في خطوة تعكس إصرار الدولة الانقلابية على الإبقاء على نظام السُّخرة المقنّعة، وافقت لجنة مشتركة من لجنتَي الدفاع والأمن القومي والشؤون الدستورية في مجلس النواب المصري، على مشروع قانون حكومي لتعديل بعض أحكام قانون الخدمة العسكرية رقم 127 لسنة 1980، يقضي بتشديد العقوبات المالية والجنائية على المتخلفين عن التجنيد الإجباري، ورفع الغرامة القصوى إلى 100 ألف جنيه.
ويأتي هذا التشريع في سياق اعتماد المؤسسة العسكرية على مئات الآلاف من الشباب المجندين كقوة عمل شبه مجانية، يتم توجيهها للعمل في شركات ومصانع تابعة للجيش، فضلًا عن خدمة كبار الضباط ولواءاتهم، بما يوفر على الدولة والقيادات العسكرية مئات المليارات من الجنيهات التي كان يفترض إنفاقها على أجور عمالة مدنية حقيقية.
وبموجب التعديل الجديد، تم رفع الحد الأدنى لغرامة التخلف عن التجنيد بعد تجاوز سن الثلاثين من 3 آلاف إلى 20 ألف جنيه، والحد الأقصى من 10 آلاف إلى 100 ألف جنيه، مع الإبقاء على عقوبة الحبس أو الجمع بينها وبين الغرامة، تحت ذرائع تتعلق بارتفاع معدلات التضخم وتحقيق "الردع" و"العدالة الجنائية"، وهي مبررات يرى مراقبون أنها تخفي هدفًا مزدوجًا يتمثل في الجباية من جهة، وتقنين نظام السخرة من جهة أخرى.
كما شدد مشروع القانون العقوبة على التخلف عن الاستدعاء للخدمة في الاحتياط، لترتفع الغرامة من حدها السابق الذي لا يتجاوز 3 آلاف جنيه، إلى ما بين 10 و20 ألف جنيه، بما يعزز قبضة الدولة على الفئات العمرية المستهدفة، ويغلق منافذ الإفلات من الخدمة القسرية.
وفي المذكرة الإيضاحية، ربطت الحكومة التعديلات بما وصفته بتزايد التهديدات الأمنية والعمليات الإرهابية، معتبرة ذلك مبررًا لإعادة النظر في ضوابط الإعفاء من التجنيد، وهو ما اعتبره منتقدون توظيفًا أمنيًا لتبرير المزيد من السيطرة على أجساد الشباب وأعمارهم.
ويوازي ذلك مسار آخر للجباية، تمثل في مبادرة وزارة الخارجية لتسوية الموقف التجنيدي للمصريين العاملين بالخارج مقابل سداد 7 آلاف دولار، سواء لمن هم في سن التجنيد أو لمن تجاوزوا الثلاثين، في ظل تقديرات تشير إلى وجود نحو 14 مليون مصري في الخارج، يتردد كثيرون منهم في العودة خشية الاحتجاز أو المنع من السفر بسبب الموقف التجنيدي.
وفي الداخل، تستمر الخدمة العسكرية الإلزامية لفترات تصل إلى ثلاث سنوات لغير الحاصلين على مؤهل، وعامين للمؤهل المتوسط، و15 شهرًا لحملة المؤهلات العليا، وهي فترات يرى حقوقيون أنها تُستنزف في أعمال لا تمت للدفاع بصلة، بل تخدم اقتصاد المؤسسة العسكرية ومصالح قياداتها.
وبين تشريعات تُغلّظ العقوبات، ومبادرات تُحوّل الإعفاء إلى سلعة بالدولار، يبقى السؤال مطروحًا: متى ينجو أبناء الشعب المصري من عبودية نظام حوّل التجنيد من واجب وطني إلى سُخرة مقنّنة وجباية منظمة لصالح عصابة العسكر؟