في تطور جديد يعيد إلى الواجهة ملف استهداف النقابيين والمدافعين عن الحقوق المهنية في مصر، حيث توجه القيادي النقابي البارز الدكتور محمد زهران، مؤسس الاتحاد الوطني المستقل للمعلمين المصريين وأحد أبرز الأصوات المطالِبة بإصلاح المنظومة التعليمية، صباح الأربعاء 25 مارس، إلى نيابة أمن الدولة العليا بمحكمة القاهرة الجديدة، للتحقيق معه في القضية رقم 1813 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا.
وقد جاء هذا الاستدعاء المفاجئ بصفته "مشكوًا في حقه" دون أن تُبلغه النيابة بطبيعة الاتهامات الموجهة إليه، وهو ما أثار قلقًا واسعًا في الأوساط النقابية والحقوقية، خاصة أن زهران كان قد أعلن قبل أشهر انسحابه من العمل العام بعد سنوات طويلة من النشاط النقابي المكثف.
وبعد ساعات من التحقيق، أعلن المحامي خالد علي عبر صفحته الرسمية انتهاء جلسة التحقيق مع زهران في القضية ذاتها، مشيرًا إلى أن النيابة وجهت إليه اتهامًا بـ"نشر أخبار وبيانات كاذبة داخل وخارج البلاد"، قبل أن تقرر إخلاء سبيله بكفالة قدرها 10 آلاف جنيه، في خطوة اعتبرها البعض مؤشرًا على غياب مبررات قوية لاستمرار احتجازه، بينما رأى آخرون أنها جزء من سياسة "الإبقاء على الملف مفتوحًا" التي تُستخدم مع عدد من النقابيين والناشطين.
وتأتي هذه الواقعة في سياق سلسلة من الملاحقات السابقة، إذ سبق استدعاؤه والتحقيق معه في سبتمبر 2023 على ذمة قضية أمن دولة، قبل أن يتم إخلاء سبيله بعد فترة حبس احتياطي قصيرة.
وقد أثار اعتقاله آنذاك موجة تضامن كبيرة، خاصة أنه كان مشاركًا في الحوار الوطني ضمن لجنة التعليم، ما دفع منظمات حقوقية—من بينها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية—إلى تعليق مشاركتها احتجاجًا على ما وصفته بأنه "رسالة سلبية" تجاه المشاركين في الحوار.
وفي بيان شديد اللهجة، أدانت منظمة عدالة لحقوق الإنسان استدعاء الدكتور محمد زهران للتحقيق دون إخطار مسبق بطبيعة الاتهامات، معتبرة ذلك امتدادًا لنمط متكرر من استهداف النقابيين والمدافعين عن الحقوق المهنية.
وأكدت المنظمة أن توجيه اتهامات فضفاضة في قضايا أمن الدولة يفتح الباب أمام استخدام الحبس الاحتياطي أو الإجراءات المصاحبة له كأدوات للضغط والتقييد، مشددة على أن العمل النقابي السلمي والدفاع عن الحقوق المهنية مكفولان بالدستور والقانون، ولا يجوز أن يكونا سببًا للملاحقة أو التحقيق.
كما طالبت باحترام ضمانات المحاكمة العادلة، وفي مقدمتها حق المتهم في معرفة الاتهامات والرد عليها، وضرورة عدم اتخاذ أي إجراءات احتجازية بحقه.
ويُعد زهران واحدًا من أكثر الشخصيات تأثيرًا في قطاع التعليم خلال العقد الأخير، إذ ارتبط اسمه بالدفاع المستمر عن حقوق المعلمين، ومطالبته المتكررة بإجراء انتخابات حرة داخل نقابة المهن التعليمية، ورفع الحراسة القضائية المفروضة عليها منذ سنوات، إلى جانب انتقاداته الحادة لضعف الرواتب وتدهور البيئة التعليمية وغياب العدالة المهنية بين المعلمين.
وقد اكتسب مكانته من كونه صوتًا مستقلًا لا ينتمي لأي تيار سياسي، بل يركز على قضايا المعلمين ومعيشتهم وحقوقهم النقابية، وهو ما جعله يحظى بتأييد واسع داخل الوسط التعليمي.
وتعيد هذه التطورات طرح الأسئلة القديمة حول مستقبل العمل النقابي في مصر، وحدود ما يمكن للمدافعين عن الحقوق المهنية قوله أو فعله دون التعرض للملاحقة، خاصة في القطاعات الحيوية مثل التعليم، حيث يشكل المعلمون أكبر كتلة وظيفية في الجهاز الإداري للدولة.
كما تثير القضية مخاوف واسعة بين المعلمين الذين يرون في زهران ممثلًا حقيقيًا لقضاياهم، ويخشون أن يؤدي التضييق عليه إلى إضعاف أي محاولة جادة لإصلاح أوضاعهم المهنية والمعيشية.
المرة الأخيرة لاعتقاله كانت لأسبوعين بعدما أفرجت سلطات الانقلاب عن الدكتور محمد زهران، وفق ما نقلته وكالة أنباء الشرق الأوسط عن ما يمسى "المنسق العام للحوار الوطني" في سبتمبر 2023 ضياء رشوان.
ورغم الإفراج عنه، أكدت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن القضية لا تزال مفتوحة، وأن زهران ما يزال معرضًا لإعادة الاعتقال في أي وقت، مطالبةً بحفظ القضية وإسقاط الاتهامات.
أوضاع المعلمين التي كان ينتقدها زهران
كان زهران من أكثر الأصوات صراحة في انتقاد أوضاع المعلمين، ومن أبرز القضايا التي ركز عليها:
ضعف الرواتب مقارنة بمتطلبات المعيشة.
غياب الانتخابات النقابية منذ 2014، واستمرار الحراسة القضائية على النقابة.
تدهور البيئة التعليمية ونقص الإمكانيات.
التمييز بين المعلمين في المحافظات المختلفة.
الفساد الإداري داخل النقابة وغياب الشفافية.
وقد اعتبر كثير من المعلمين أن زهران كان يمثلهم بصدق، وأن اعتقاله كان رسالة تخويف لكل من يحاول الدفاع عن حقوقهم.