أكد مراقبون أن تمرير الانقلاب وحكومته اتفاقية تصدير الغاز الطبيعي بين مصر وكيان العدو، البالغة قيمتها 35 مليار دولار، تمضي فعليًا إلى حيز التنفيذ، بعد إعلان شركة "نيو ميد إنرجي" – أحد شركاء حقل ليفياثان – استيفاء جميع الشروط المسبقة للاتفاق، وفق إفصاح رسمي صادر عنها، هذا التطور يعني أن مسار الارتهان الجزئي لمصر في ملف الغاز الاستراتيجي لصالح طرف معادٍ يمضي بلا عوائق تُذكر.
واعتبر مراقبون أن ما أعلنه الشركاء في حقل ليفياثان – شيفرون الأمريكية ونيوميد وريشيو إنرجيز الصهيونيتان – التوصل إلى اتفاق نهائي لبدء تنفيذ مشروع توسعة الحقل، وفق تقرير رسمي قُدّم إلى بورصة تل أبيب، وتبلغ قيمة الاستثمار الجديد 2.4 مليار دولار، بهدف مضاعفة الطاقة الإنتاجية تقريبًا، بما يمهّد لزيادة صادرات الغاز من الحقل خلال السنوات المقبلة.
وأشار المراقبون إلى أن إدارة ملف حيوي كملف الطاقة لا ينبغي أن تُختزل في حسابات التوفير أو الأسعار التفضيلية، بل تُقاس أولًا بمنطق الأمن القومي، لأن منح خصم سياسي مفتاحًا حيويًا للضغط في أي لحظة هو مخاطرة تتجاوز حدود الاقتصاد إلى عمق السيادة.
وقال الباحث محمود جمال @mahmoud14gamal بالمعهد المصري للد راسات: إن "مصر لديها بدائل أخرى لاستيراد الغاز، حتى لو كانت أكثر كلفة، لكن الملفات الاستراتيجية لا تُدار بمنطق المكسب السريع، بل بمنطق حماية المجال الحيوي للدولة"، معتبرا أن المضي قدمًا في زيادة كميات الغاز من الكيان الصهيوني بعد التنازل عن التحفظات المصرية يحمل دلالات استراتيجية خطيرة، وهذا ما يستدعي تحليلًا شاملًا لما وراء الأرقام.
https://x.com/mahmoud14gamal/status/2015848527352479822
وكشفت شركة نيوميد في أغسطس الماضي عن توقيع اتفاق موسّع مع مصر لتوريد الغاز لمدة 15 عامًا بقيمة تقارب 35 مليار دولار، وبكمية إجمالية تصل إلى 130 مليار متر مكعب، ووصفت حكومة الكيان الصهيوني الاتفاق بأنه الأكبر في تاريخ صادراتها من الغاز إلى مصر، ما يعكس اعتمادًا متزايدًا على الغاز من الكيان في السوق المصرية.
ودفع هذا الاتفاق فعليا مصر إلى التنازل عن حقوق في الأمن القومي وقال موقع "واللا" العبري: إن "مصر استجابت لطلب الاحتلال، بتقليص وجودها العسكري في سيناء بعد توقيع صفقة الغاز وأن مصر بدأت تقليصًا جزئيًا لقوات الجيش والشرطة في شبه جزيرة سيناء، بما في ذلك المناطق القريبة من الحدود".
وتساءل الحقوقي هيثم أبو خليل @haythamabokhal1 "لماذا لم يرد أحد على هذا الخبر الهام للغاية؟ هل قلصت مصر قواتها في سيناء بناء على طلب للعدو؟
وهل هذا له علاقة بالموافقة على صفقة الغاز الملعونة؟.. #غاز_العدو_خيانة".
وأضاف حساب @YahiaMousa78294 "تنازلنا عن حقوقنا في الغاز للكيان، ثم اشتريناه منه لنصبح تحت رحمته في ملف الطاقة، لكنه لم يكتفِ بذلك إلا أن نُخلي له سيناء ونقلل وجودنا العسكري بها، من أي دين ولأي بلد ينتمي هذا النظام ؟!!".
وأعلن الناشط أنس حبيب @AnasHabib98 تبرؤه الكامل من السيسي والنظام القائم، مؤكدًا أنه لا يمثله ولا يعبر عن إرادة الشعب المصري أو تاريخه أو تطلعاته، ويرفض بشدة صفقة الغاز التي يصفها بـ"صفقة العار" مع الكيان بقيمة 35 مليار دولار، معتبرًا أنها امتداد لنهج التفريط والتبعية، وخيانة لمصالح مصر وأمنها القومي، ولأهل فلسطين بعد سنوات من الإبادة والعدوان.
ووصف أنس النظام الحالي بأنه فاقد للشرعية الأخلاقية والشعبية، بسبب سياساته القمعية واعتقالاته وتكميمه للأفواه وإفقاره المتعمد للمصريين، مؤكدًا أنه يحكم بالقوة لا بالاختيار، كما يدعو الشعوب العربية والإسلامية إلى عدم تحميل المصريين مسؤولية سياسات النظام، فالشعب المصري – كما يقول – هو أول ضحايا هذا الاستبداد، ولا يرضى عن هذه الممارسات ويسعى للتحرر منها.
وأكد أن مصر أكبر من حكامها، وأن الشعوب لا تختزل في أنظمتها، وأن الأمل باقٍ في استعادة مصر لحريتها وكرامتها ومكانتها بين الأمم، ويختم بأن ما يقوله شهادة أمام الله.
ومن جانبه، حذّر الخبير الاقتصادي هاني توفيق من أن فاتورة استيراد الغاز لمصر في 2025 وحده قد تصل إلى نحو 20 مليار دولار، بعدما تحولت من دولة مصدِّرة إلى مستوردة للغاز – من "إسرائيل" تحديدًا – بما يمثّل عبئًا هائلًا على ميزان المدفوعات واحتياطيات النقد الأجنبي، ويضيف في تحليلات أخرى أن الاعتماد على تدفقات خارجية مؤقتة وقروض و«أموال ساخنة» لسد فجوات العملة الصعبة دون خلق قدرة إنتاجية حقيقية، يضع الاقتصاد على حافة هاوية دائمة.
هيكل تسعير يمنح السيطرة للكيان
وربطت الاتفاقية سعر الغاز بسعر خام برنت مع وضع حد أدنى يحمي الشركات المصدّرة من انخفاض الأسعار، وفي التعديل الأخير، أضيف عامل جديد هو تعريفة وقت الاستخدام (TOU) الخاصة بالكهرباء في الكيان، إضافة إلى ربط السعر بتكلفة إنتاج الكهرباء داخل الكيان وسعر صرف الشيكل مقابل الدولار، هذا الربط يجعل سعر الغاز المورّد لمصر تابعًا لقرارات وسياسات داخلية في كيان العدو لا تتحكم فيها القاهرة.
كما تخلت مصر عن تحفظاتها السابقة على بند "إسرائيل أولًا"، الذي يسمح لكيان العدو بخفض صادراتها لمصر بنسبة تصل إلى 60% اعتبارًا من 2036 إذا احتاجت لتغطية الطلب المحلي، بحسب صحيح مصر @SaheehMasr.
وتتضمن الاتفاقية المعدلة بند Take or Pay الذي يُلزم مصر بدفع قيمة الغاز المتفق عليه سنويًا سواء استلمته فعليًا أم لا، كما ألغت الاتفاقية بندًا سابقًا كان يسمح لمصر بتقليل الكميات إذا انخفض سعر النفط عن 50 دولارًا للبرميل، ما يعني استمرار الدفع حتى في حال تراجع الأسعار العالمية.
وتستند توقعات الأسعار المستقبلية إلى تقديرات وزارة الطاقة الأمريكية والبنك الدولي، حيث يُتوقع أن يرتفع سعر خام برنت تدريجيًا من 63 دولارًا حاليًا إلى 89 دولارًا بحلول 2036.
وتشير تقارير الطاقة إلى أن مصر تشتري الغاز من كيان العدو حاليًا بأقل من 6 دولارات لكل مليون وحدة حرارية، وهو سعر يقل عن نصف تكلفة استيراد الغاز المسال، لكن ارتباط السعر بعوامل داخلية صهيونية يجعل هذا المستوى غير مضمون على المدى الطويل.
مكاسب متوقعة
وقدّر تقرير نيوميد ثلاثة سيناريوهات لإجمالي إيرادات حقل ليفياثان حتى نهاية عمره المتوقع في 2064. في السيناريو الأول، تبلغ الإيرادات المؤكدة نحو 49.5 مليار دولار، وترتفع إلى أكثر من 62 مليار دولار في السيناريو الثاني، وتتجاوز 69 مليار دولار في السيناريو الثالث، وتستهدف المرحلة الأولى من التوسعة رفع الإنتاج إلى 21 مليار متر مكعب سنويًا بحلول 2029، مع زيادة تدريجية في صادرات الغاز إلى مصر لتصل إلى 2.1 مليار قدم مكعب يوميًا.
https://twitter.com/SaheehMasr/status/2012982139743015125
وبدأت أزمة الغاز في عام 2005 حين وقّعت حكومة مبارك عقدًا لبيع الغاز للكيان الصهيوني بسعر 70 سنتًا للمليون وحدة حرارية، رغم أن تكلفة الإنتاج بلغت 2.65 دولار، بيع الغاز بربع قيمته، مع إعفاء ضريبي لثلاث سنوات، أثار غضبًا شعبيًا واسعًا وفتح باب الطعون القضائية. ورغم صدور حكم بوقف التصدير، نجحت الحكومة في الطعن عليه عام 2009 واستمر التصدير حتى اندلاع ثورة يناير 2011، حين أعيد فتح الملف وتزامن ذلك مع تفجيرات متكررة لخط الغاز في سيناء، ما أدى في النهاية إلى وقف العقد.
التعويضات الدولية: خسارة جديدة
ولم يتوقف الضرر عند وقف التصدير، إذ لجأت الشركات الصهيونية وشركة شرق المتوسط للتحكيم الدولي، مطالبة بتعويضات ضخمة عن وقف الإمدادا،. طالبت تل أبيب بـ5.3 مليار دولار، قبل أن تُخفّض غرفة التجارة الدولية المبلغ إلى نحو ملياري دولار أُلزمت مصر بدفعها، وهكذا خرجت تل أبيب مستفيدة: غاز رخيص لست سنوات، إعفاءات ضريبية، ثم تعويضات ضخمة بعد توقف التصدير.
ثروات المتوسط: حقول في مناطق متنازع عليها
ومع توسع عمليات التنقيب في شرق المتوسط، ظهرت اكتشافات ضخمة للغاز تجاوزت احتياطاتها 1.22 تريليون متر مكعب، شاركت القاهرة كيان العدو الصهيوني وقبرص في عمليات البحث، لكن المفاجأة كانت إعلان الكيان وقبرص اكتشاف حقول كبرى تقع داخل المنطقة الاقتصادية الخالصة لمصر، ما أثار جدلًا واسعًا حول حقوق القاهرة في تلك الثروات.
وتقع الحقول الثلاثة—ليفياثان، شمشون، وأفروديت—في نطاق يمتد إلى داخل الحدود البحرية المصرية، فحقلا ليفياثان وأفروديت يبعدان 190 كيلومترًا فقط عن دمياط، بينما يبعدان أكثر من 230 كيلومترًا عن حيفا، أما حقل شمشون فيقع على بعد 114 كيلومترًا من الساحل المصري، مقابل 237 كيلومترًا من حيفا، إضافة إلى ذلك، تقع هذه الحقول على السفح الجنوبي لجبل إيراتوستينس الغاطس، وهو موقع تثبت الوثائق التاريخية تبعيته لمصر منذ القرن الثاني قبل الميلاد.
وتجمع أزمة الغاز شقان: بيع الغاز بأسعار متدنية للكيان ثم فقدان السيطرة على حقول غاز تقع داخل النطاق الاقتصادي المصري، وبين البيع العلني والخسائر القانونية من جهة، والجدل حول الحقول البحرية من جهة أخرى، تبدو ثروة الغاز المصرية قد تعرضت لسنوات من سوء الإدارة والنزاعات الحدودية التي ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم.