القاهرة بؤرة قاتلة للتلوث الهوائي .. زيادة غير عادية في انبعاثات الميثان

- ‎فيتقارير

تشهد القاهرة ارتفاعًا غير مسبوق في تركيزات غاز الميثان خلال السنوات الأخيرة، وفق ما كشفته منصة متصدقش اعتمادًا على بيانات القمر الصناعي Sentinel‑5P ، تشير القياسات إلى أن مستويات الميثان في هواء العاصمة ارتفعت بين 2019 و2026 من نطاق 1750–1850 جزءًا بالمليار إلى 1850–1950، في وقت بقيت فيه أغلب محافظات الجمهورية عند مستويات أقل، هذا الارتفاع يجعل القاهرة بؤرة رئيسية لانبعاث الميثان في مصر، ويعكس مسارًا بيئيًا مقلقًا يتجاوز التذبذبات الطبيعية المعتادة.

 

توضح البيانات أن الانخفاض النسبي الذي شهدته الفترة بين 2018 و2022 لم يتحول إلى اتجاه مستدام، ما يشير إلى أن السياسات البيئية المتخذة لم تُحدث إصلاحًا هيكليًا حقيقيًا، أو أنها لم تكن كافية مقارنة بحجم المشكلة، ومع الزيادة السكانية الهائلة في العاصمة، تتضاعف الضغوط على البنية التحتية والخدمات، ما يرفع من معدلات الانبعاثات ويجعل السيطرة عليها أكثر تعقيدًا.

أنواع من الملوثات

وتعاني القاهرة من تلوث هواء مزمن يرجع أساساً إلى انبعاثات السيارات والصناعات والحرق الزراعي والنفايات، مما يسبب نحو 18 ألف وفاة مبكرة سنوياً ويشكل 16% من الوفيات الكلية.

ويصل مؤشر جودة الهواء (AQI) إلى مستويات معتدلة إلى سيئة غالباً (50-150+)، مع تركيزات عالية للجسيمات الدقيقة PM2.5 فوق الحدود الصحية.

وتعمل الحكومة المصرية على مشاريع لتخفيض الانبعاثات بنسبة 25% مقارنة بـ2015، لكن التحديات الجغرافية تستمر في احتجاز الملوثات.

وأشارت دراسة في القاهرة (2022) إلى أن استبدالها "التوك توك" بمركبات نظيفة يقلل انبعاثات الكربون بنسبة 78%، مع جهود مصر لتحديث النقل، كتوسيع السكك الحديدية.

مستويات التعرض المنخفضة للهواء الملوث

ومن جانبه، قال الباحث الرئيس الدكتور فيليبي كاستيلو أرافينا، زميل في مجال تصوير القلب والصدر بجامعة تورنتو في كندا، في بيان صحفي: "حتى عند مستويات التعرض المنخفضة، يرتبط تلوث الهواء بمزيد من اللويحات في الشرايين التاجية".

 

ولفت إلى أنه علاوة على ذلك، كلما تعرض الشخص لمزيد من تلوث الهواء خلال حياته، زادت احتمالات انسداد شرايينه، كما تظهر النتائج.

 

واستخدم فريق بحثي يضم فيليبي، فحوصات التصوير المقطعي المحوسب للصدر لفحص شرايين القلب لدى المرضى، وقاموا بتقدير تعرضهم لتلوث الهواء باستخدام البيانات البيئية والرموز البريدية لمنازل المرضى.

حيث أظهرت النتائج أنه لكل زيادة قدرها 1 ميكروجرام لكل متر مكعب في التعرض الطويل الأمد لتلوث الهواء بالجسيمات، كان هناك:

زيادة بنسبة 11 % في تراكم الكالسيوم في الشرايين التاجية.

 

احتمالات زيادة عدد اللويحات الشريانية بنسبة 13 %.

 

زيادة خطر الإصابة بأمراض القلب بسبب انسداد الشرايين بنسبة 23 %.

لماذا ترتفع انبعاثات الميثان في القاهرة؟

وترتبط زيادة الميثان في القاهرة بعوامل حضرية مركبة، في مقدمتها الكثافة السكانية الأعلى في مصر، وما ينتج عنها من كميات ضخمة من النفايات، قرب مكبات القمامة من المناطق السكنية يخلق بيئة مثالية لانبعاث الميثان الناتج عن تحلل المخلفات العضوية، كما تضم القاهرة أكبر شبكة صرف صحي في البلاد، وهي مصدر رئيسي للميثان عند وجود تسريبات أو ضعف في المعالجة. يضاف إلى ذلك التركيز الصناعي والخدمي الكبير داخل المدينة، ما يجعلها نقطة تجمع لمصادر متعددة للانبعاثات.

 

هذه العوامل تجعل المشكلة ليست مجرد خلل في إدارة ملف واحد، بل نتيجة تراكمات حضرية تحتاج إلى تدخلات حكومية أكثر فاعلية، تشمل تحديث البنية التحتية، وإعادة توزيع الأنشطة الصناعية، وتحسين إدارة المخلفات، وتطوير شبكات الصرف.

 

أثر الميثان على المناخ والصحة العامة

يُعد غاز الميثان أحد أخطر الغازات الدفيئة، إذ تفيد متصدقش بأن تأثيره على الاحتباس الحراري أقوى من ثاني أكسيد الكربون بنحو 80 مرة، وهو مسؤول عن 20–30% من الاحترار العالمي منذ الثورة الصناعية، هذا يعني أن أي زيادة في انبعاثاته داخل المدن الكبرى مثل القاهرة تساهم مباشرة في تفاقم ظاهرة تغير المناخ.

 

ولا يقتصر الخطر على المناخ العالمي، بل يمتد إلى صحة سكان العاصمة، فالميثان يساهم في تكوين الأوزون الأرضي، وهو ملوث يرتبط بارتفاع معدلات الإصابة بالربو، والحساسية الصدرية، وأمراض الرئة والقلب، ومع تزايد الانبعاثات، يصبح سكان المناطق الأكثر تلوثًا عرضة لمخاطر صحية مضاعفة، خاصة الأطفال وكبار السن.

 

أما الاحتباس الحراري الناتج عن هذه الانبعاثات فله انعكاسات مباشرة على مصر، من بينها موجات حرارة قاسية في الصيف، وتراجع إنتاجية المحاصيل، وزيادة الاعتماد على التكييف، ما يرفع فاتورة استيراد الغاز ويزيد الضغط على شبكة الكهرباء، كما ترتفع معدلات الإصابة بضربات الشمس والإجهاد الحراري، ما يضيف عبئًا صحيًا واقتصاديًا على الدولة.

 

التعهدات الدولية والفجوة مع الواقع

انضمت مصر في 2022 إلى التعهد العالمي لخفض الميثان ضمن مسار قطاع البترول والغاز الطبيعي، وهو تعهد أُطلق في مؤتمر COP26 بدعم من الولايات المتحدة والبنك الدولي، يهدف هذا المسار إلى خفض انبعاثات الميثان عالميًا، خاصة من قطاع الطاقة، باعتباره أحد أكبر مصادر الانبعاث.

 

لكن البيانات الحالية تكشف عن فجوة واضحة بين التعهدات الدولية والواقع على الأرض. فمعالجة مسببات الزيادة في القاهرة—مثل تحديث شبكة الصرف الصحي، ونقل مقالب القمامة بعيدًا عن الكتل السكنية، وإصلاح تسريبات شبكة الغاز الطبيعي—لا تزال خطوات بطيئة مقارنة بحجم المشكلة، كما أن التحول الطاقي نحو مصادر متجددة ما زال محدودًا، رغم أهميته في تقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي الذي يرتبط بدوره بانبعاثات الميثان.

 

مقترحات مناسبة

ودعت تقارير ومنها تقري ل منصة "الموقف المصري" إلى طروحات عملية تركز على حلول قابلة للتنفيذ، مثل:

 

الدعوة إلى تسريع تحديث شبكة الصرف الصحي وتقليل التسريبات.

 

المطالبة بـ نقل مكبات القمامة بعيدًا عن التجمعات السكنية وتطوير منظومة تدوير المخلفات.

 

تسليط الضوء على ضرورة إصلاح شبكة الغاز الطبيعي وتقليل الفاقد.

 

دعم سياسات التحول الطاقي نحو مصادر متجددة لتقليل الاعتماد على الغاز.

 

نشر تقارير دورية مبنية على بيانات الأقمار الصناعية لرصد التغيرات في الانبعاثات.

 

تعزيز الوعي بأن تلوث الهواء ليس قضية بيئية فقط، بل قضية صحة عامة تمس حياة ملايين المصريين.

ما الذي يعنيه ذلك للمستقبل؟

ويعد زيادة انبعاثات الميثان ليست قضية رفاهية أو شأنًا خاصًا بالدول المتقدمة، بل أزمة بيئية وصحية تمس ملايين المصريين. التعامل الشعبي مع الملف باعتباره “قضية بعيدة” يشبه التعامل مع حملات حماية السلاحف البحرية، لكنه في الحقيقة يرتبط مباشرة بنوعية الهواء الذي يتنفسه سكان القاهرة يوميًا. وإذا استمرت الزيادة بالمعدل الحالي، قد تتحول مناطق كاملة في العاصمة إلى بؤر تلوث خطيرة تؤثر على الصحة العامة بشكل كارثي.