“فورين أفيرز”: حرب ترامب على إيران تكشف عن سياسة خارجية بدون مبادئ

- ‎فيعربي ودولي

تكشف الحرب الأمريكية الأخيرة على إيران عن تناقض صارخ بين المواقف المعلنة للسياسة الخارجية وواقع التنفيذ على الأرض، حيث سعت الإدارة الأمريكية لتقديم تصرفاتها على أنها مدروسة وواقعية، لكنها في الواقع أظهرت نهجا يعتمد على القوة المفرطة والإكراه.

 

ونشرت مجلة "فورين أفيرز" مقالا للصحفية في السياسية الأمريكية الخارجية في مجلس العلاقات الخارجية، ريبيكا ليسنر، الصحفية في معهد بروكينغز، ميرا راب-هوبر قالتا فيه إن حرب ترامب على إيران تكشف عن سياسة خارجية بلا مبادئ.

 

وأشارت المجلة إلى أنه طوال حملة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة وفترة ولايته الثانية، سعى هو وفريقه إلى تصوير سياسته الخارجية على أنها براغماتية ومنضبطة واستراتيجية، يردّون على الاتهامات الموجهة إليه بأن نهجه العالمي متهور بأنه متمسك بـ"الواقعية المرنة"، في إشارة إلى تقليد فكري يُنسب غالبا إلى المؤرخ اليوناني ثوسيديدس، الذي قال قولته الشهيرة: "الأقوياء يفعلون ما في وسعهم، والضعفاء يتحملون ما يجب عليهم تحمله".

 

ورغم تنوع المدارس الفكرية، ترى الواقعية عموما أن القوة هي عملة السياسة الدولية. وهي تنبذ المثالية وتدعو إلى تركيز صارم على الدفاع عن المصالح الوطنية. وقد دفع التوافق الظاهر بين هذه الرؤية للعالم وسياسة ترامب الخارجية في بداية ولايته الثانية، محللين بارزين إلى تبني الواقعية كإطار موحد لنهج الرئيس غير التقليدي. حتى أن صحيفة نيويورك تايمز وصفتها بأنها "النظرية التي تمنح ترامب صكا مفتوحا للعدوان".

 

وتابعت كاتبة المقال أن الحرب الأمريكية الجديدة مع إيران تُظهر بوضوح أن ترامب ليس واقعيا، في الواقع، تكشف الواقعية، عند فهمها فهما صحيحا، عن المخاطر الجسيمة لنهج إدارة ترامب المتهور في السياسة الخارجية، وإن إشعال حرب إقليمية في الشرق الأوسط دون مبرر مقنع أو نظرية واضحة حول أفضل السبل لتعزيز مصالح الولايات المتحدة يتعارض بشكل صارخ مع المبادئ الأساسية للواقعية. في الواقع، بحربه مع إيران، تنازل ترامب نهائيا عن ادعائه بتمثيل نهج عملي وواقعي في السياسة الخارجية الأمريكية، مما فتح المجال أمام قادة سياسيين آخرين لتولي هذا الدور.

 

اقرأ أيضا:

كاتب أمريكي يحذر: حرب إيران قد تقوض قواعد حماية المدنيين

الواقعية الحقيقية

وأضافت أنه بحثا عن إطار فكري لتفسير رؤية ترامب للعالم، اتجهت الإدارة والمعلقون على حد سواء إلى الواقعية، وتمتد جذور هذا التقليد الواقعي عبر رؤساء أمريكيين متنوعين مثل جون كوينسي آدامز، ودوايت أيزنهاور، وجورج بوش الأب، بالإضافة إلى مفكرين بارزين مثل هانز مورغنثاو، وكينيث والتز، وجون ميرشايمر.

 

وقالت أن الواقعيون الأكاديميون أمضواعقودا في التساؤل عما إذا كانت الدول تسعى إلى الأمن أم إلى أقصى قدر من القوة، وفي ظل أي ظروف تكون التحالفات مفيدة أو مُعيقة، وما إذا كان النظام الدولي الليبرالي الذي أعقب الحرب العالمية الثانية أكثر من مجرد غطاء للهيمنة الأمريكية. كما يُقرّون بسهولة بأن الواقعية الفكرية لا تُترجم بسهولة إلى وصفات واضحة للسياسة الخارجية الأمريكية.

 

وأردفت أن الواقعيون من جميع الأطياف أيضا ينصحون بنوع من البراغماتية في الأمن القومي: ضمان توازن قوى مُوات وتجنب الصراعات الهامشية التي تستنزف الدماء والأموال. ويرتبط بذلك أهمية إعطاء الأولوية للمصلحة الوطنية، والحذر من العواقب غير المقصودة، لا سيما في أوقات الحرب، وعلى مدار فترتي رئاسته، وصف المحللون ترامب بالواقعي لأسباب مختلفة وفي أوقات مختلفة.

 

وأضافت أن موجة من التعليقات، سادت في ولايته الأولى، صنّفت ترامب واقعيا تحديدا بسبب ضبط النفس الذي لوحظ لديه. ادّعى ترامب رفضه للصراعات المطوّلة والمكلفة في الشرق الأوسط، وساهم هذا الموقف المناهض للتدخل في وصوله إلى البيت الأبيض عام 2016. وتحت شعار "الواقعية المبدئية"، لم تتراجع إدارة ترامب الأولى عن توجهها بعيدا عن الشرق الأوسط ونحو التنافس مع الصين، وهو تركيز على ديناميكيات القوى العظمى كان يتوقعه معظم الواقعيين من الولايات المتحدة في مواجهة منافس قوي.

 

وتابعت أن من خلال توقعات رئاسة ثانية لترامب، تنبأ الباحث الواقعي البارز راندال شويلر (بالاشتراك مع أندرو بايرز) في مجلة "فورين أفيرز" بأن نزعات ترامب الواقعية ستؤدي إلى "أكثر سياسة خارجية أمريكية ضبطا للنفس في التاريخ الحديث". وقد افترضت هذه التأكيدات المبكرة على أن ترامب واقعي، حكمة وتركيزا على سياسات القوى العظمى، وهو ما اعتقد العديد من الباحثين والمحللين أنه كان غائبا عن السياسة الخارجية الأمريكية لبعض الوقت.

 

وأشارت إلى أن سرعان ما خالفت السياسة الخارجية لترامب في ولايته الثانية هذه التوقعات، فمع تخليها عن كل من ضبط النفس العسكري واستراتيجية التنافس بين القوى العظمى، تحولت إدارة ترامب الحالية إلى ما تسميه "الواقعية المرنة"، ويبدو أن هذا النهج الجديد، المتجذر في مبدأ أن القوة هي الحق، مصمم لتبرير استخدام الرئيس المفرط للإكراه، فبعد أن طرحت استراتيجية الأمن القومي لعام 2025 الواقعية المرنة كمبدأ أساسي.

 

وتابعت أن ترامب وصف اعتقاله المفاجئ للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في كانون الثاني/ يناير بأنه تعبير عن "القوانين الحديدية التي لطالما حددت موازين القوى العالمية". وقد تناول مستشار البيت الأبيض ستيفن ميلر هذا الموضوع، مصرحا لشبكة CNN: “نحن نعيش في عالم، في العالم الحقيقي… [الذي] تحكمه القوة، ويحكمه الإكراه، وتحكمه السلطة"، وفي وقت لاحق من ذلك الشهر، بشرت استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026 بالواقعية العملية المرنة للرئيس، معلنة بجرأة: "وداعا للمثالية الطوباوية، ومرحبا بالواقعية الصارمة"، بحلول شهر آذار/ مارس، في الأيام الأولى للحرب مع إيران، حاول وزير الدفاع بيت هيغسيث تبرير الصراع بمصطلحات واقعية: "طموحاتنا ليست طوباوية؛ إنها واقعية، ومحددة وفقا لمصالحنا والدفاع عن شعبنا وحلفائنا".

 

قد يكون هناك صدى للواقعية في نهج ترامب الحازم، مثل تركيزه على استعراض القوة العسكرية وتأمين الموارد الاقتصادية. لكن الميل إلى السلطة، بمعزل عن الاستراتيجية أو تعريف واضح للمصلحة الوطنية، لا يؤهل القائد ليكون واقعيا. وقراءة متأنية للواقعية تثبت أن هذا الوصف لترامب لم يصمد أمام الزمن.

 

الأفعال لا الأقوال

وتابعت أن الواقعيون يفخرون بحسهم الاستراتيجي المرهف وتركيزهم الشديد على متطلبات التنافس بين القوى العظمى. ينبغي لحرب ترامب المختارة ضد إيران أن تدحض نهائيا فكرة أنه الوريث الطبيعي لتقاليد السياسة الخارجية الواقعية. فبينما تدعو الواقعية إلى الانضباط، تمثل الحرب مع إيران نقيض ذلك. سيكلف الصراع دافعي الضرائب الأمريكيين ما لا يقل عن 20 مليار دولار بحلول أواخر آذار/ مارس، على الرغم من صعوبة تحديد إدارة ترامب لأي خطر وشيك.

 

وقالت إن هذه العملية تورط الولايات المتحدة أكثر في منطقة صنّفها ترامب نفسه كأولوية استراتيجية أقل، لا سيما بالمقارنة مع منطقة المحيطين الهندي والهادئ ونصف الكرة الغربي، وقد تُعرِّض الضربات المستمرة جاهزية الجيش الأمريكي للخطر على المدى القريب والمتوسط، من خلال استنزاف الذخائر الحيوية ونقل الأصول الاستراتيجية الرئيسية، مثل أنظمة الدفاع الصاروخي والرادارات، مما يُضعف استعداد الولايات المتحدة لمواجهة صراعات محتملة مع الصين أو روسيا، بل ويُقوِّض الردع.

 

وتابعت أن الصراع في إيران يُخالف بعض المبادئ الأساسية للواقعية. إذ يرفض المفكرون الواقعيون تغيير النظام كهدف جدير بالاهتمام، كما فعل الكثيرون خلال حربي فيتنام والعراق، لأنهم يعتقدون أن القوة المادية للدولة أهم بكثير من طبيعتها الداخلية، وأن تكاليف تغيير هذه الطبيعة غالبا ما تكون باهظة للغاية، لسنوات عديدة، بدا أن ترامب نفسه يتبنى هذا الرأي، مصرحا خلال زيارة إلى السعودية العام الماضي بأن "التدخليين الغربيين" و"بناة الدول" دمروا دولا أكثر بكثير مما بنوا.

 

وأكملت أنه انعكس هذا الشعور في استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026، التي أعلنت أن وزارة الدفاع لن "تنشغل بعد الآن بالتدخلات والحروب التي لا تنتهي وتغيير الأنظمة وبناء الدول". ومع ذلك، كان تغيير النظام محورا أساسيا في الحجة التي ساقها ترامب لشن الحرب على إيران.

 

وأضافت كابته المقال أنه حتى مع إشارة إدارة ترامب إلى أنها قد تتخلى عن تغيير النظام كهدف لها، فإنها لم تُبلور بعد نظرية نصر تستند إلى مصالح وطنية محددة بوضوح تجمع بين الوسائل المتاحة والغايات القابلة للتحقيق. وكما أدرك الواقعيون على مرّ القرون، فبدون فهم كيفية تحويل استخدام القوة إلى نتائج سياسية مرغوبة، يرتفع خطر الفشل السياسي في الصراع إلى مستويات غير مقبولة.

 

وتابعت أنه علاوة على ذلك، تشير المؤشرات الأولية إلى أن الإدارة الأمريكية اندفعت إلى الصراع دون مراعاة ديناميكيات التصعيد المحتملة. كان من المتوقع أن توسع طهران نطاق الصراع بضرب جيرانها في الخليج، ومع ذلك انتظرت الإدارة أربعة أيام بعد بدء الأعمال العدائية قبل أن تأمر الدبلوماسيين الأمريكيين في المنطقة بالإخلاء.

 

وتابعت أنه عندما سُئل ترامب عن سبب عدم إخلاء السفارات قبل بدء الضربات، أوضح أن "كل شيء حدث بسرعة كبيرة"، مما يوحي بأنه على الرغم من أسابيع من التحضير، لم تتوقع الإدارة هذه الديناميكيات. كان من الواضح أيضا أن طهران ستزيد التكاليف العالمية باستهداف ناقلات النفط في مضيق هرمز وخلق أزمة طاقة، ومع ذلك بدا ترامب متفاجئا عندما ارتفعت أسعار النفط، وسرعان ما أشار إلى أن الحرب ستنتهي قريبا قبل أن يتراجع عن تلك التصريحات ويطلب من حلفاء الولايات المتحدة وشركائها، وحتى الصين، المساعدة في الدفاع عن المضيق.

 

وأكمل كابته المقال إن الحرب في إيران ليست الدليل الوحيد على أن ترامب ليس واقعيا. في حين يُوصي الواقعيون باستخدام القوة بحكمة في سبيل المصلحة الوطنية، فإن سياسة ترامب الخارجية في ولايته الثانية تُخالف ذلك تماما. فقد نأى بنفسه عن التنافس مع الصين، ويبدو أنه يسعى بدلا من ذلك إلى سلام تجاري مع بكين. وفي الوقت نفسه، تضاءلت قدرته على الحفاظ على الردع في منطقة المحيطين الهندي والهادئ بسبب مناورة إيران وما ترتب عليها من استنزاف للعتاد العسكري والجاهزية.

 

وتابعت أنه قد يعتقد ترامب أن القوة هي الحق، ولكن بقدر ما تتناسب إدارته مع أي نظرية واقعية، فإن ذلك يكمن في تجاهلها الصارخ للتحذير الدائم للواقعية بأن على القوى المهيمنة تجنب التوسع المفرط المكلف. في الواقع، مع استخدامها المتهور للقوة الأمريكية، أصبحت إدارة ترامب الثانية أحدث مثال تحذيري للواقعية.

 

أرض الفرص

واردفت كاتبه المقال أنه لطالما دعت حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا" إلى سياسات خارجية غير تدخلية، وتعهد نائب الرئيس جيه دي فانس بالولاء لترامب على أساس أنه لن يبدأ أي حروب جديدة. وعلى مدار حملات انتخابية متعددة، أثبت هذا التوجه شعبيته الكبيرة لدى الناخبين الأمريكيين.

 

هنا تكمن الفرصة لأولئك الذين يعارضون حرب ترامب، وكذلك للسياسيين وصناع القرار الذين سيأتون بعده. هناك طلب شعبي حقيقي على نهج أكثر انضباطا وعملية في السياسة الخارجية الأمريكية. حرب ترامب ليست متهورة لمجرد تجاهلها لصلاحيات الكونغرس في شن الحرب، أو القانون الدولي، أو قيمة التعاون مع الحلفاء. إنها تصرفات طائشة لأنها تجسد التجاوزات الحربية التي لطالما ندد بها الأمريكيون لما لها من آثار مدمرة على القوة الأمريكية.

 

قد يكون من المغري رفض هوس ترامب بمبدأ "القوة هي الحق" لصالح سياسة خارجية أمريكية تتمحور حول المثالية والفضيلة. لكن السياسة الخارجية المفرطة في الأيديولوجية تُخاطر بإيقاع الولايات المتحدة في الفخ نفسه الذي وقعت فيه بعد الحرب الباردة.

 

في المقابل، تدفع تجاوزات ترامب في مجال الأمن القومي بعض النقاد إلى تصعيد الدعوات إلى اتباع نهج أكثر ضبطا في السياسة الخارجية الأمريكية. إنّ مراعاة القيود المالية والسياسية المفروضة على السياسة الخارجية أمر محمود، لا سيما بالنسبة لمجموعة من القادة السياسيين وصنّاع القرار الذين اعتادوا على حقبة أحادية القطب بقيادة الولايات المتحدة، وهي حقبة ولّت. لكن في حماسهم للحدّ من النفوذ العسكري الأمريكي عالميا وقطع العلاقات الخارجية التي قد تُعيق تقدمهم، قد يُسرّع أولئك الذين يُؤيدون تقليصا جذريا من وتيرة تفكيك ترامب غير المدروس للقوة الأمريكية.

 

بدلا من ذلك، ثمة مسار أكثر واقعية وعملية للمضي قدما، مسار يقود إلى الولايات المتحدة الأمريكية القوية، المنخرطة عالميا، والمنضبطة، والتي تحظى بالاحترام مجددا في نهاية المطاف.