يمرّ الاقتصاد المصري بالأساس في ظل ارتفاع مؤشرات الفساد، بسبب الانقلاب العسكري بمرحلة شديدة الحساسية، إذ تتقاطع عليه موجات متتالية من الاضطرابات الإقليمية، من حرب غزة إلى التوترات في البحر الأحمر، وصولًا إلى احتمالات توسع المواجهة بين إيران والكيان والولايات المتحدة التي جاءت بجحافلها وهي تؤمن اقتصادها النفطي.
وتبدو الصورة معقدة بتحسن في الحساب الجاري بفضل تحويلات المصريين بالخارج، مقابل ضغوط هائلة من أسعار النفط، وتراجع الجنيه، وخسائر قناة السويس، وتوترات البحر الأحمر والخليج.
وهذا المشهد المعقد يجعل أي محاولة لوضع ميزانية مستقرة للدولة أقرب إلى المغامرة، كما وصفته الباحثة سحر البازار في تحليلها «Egypt’s Economy Amidst Regional Conflicts» الصادر عن معهد واشنطن، مؤكدة أن تراكم الأزمات يضغط على القاهرة على مستويات الطاقة، والعملة، والتجارة، والسياحة.
وفي الوقت نفسه، تظهر نشرة "انتربرايز" بيانات الربع الأول من العام المالي الحالي 2025/2026 مفارقة لافتة: تحسن كبير في الحساب الجاري بفضل تحويلات المصريين بالخارج، مقابل اتساع عجز ميزان المدفوعات بسبب إعادة بناء البنوك لاحتياطياتها من العملة الأجنبية، هذا التناقض يعكس هشاشة الوضع الاقتصادي، ويكشف أن أي صدمة خارجية—خصوصًا في الخليج—قد تقلب معادلة التحويلات تحديدا رأسًا على عقب.
عقود النفط الآجلة وارتفاع فاتورة الطاقة
ارتفاع أسعار النفط مع كل تصعيد عسكري في المنطقة يمثل أول تهديد مباشر للموازنة المصرية، فمصر تستورد جانبًا كبيرًا من احتياجاتها البترولية، ما يجعلها
عرضة لتقلبات السوق العالمية.
ونشر موقع "المجلة" تقريرا ل باربرا جيبسون ومارسيل نصر بعنوان «Heading towards a ‘war economy,’ Egypt prepares for the worst» يشير إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة يضغط على احتياطيات النقد الأجنبي، ويزيد احتمالات اضطرار الحكومة لرفع أسعار الوقود رغم وعود التجميد.
ومن جانبه، تؤكد بيانات البنك المركزي أن عجز الميزان التجاري البترولي ارتفع إلى 5.2 مليار دولار في الربع الأول، بسبب زيادة الواردات النفطية بمقدار مليار دولار، هذا الارتفاع يهدد بتفاقم التضخم، ويزيد الضغط على المواطن الذي يعاني أصلًا من ارتفاع الأسعار.
واعتبر الخبير المالي هاني أبو الفتوح أن أول تأثير اقتصادي عادة يظهر في أسعار الطاقة مبينا أن مصر تستورد نحو 60% من احتياجاتها النفطية، وبالتالي فإن أي ارتفاع في الأسعار العالمية قد ينعكس على تكاليف الوقود والكهرباء.
قفزة الدولار واحتمالات تجاوز حاجز الخمسين جنيهًا
وبالفعل تراجع الجنيه المصري أمام الدولار متسارعا مع كل اضطراب إقليمي، ومع ارتفاع فاتورة الواردات وتراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي، يصبح الحفاظ على استقرار سعر الصرف مهمة شبه مستحيلة.
وتحذر الباحثة "سحر البازار" من أن تعدد بؤر التوتر يخلق حالة عدم يقين تدفع المستثمرين إلى الحذر، ما يضعف قدرة الدولة على الدفاع عن العملة.
وإذا تجاوز الدولار حاجز الخمسين جنيهًا، فقد تعود سيناريوهات السبعين جنيهًا، خصوصًا مع التزامات مصر بسداد أقساط ديون خارجية ضخمة.
خروج الأموال الساخنة
ويرتبط ارتفاع الدولار وانخفاض الجنيه بطبيعة الأموال الساخنة (سريعة الهروب من الأسواق التي تشهد توترًا) ومع تصاعد المخاطر الجيوسياسية، شهدت مصر خروجًا لرؤوس الأموال الأجنبية من أدوات الدين.
والمفارقة أن اتساع عجز ميزان المدفوعات إلى 1.6 مليار دولار لم يكن بسبب خروج الأموال، بل بسبب إعادة البنوك المصرية بناء احتياطياتها من العملة الأجنبية، حيث ارتفعت أصولها الأجنبية بنحو 5.3 مليار دولار.
وهو سلوك بحسب المختصين يعكس استعداد البنوك لسيناريوهات أسوأ، ما يعني أن السوق تتوقع مزيدًا من الضغوط.
خسائر قناة السويس وتحويل مسارات الشحن
وتعد قناة السويس، أحد أهم مصادر الدخل القومي، تواجه ضربة قاسية. فالهجمات في البحر الأحمر دفعت شركات الشحن العالمية إلى تحويل مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح بعدما أغلق الحوثيون مرور السفن من البحر الأحمر وضرب إيران لسفن بالقرب من مضيق هرمز.
ووفق تقرير Business Insider Africa، تخسر مصر نحو 800 مليون دولار شهريًا من إيرادات القناة بسبب هذه التحولات.
لكن بيانات الربع الأول تكشف مفاجأة إيجابية: إيرادات القناة سجلت أعلى مستوى فصلي منذ اندلاع الأزمة، متجاوزة مليار دولار.
وتقول إسراء أحمد، محللة الاقتصاد الكلي في شركة ثاندر: إن "هذا تطورا مشجعا يعكس تحسنًا نسبيًا في حركة الملاحة، لكنه لا يلغي المخاطر المستقبلية إذا تجددت هجمات الحوثيين أو توسعت الحرب".
ارتفاع أسعار الذهب كملاذ آمن
حتى الذهب الذي يعتبره اقتصاديون منهم الأكاديمي د.مخلص الناظر ارتفع عالميًا مع زيادة التوترات واندلاع الحرب، وهو ما ينعكس على السوق المصرية مباشرة، ومع تراجع الجنيه، يصبح الذهب ملاذًا للمواطنين لحفظ القيمة، ما يزيد الطلب المحلي ويرفع الأسعار أكثر.
وهذا الارتفاع يضغط على القدرة الشرائية ويزيد من حالة القلق الاقتصادي.
تحويلات المصريين بالخارج ..صمام الأمان الأخير
وتكشف بيانات البنك المركزي أن تحويلات المصريين بالخارج قفزت بنسبة 30% لتتجاوز 10.8 مليار دولار في الربع الأول، وهو ما يعادل:
ضعف إيرادات السياحة (5.5 مليار دولار)
عشرة أضعاف إيرادات قناة السويس (1.1 مليار دولار)
وبحسب مراقبين فإن هذه الأرقام تجعل التحويلات أهم مصدر للعملة الصعبة في مصر اليوم، وهذا الصمام يبيت مهددا إذا توسعت الحرب في الخليج، حيث يعمل ملايين المصريين.
وتحذر "البازار" من أن أي اضطراب في الخليج ستكون له انعكاسات مباشرة على مصر نظرًا لارتباطها الاقتصادي الوثيق بدول المنطقة.
كما أثارت قرارات مثل فرض جمارك على هواتف المغتربين غضبًا واسعًا، إذ كتبت المحللة نسرين نعيم أن الدولة حصلت 210 ملايين دولار فقط من هذه الجمارك، مقابل 39 مليار دولار تحويلات سنوية، معتبرة أن “شخصًا ما يظن أن 210 ملايين أهم من 39 مليارًا”.
إلغاء الرحلات الجوية وتأثيره على الاقتصاد
وتؤدي الاضطرابات الإقليمية عادة إلى إلغاء أو تأجيل الرحلات الجوية، ما يضر بقطاع الطيران المصري، ويقلل من حركة السفر والسياحة، ويؤثر على إيرادات الدولة، ومع كل تصعيد، تتراجع شركات الطيران العالمية عن تسيير رحلاتها إلى المنطقة.
تراجع الحجوزات السياحية
ويتجنب السائح الأجنبي مناطق التوتر حتى لو كانت الدولة المقصودة آمنة نسبيًا، ومع اشتعال المنطقة، تتراجع الحجوزات السياحية، وهو ما يشكل ضربة لقطاع يمثل أحد أهم مصادر العملة الصعبة.
وتشير تقارير المجلة إلى أن السياحة من أكثر القطاعات حساسية تجاه الصدمات الجيوسياسية.
تعطّل الصادرات المصرية إلى الخليج
ويعد الخليج؛ الشريك التجاري الأكبر لمصر في المنطقة، وأي اضطراب في طرق الشحن أو الموانئ يؤدي إلى تأخر وصول البضائع وتعطل سلاسل التوريد.
ورغم تحسن الصادرات غير البترولية إلى 9.8 مليار دولار بفضل الذهب والحاصلات الزراعية والملابس، فإن أي توتر في الخليج قد يعرقل هذا التحسن.
وقال الأكاديمي د. هاني أبو الفتوح: إن "مضيق هرمز يظل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، إذ يمر عبره يومياً ما يقرب من 45 مليون برميل من النفط، لذلك فإن أي اضطراب في هذه المنطقة ينعكس سريعاً على أسواق الطاقة العالمية".
وأضاف أن تجارة مصر مع الخليج لا تمر عبر هذا الممر بشكل مباشر، لكن التأثير غير المباشر يظل قائماً، وأن قناة السويس تحقق إيرادات تقارب 9.4 مليار دولار سنوياً ويمر عبرها نحو 12% من التجارة العالمية.
ويلفت إلى أن المعادلة هنا ليست بسيطة، فالتغيرات في حركة الملاحة بالبحر الأحمر قد تؤثر على حركة التجارة العالمية، وهو ما قد يحد من أي مكاسب محتملة من تغير مسارات بعض السفن.
https://www.facebook.com/photo/?fbid=1401622198644859&set=a.473004234839998