أمين الصيرفي سكرتير الرئيس.. يقاوم الظلم ببطن خاوية وصمتٍ يُرعب الطغاة

- ‎فيلن ننسى

يُعدّ أمين عبد الحميد الصيرفي واحدًا من أبرز المعتقلين السياسيين في مصر منذ عام 2013، وقد ارتبط اسمه بشكل وثيق بالأحداث السياسية التي أعقبت الانقلاب على الرئيس الشهيد محمد مرسي. فالرجل الذي كان يشغل منصب السكرتير الخاص لرئيس الجمهورية د. محمد مرسي خلال الفترة من نوفمبر 2012 وحتى يوليو 2013، تحوّل بعد ذلك إلى أحد أبرز الوجوه في القضايا السياسية، خصوصًا القضية المعروفة إعلاميًا باسم “التخابر مع قطر”، التي صدرت فيها أحكام قاسية ضده وصلت إلى السجن المؤبد.

 

وُلد أمين الصيرفي في 15 يونيو 1965، وينتمي إلى القرين – محافظة الشرقية، وهو مهندس عمل لسنوات طويلة قبل أن ينتقل إلى العمل الإداري داخل مؤسسة الرئاسة. وبحسب ما ورد في بوابة المحتجزين، فإن الصيرفي كان من كبار الموظفين داخل القصر الرئاسي، حيث تولّى مهام السكرتارية الخاصة للرئيس مرسي، وكان يعمل تحت الإشراف المباشر لمدير مكتب الرئيس أحمد عبد العاطي. وقد كان مقر عمله داخل قصر الاتحادية في مصر الجديدة، وهو ما جعله قريبًا من الملفات اليومية للرئاسة خلال تلك الفترة الحساسة من تاريخ البلاد.

 

في 3 يوليو 2013، ومع الساعات الأولى لإعلان الانقلاب على الرئيس مرسي، تم القبض على أمين الصيرفي من داخل القصر الرئاسي أثناء تأدية عمله. ومنذ تلك اللحظة، بدأت رحلة طويلة من الاحتجاز والانتهاكات، وفق ما وثّقته منظمات حقوقية. فقد تعرض الصيرفي، بحسب مركز الشهاب لحقوق الإنسان، إلى اختفاء قسري لمدة خمسة أشهر قبل ظهوره في ديسمبر 2013. كما تم احتجازه في زنزانة انفرادية لفترات طويلة، ومنع من الزيارة لسنوات، إضافة إلى حرمانه من إدخال الملابس والأغطية والطعام، ومنعه من التريض والتعرض للشمس، وهي ظروف وصفتها المنظمات الحقوقية بأنها “قاسية وغير إنسانية”.

 

وفي عام 2014، أُحيل الصيرفي إلى المحاكمة في القضية رقم 10154 جنايات لسنة 2014، المقيدة برقم 3690 كلي جنوب الجيزة، والمعروفة إعلاميًا باسم قضية التخابر مع قطر. وقد وُجهت إليه تهم تتعلق بتسريب مستندات من مؤسسة الرئاسة إلى دولة قطر. وفي يونيو 2016، قضت محكمة جنايات القاهرة بسجنه المؤبد في أحد بنود الاتهام، و15 عامًا في بنود أخرى، ليصبح مجموع الأحكام الصادرة بحقه 40 عامًا. وقد اعتبر حقوقيون هذه الأحكام ذات طابع سياسي، خصوصًا في ظل غياب ضمانات المحاكمة العادلة.

 

ومع مرور السنوات، تدهورت الحالة الصحية للصيرفي بشكل ملحوظ. فقد وثّق مركز الشهاب لحقوق الإنسان أن الصيرفي يعاني من سوء تغذية ممنهج، وفقدان كبير في الوزن، وحرمان من التدفئة داخل سجن بدر شديد البرودة، إضافة إلى الإهمال الطبي المتعمد. كما شارك في إضرابات داخل السجن احتجاجًا على ظروف احتجازه، لكن دون استجابة من السلطات.

https://x.com/FreeThemAll_/status/2018689166498828387

استهداف عائلي ممتد

ولم يقتصر الاستهداف الأمني على أمين عبد الحميد الصيرفي وحده، بل امتد ليشمل أفرادًا من أسرته، وفي مقدمتهم ابنته “كريمة أمين الصيرفي”، التي اعتُقلت في مارس 2014 على خلفية القضية نفسها المعروفة إعلاميًا بـ “التخابر مع قطر”. وقد كانت كريمة طالبة جامعية في ذلك الوقت، ولم تكن تشغل أي منصب سياسي أو إداري، لكن السلطات اتهمتها بالمشاركة في نقل مستندات منسوبة للرئاسة إلى خارج البلاد، وهي الاتهامات التي نفتها الأسرة مرارًا، معتبرة أن اعتقالها كان وسيلة للضغط على والدها خلال فترة التحقيقات. وقد وثّقت منظمات حقوقية، بينها مركز الشهاب لحقوق الإنسان، أن كريمة تعرضت لاحتجاز مطوّل قبل الإفراج عنها بل وسفرها للخارج لاحقًا بعد قضاء مدة الحكم الصادر بحقها.

 

كما أشارت تقارير حقوقية إلى أن أحد أبناء أمين الصيرفي—وهو أحمد أمين الصيرفي—تعرض للاعتقال لفترات متقطعة بعد 2013، على خلفية نشاطه في متابعة ملف والده والمطالبة بتحسين ظروف احتجازه. وقد ظهر أحمد في عدة شهادات مصوّرة نُشرت عبر منصات حقوقية، تحدث فيها عن الانتهاكات التي يتعرض لها والده، وعن منع الزيارة وانقطاع الأخبار عنه، وهو ما جعله عرضة للاستدعاءات الأمنية المتكررة، قبل أن يتم اعتقاله لفترة قصيرة ثم الإفراج عنه. وتؤكد الأسرة أن هذه الإجراءات كانت جزءًا من سياسة “الضغط العائلي” التي طالت أسر العديد من المعتقلين السياسيين في تلك الفترة.

 

وتشير شهادات أخرى إلى أن الأسرة بأكملها تعيش حالة من التضييق المستمر منذ اعتقال أمين الصيرفي في يوليو 2013، إذ مُنعت من الزيارة لفترات طويلة، وتعرضت لمراقبة أمنية لصيقة، كما تم استدعاء بعض أفرادها للتحقيق في أوقات مختلفة. وقد وثّقت بوابة المحتجزين أن هذه الممارسات تسببت في ضغوط نفسية واجتماعية كبيرة على الأسرة، خصوصًا مع تدهور الحالة الصحية لوالدهم وانقطاع الأخبار عنه في السنوات الأخيرة.

 

إن اعتقال ابنة الصيرفي، واستهداف ابنه لاحقًا، يعكس—بحسب المنظمات الحقوقية—نمطًا متكررًا من استهداف أسر المعتقلين السياسيين، سواء عبر الاعتقال المباشر أو التضييق الأمني، وهو ما يضيف بعدًا إنسانيًا أكثر قسوة إلى قضية أمين الصيرفي، الذي لم يواجه وحده تبعات اعتقاله، بل امتدت آثارها إلى أسرته بأكملها. وفي ظل استمرار غياب المعلومات حول وضعه الصحي ومكان احتجازه، تبقى الأسرة في حالة ترقّب وقلق دائم، في انتظار أي خبر يطمئنهم على مصيره.

مخاوف على حياته

 

وفي فبراير 2026، تصاعدت المخاوف بشأن مصيره بعد انقطاع الأخبار عنه تمامًا، وفق ما نشره مركز الشهاب. فقد أفاد المركز بأن الصيرفي فقد وعيه ونُقل إلى المستشفى، ثم انقطعت الأخبار عنه بعد ذلك، ولم تتمكن أسرته من زيارته أو الحصول على أي معلومات حول مكانه أو حالته الصحية. وقد عبّر ابنه، أحمد أمين الصيرفي، عن قلق بالغ في شهادة مؤلمة قال فيها:

“هل المهندس أمين الصيرفي عايش أصلًا؟ آخر ما عرفناه إنه فقد وعيه ونُقل للمستشفى… وبعدها اختفى كل شيء.”

https://x.com/egy_technocrats/status/1968321684114460946

وطالب المركز النائب العام بالكشف عن مكان احتجازه وتمكينه من الزيارة، معتبرًا أن استمرار إخفائه يمثل تهديدًا حقيقيًا لحياته.

 

وتشير تقارير حقوقية أخرى إلى أن الصيرفي، البالغ من العمر 61 عامًا، أمضى أكثر من 12 عامًا متواصلة في الحبس منذ اعتقاله في 2013، وهو ما يجعله من أقدم المعتقلين السياسيين في مصر. كما أن ظروف احتجازه في سجن بدر 3—الذي يُعد من أكثر السجون تشددًا—فاقمت من تدهور وضعه الصحي، خصوصًا مع منع الزيارة وانقطاع المعلومات، وهو ما دفع منظمات حقوقية إلى التحذير من احتمال تعرضه لإخفاء قسري جديد.

 

ويُذكر أن اسم أمين الصيرفي عاد للظهور إعلاميًا في عام 2021 بعد أن ورد في مسلسل “الاختيار 2”، الذي تناول أحداث ما بعد 2013. وقد ركزت التغطيات الإعلامية حينها على دوره داخل مؤسسة الرئاسة، وعلى الاتهامات الموجهة إليه في قضية التخابر، لكن دون التطرق إلى ظروف احتجازه أو الانتهاكات التي تعرض لها.

https://x.com/Najda_H_R/status/1948468747397652781

ويُعد ملف أمين الصيرفي واحدًا من أبرز الملفات التي تثير قلق المنظمات الحقوقية، خصوصًا مع استمرار انقطاع الأخبار عنه، وتدهور حالته الصحية، وغياب أي شفافية حول وضعه داخل السجن. وتطالب منظمات مثل مركز الشهاب بالكشف الفوري عن مكانه، وتمكينه من الزيارة، ووقف ما تصفه بـ“الانتهاكات الممنهجة” بحق المعتقلين السياسيين في مصر. وفي ظل غياب المعلومات، يبقى مصير الصيرفي معلقًا بين صمت السلطات وقلق أسرته، في مشهد يعكس واقعًا أكثر اتساعًا يتعلق بأوضاع السجناء السياسيين في البلاد.