامل "طعنات استراتيجية" استهدفت تقويض السيادة المصرية في ملفات الطاقة والسياسة والأمن والإعلام. وأشار إلى محاولات إقصاء مصر من مشاريع شرق المتوسط، وتعطيل التقارب المصري–التركي، وتهميش دور القاهرة في ملف التطبيع وغزة، وصولًا إلى دعم إثيوبيا في سد النهضة.

 

وأضاف أن الخلافات ظهرت بوضوح في ليبيا، حيث دعمت مصر الحل السياسي بينما فضّلت أبوظبي الخيار العسكري. وبلغ التوتر ذروته في اجتماع قبرص عام 2021 الذي ضم الإمارات إلى محور شرق المتوسط دون حضور مصر.

 

وفي السودان، تجاوز الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع الخطوط الحمراء المصرية، خاصة بعد اتهامها بجرائم إبادة وتهديد الأمن القومي المصري، ما دفع القاهرة لاتخاذ موقف حاد أمام مجلس الأمن.

 

كما امتد النفوذ الإماراتي إلى الصومال عبر دعم قوى انفصالية وتجنيد شباب في حروب بالوكالة، ما دفع الحكومة الصومالية في يناير 2026 إلى إلغاء جميع الاتفاقيات مع أبوظبي. وفي مصر، حاولت الإمارات التغلغل اقتصاديًا عبر مشاريع حساسة مثل العاصمة الإدارية ورأس الحكمة، إضافة إلى السعي للسيطرة على موانئ قريبة من قناة السويس، وهو ما تعاملت معه القاهرة بحذر.

 

وأشار الأنصاري إلى أن الإعلام كان أحد أخطر أدوات النفوذ الإماراتي، عبر تمويل شبكات إعلامية منذ 2013، ثم العودة بطرق أكثر تعقيدًا عبر تمويل غير مباشر لإعلاميين وأكاديميين، ما أسهم في تقزيم الدور المصري وإثارة توترات مع السعودية.

 

وبحسبه، فإن ما قامت به أبوظبي لم يكن دعمًا ولا شراكة، بل محاولة لتطويق مصر وتقييد قرارها السيادي عبر أدوات اقتصادية وإعلامية وميليشياوية. ومع ذلك، تحاول القاهرة المناورة للاستفادة من الرياض وأبوظبي معًا، معتبرة أن الصدام ليس شخصيًا بل بين مفهوم "الدولة السيادية" و"الدولة الوظيفية"، رغم أن محاولات العبث الإقليمي — كما يقول — تضع مصر في صلب الاستهداف.