أشارت تقديرات دولية إلى أن مصر، التي تعتمد على استيراد الطاقة وعلى عوائد قناة السويس والسياحة، تجد نفسها أمام اختبار صعب في ظل اضطرابات إقليمية غير مسبوقة وذلك وفق تقديرات بنكي "مورجان ستانلي" و"جيه بي مورجان" وهي ليست مجرد سيناريوهات نظرية، بل تعكس واقعًا تتغير ملامحه يومًا بعد يوم مع تطور الحرب.
وأصدر بنك مورجان ستانلي مذكرة بحثية وصفت بأنها “الأكثر تشاؤمًا” تجاه مستقبل ميزان الطاقة المصري خلال عام 2026، محذرًا من سيناريوهات قد تضع ضغوطًا غير مسبوقة على المالية العامة واحتياطيات النقد الأجنبي.
يقدّر مورجان ستانلي أن عجز الطاقة في مصر — والمقدّر أساسًا بـ 17.3 مليار دولار — قد يتسع بنحو 400 إلى 600 مليون دولار حتى في أفضل السيناريوهات، أي في حال نجاح جهود خفض التصعيد أو الاكتفاء بردود محدودة بين واشنطن وطهران. هذا السيناريو يفترض بقاء أسعار خام برنت بين 60 و75 دولارًا للبرميل، وهي مستويات مرتفعة نسبيًا لكنها لا تمثل صدمة كبرى.
أما السيناريو الأسوأ، الذي يتضمن مواجهة مطولة واضطرابات في حركة الملاحة الدولية، فيرسم صورة أكثر قتامة؛ إذ قد ترتفع فاتورة واردات الطاقة المصرية بما يتراوح بين مليار و2.4 مليار دولار خلال الفترة المتبقية من عام 2026. هذا الارتفاع قد يضغط بشدة على ميزان المدفوعات، ويؤخر أي تحسن مرتقب في الحساب الجاري، ويضع البنك المركزي أمام تحديات صعبة في إدارة سعر الصرف.
ومع اتساع نطاق المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، بدأت المؤسسات المالية الدولية في إصدار تحذيرات متتالية بشأن التداعيات المحتملة على اقتصادات الشرق الأوسط، وفي مقدمتها مصر. ورغم أن القاهرة ليست طرفًا مباشرًا في الصراع، فإن اعتمادها الكبير على واردات الطاقة يجعلها من أكثر الدول عرضة لارتدادات الأزمة.
أسعار النفط… رهينة الميدان لا الأسواق
تؤكد مذكرة مورجان ستانلي أن أسعار النفط لم تعد تتحرك وفق معادلات العرض والطلب التقليدية، بل أصبحت رهينة مباشرة لمسار الحرب. فإغلاق مضيق هرمز — الذي يمر عبره خُمس استهلاك العالم من النفط — أدى إلى قفزة فورية في الأسعار، بينما تشير تقديرات بنوك أخرى مثل جيه بي مورجان تشيس إلى أن استمرار الإغلاق لأكثر من 25 يومًا قد يؤدي إلى توقف إنتاج النفط في عدد من دول الخليج بسبب امتلاء مرافق التخزين البرية.
هذا السيناريو يعني أن أسعار النفط قد تعود إلى مستويات عام 2022، أو تستقر في نطاق 75–80 دولارًا للبرميل، وربما تتجاوز ذلك إذا طال أمد الحرب. وفي كل الأحوال، فإن مصر — المستورد الصافي للطاقة — ستكون من أكبر المتضررين.
شريان يتعرض لضغوط مزدوجة
ولا تقتصر المخاطر على فاتورة الطاقة فقط، بل تمتد إلى أحد أهم مصادر النقد الأجنبي لمصر: قناة السويس. فمع بدء الهجمات الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، عادت شركات الشحن الكبرى — مثل ميرسك وCMA CGM وهاباج لويد — إلى تجنب المرور عبر القناة، مفضّلة الإبحار عبر رأس الرجاء الصالح.
و حذّر مورجان ستانلي من أن استمرار حالة عدم اليقين قد يهدد تعافي إيرادات القناة بالكامل خلال السنة المالية 2027، رغم توقعه بانتعاش جزئي في النصف الثاني من 2026 إذا هدأت التوترات.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن القناة حققت 449 مليون دولار منذ بداية العام، مقارنة بـ 368 مليون دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، لكن هذه الأرقام تبقى أقل بكثير من مستويات ما قبل حرب غزة، حين قدّر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خسائر القناة بنحو 8 مليارات دولار بسبب تحويل مسار السفن.
سياحة مرنة… لكن ليست محصّنة
رغم أن قطاع السياحة المصري أظهر مرونة ملحوظة خلال العامين الماضيين، فإن مورجان ستانلي يرى أن أي تصعيد إقليمي واسع قد يهدد التدفقات السياحية، خصوصًا إذا امتد إلى ذروة الموسم. ومع أن مصر ليست طرفًا مباشرًا في الحرب، فإن قربها الجغرافي من بؤرة الصراع يجعلها عرضة لتقلبات مزاج المستثمرين والسياح على حد سواء.
اضطرابات الطاقة في المنطقة… تأثيرات متسلسلة
المحلل الاقتصادي مصطفى عبدالسلام أشار إلى أن الحرب أربكت الدول النفطية نفسها، حيث أوقفت قطر إنتاج الغاز الطبيعي المسال، وخفّض العراق إنتاجه إلى النصف، وأغلقت السعودية مصفاة رأس تنورة التي تلبي 40% من احتياجاتها. كما تعطّل ميناء الفجيرة الإماراتي، وتوقفت إسرائيل عن إنتاج الغاز في شرق المتوسط، ما أثّر مباشرة على تدفقات الغاز إلى مصر والأردن والسلطة الفلسطينية.
وأضاف عبدالسلام أن إقليم كردستان العراق قلص أيضا جزءاً من إنتاجه النفطي، وعطل حريق ميناء الفجيرة الإماراتي تخزين النفط وتزويد السفن بالوقود، وسارعت دولة الاحتلال بوقف الإنتاج من حقول الغاز في شرق البحر المتوسط، وهو ما أثر سلباً على تدفقات الغاز إلى كل من مصر والأردن والسلطة الفلسطينية.
وأشار إلى أن إغلاق إيران مضيق هرمز يهز أسواق الطاقة والسلع العالمية ويربك قادة أوربا وآسيا، حيث توقفت صادرات النفط والغاز الخليجي، ودول المنطقة تشهد حرب ناقلات للنفط تشبه تلك التي جرت في حرب الخليج الأولى، ومع غلق المضيق رئة الطاقة العالمية قفزت أسعار الغاز 90% منذ بدء الحرب على إيران، في مشهد أعاد للأذهان أزمة الطاقة في عام 2022 عقب اجتياح روسيا لأوكرانيا.
ومن جانب آخر، حذر بنك "جيه بي مورجان تشيس" من أن استمرار إغلاق مضيق هرمز لأكثر من 25 يومًا قد يؤدي إلى توقف إنتاج النفط في منطقة الشرق الأوسط.
واعتبر أن تعطل حركة التصدير لأكثر من 25 يومًا سيؤدي إلى امتلاء مرافق التخزين البرية، ما يفرض إيقافًا قسريًا لإنتاج الخام في عدد من الدول الخليجية، وفق مذكرة لمحللي البنك أمس الأحد.
وقدّر البنك سعة التخزين البرية المتاحة للنفط الخام في الدول الخليجية السبع المنتجة بنحو 343 مليون برميل، وهو ما يعادل حوالي 22 يومًا من الإنتاج القابل للتخزين.
وهذه الاضطرابات تعني أن مصر تواجه أزمة مركّبة: ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، وتراجع الإمدادات الإقليمية، وتقلص العوائد من قناة السويس، وتراجع شهية المستثمرين للأصول المصرية.
وتتفق البنوك الدولية على أن المخاطر الأساسية التي تواجه مصر تتمثل في: ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات يصعب على الموازنة تحملها، وتراجع إيرادات قناة السويس بسبب تحويل مسارات الشحن، واحتمالات تراجع السياحة إذا اتسع نطاق الحرب، وضغوط على الجنيه واحتياطيات النقد الأجنبي، وارتفاع تكلفة خدمة الدين إذا اضطرت مصر لرفع أسعار الفائدة.