الحرب تكشف عورة اقتصاد الانقلاب .. تخارج الأموال الساخنة يضغط على الجنيه ويهدد بموجة انهيار جديدة

- ‎فيتقارير

في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، تتكشف مجددًا هشاشة البنية الاقتصادية في مصر تحت حكم  المنقلب عبد الفتاح السيسي، حيث تسارعت وتيرة خروج الأموال الساخنة من أدوات الدين الحكومية، في مشهد يعكس هشاشة الاعتماد المفرط على رؤوس الأموال قصيرة الأجل كمصدر رئيسي للعملة الصعبة.

 

شركة Fitch Solutions حذرت في تقرير حديث من تخارج ما لا يقل عن 1.8 مليار دولار من استثمارات الأجانب في أدوات الدين المصرية خلال الفترة بين 15 و26 فبراير، مع توقعات باستمرار النزيف خلال الأسابيع المقبلة، خاصة مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية وتزايد حالة عدم اليقين في الأسواق الناشئة.

 

الجنيه في مهب الريح

 

تزامن ذلك مع مواصلة الجنيه المصري تراجعه أمام الدولار، متجاوزًا حاجز 50 جنيهًا في عدد من البنوك، في مؤشر واضح على عمق الضغوط التي تواجه سوق الصرف. ووفق بيانات البنك المركزي المصري، بلغ سعر الدولار نحو 50.11 جنيهًا للشراء و50.25 جنيهًا للبيع، بينما سجل في البنك الأهلي المصري والبنك التجاري الدولي مستويات متقاربة، ما يعكس اتساع دائرة الضغوط وتراجع الثقة في استقرار العملة.

 

اللافت أن شهر مارس يمثل ذروة استحقاقات الدين المحلي قصير الأجل هذا العام، مع حلول أجل أدوات دين تقدر بنحو 18 مليار دولار، في وقت يمتلك فيه الأجانب نحو 19.3% من رصيد أذون الخزانة القائمة. هذا الواقع يضاعف مخاطر عدم إعادة تدوير هذه الاستثمارات، ما يعني استنزافًا إضافيًا لاحتياطيات النقد الأجنبي، وتهديدًا مباشرًا لاستقرار الجنيه.

 

### اقتصاد مرهون للغاز والدين

 

الأزمة لا تقف عند حدود سوق المال، تعليق واردات الغاز عبر خطوط الأنابيب من إسرائيل – والتي تمثل بين 15% و20% من الاستهلاك المحلي – يضع قطاع الطاقة تحت ضغط إضافي، ويهدد بارتفاع فاتورة الواردات وتوسيع عجز الحساب الجاري.

 

ورغم إعلان الحكومة التعاقد على أكثر من 100 شحنة غاز مسال خلال 2026، فإن الاعتماد على السوق الفورية يرفع التكلفة ويزيد المخاطر، خاصة مع احتمالات ارتفاع أسعار النفط عالميًا وتراجع إيرادات السياحة وقناة السويس وتحويلات العاملين بالخارج، وهي مصادر أساسية للعملة الصعبة تعاني أصلًا من اضطرابات حادة.

 

تصريحات عبد الفتاح السيسي بشأن خسارة نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس تعكس حجم الضربة التي يتعرض لها أحد أهم شرايين النقد الأجنبي، لكنها في الوقت ذاته تبرز مأزق نموذج اقتصادي قائم على إيرادات ريعية متقلبة، لا على قاعدة إنتاجية صناعية قادرة على امتصاص الصدمات.

 

### أموال ساخنة… وانكشاف مزمن

 

الاعتماد المكثف على الأموال الساخنة خلال السنوات الماضية وفر تدفقات مؤقتة للدولار، لكنه جعل الاقتصاد عرضة لأي توتر خارجي، ومع أول اختبار جيوسياسي حقيقي، تتسارع التخارجات، ويجد الجنيه نفسه مكشوفًا أمام قوة الدولار عالميًا.

 

تحذيرات خبراء الاقتصاد من أن هشاشة الوضع الحالي قد تترجم إلى موجة تضخم جديدة وانخفاض إضافي في قيمة العملة تبدو واقعية، في ظل استمرار الاقتراض الخارجي وارتفاع خدمة الدين، مقابل تباطؤ الاستثمار الإنتاجي الحقيقي.

 

في المحصلة، تكشف التطورات الأخيرة أن الحرب لم تخلق الأزمة بقدر ما عرّت نقاط ضعفها، اقتصاد مثقل بالديون، مرهون بتدفقات قصيرة الأجل، ومعتمد على مصادر ريعية شديدة الحساسية، يواجه اليوم اختبارًا قاسيًا قد يعجل بخروج مزيد من الأموال الساخنة ويدفع الجنيه إلى مستويات أكثر تراجعًا، ما لم يحدث تحول جذري في أولويات إدارة الاقتصاد نحو الإنتاج والتصنيع وتقليص الاعتماد.