السيسي يُحمّل المهاجرين واللاجئين فشله… والسوريون في الواجهة

- ‎فيتقارير

تشهد الساحة المصرية في الأيام الأخيرة جدلاً واسعاً بعد انتشار معلومات تفيد بإصدار الحكومة تعليمات جديدة تمنع السوريين القادمين من جميع أنحاء العالم من دخول البلاد، بعد أن كان المنع مقتصراً على بعض الدول فقط، وأفاد مرصد الإعلام في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بأن "مصادر موثوقة" أكدت أن شركات الطيران والسفر تم إبلاغها بعدم السماح لأي مسافر سوري بالصعود إلى الرحلات المتجهة لمصر، باستثناء أصحاب الإقامات المؤقتة غير السياحية. وقد أثارت هذه الأنباء نقاشاً ساخناً حول أوضاع السوريين الموجودين في مصر، وسياسات الحكومة تجاه المهاجرين واللاجئين بشكل عام، في ظل ظروف اقتصادية صعبة وتصاعد التوترات الاجتماعية.

 

وفي نفس الإطار، أوضح الباحث المصري د. محمد الشريف عبر حسابه على منصة إكس (@MhdElsherif) أن الهجرة إلى مصر ليست مقتصرة على النزاعات فقط، بل تشمل موجات اقتصادية قادمة من عدة دول. وأشار إلى أن مصر تستقبل مهاجرين من جميع الفئات الغنية والفقيرة، حيث يأتي البعض من دول تعاني من النزاعات، بينما يأتي آخرون من دول مستقرّة للاستفادة من تدني قيمة الجنيه المصري مقارنة بعملاتهم.

 

كما أضاف أن موجات جديدة من الهجرة بارزة حالياً، مثل الهجرة من نيجيريا، منوهاً إلى أن إعلانات العمل للعمالة المنزلية تركز بشكل كبير على النيجيريين، وتعكس هذه الرؤية فكرة أن مصر أصبحت وجهة جذابة لمهاجرين من خلفيات متنوعة، وأن النقاش حول "اللاجئين" لا يمكن فصله عن حقيقة الهجرة الاقتصادية.

 

لكن النقاش وصل إلى ذروته عند تدخل الإعلامي اليمني علي البخيتي (@Ali_Albukhaiti)، الذي انتقد الإعلامي أحمد موسى (@ahmeda_mousa) بعد نشر الأخير خبر نية ألمانيا إعادة 800 ألف سوري إلى بلادهم، حيث ذكر البخيتي أن مصر لا تحتضن "لاجئين" بالمعنى المعروف في أوروبا، موضحاً أن الوافد إلى ألمانيا يحصل على دعم مالي وسكن ورعاية صحية وتعليم مجاني، بينما لا تتوفر للسوريين أو اليمنيين أو السودانيين في مصر أي من هذه المزايا.

 

وأشار "البخيتي" إلى أن المقيمين من هذه الجنسيات في مصر يعتمدون على مدخراتهم أو عائد بيع ممتلكاتهم في بلدانهم، معتبراً أنهم يسهمون في تنشيط الاقتصاد المصري، وليسوا عبئاً عليه.

 

كما أوضح أن مصر تتلقى دعماً مالياً من دول أوروبية ومنظمات دولية تحت مظلة "اللاجئين"، رغم عدم تقديمها أي خدمات تُذكر لهم على حد قوله.

 

واستمر البخيتي في القول بأن مصر فرضت رسومًا على كل لاجئ، مما ألغى حتى أقل الفوائد التي كان يمكن أن يحصل عليها بعضهم من الفرق في أسعار السلع المدعومة، واعتبر أن حكومة السيسي أصبحت تحقق فائدة مالية من وجودهم، وليس العكس.

 

كما قارن بين وضع السوريين واليمنيين في مصر وبين وجود أكثر من مليون سعودي يعيشون بشكل دائم في مصر، متسائلاً عن السبب وراء عدم وصفهم باللاجئين رغم أنهم أيضاً يعتمدون على أنفسهم. وخلص إلى أن توصيف السوريين كلاجئين يستخدم سياسياً، بينما هم في الواقع مهاجرون اقتصاديون أو مقيمون عاديون.

 

وأردف أن عدد المصريين الذين يعيشون في الدول العربية يفوق بكثير هؤلاء، حيث يوجد في الأردن وحدها حوالي مليون مصري، ولم تُطلق عليهم المملكة يوماً وصف اللاجئين، وكذلك في السعودية والإمارات والكويت وبقية دول الخليج، حيث يعيش الملايين من المصريين ويستفيدون من السلع والخدمات المدعومة من حكومات تلك البلدان، دون أن يُطلق عليهم أحد لقب اللاجئين.

بعد أن فرضت الحكومة في مصر رسوماً على جميع اللاجئين، انتهت حتى الفوائد المحدودة التي كان يحصل عليها اللاجئون من الفروق في أسعار السلع المدعومة، هذه الرسوم المالية التي طُبقت عليهم تغطي تلك الفروق بل وتزيد عليها، مما يعني أنه لم يعد هناك أي خسارة على مصر من الأشخاص الذين تُطلق عليهم صفة لاجئين، بل بالعكس، أصبحت مصر تستفيد بالكامل من وجودهم.

 

في إطار هذا النقاش، أبدى الأكاديمي السعودي د. طالب الدغيم (@Tanomadu) رأيه بشكل قاسي تجاه مؤيدي الانقلاب وأولئك الذين يلومون مصر على تدهور قيمة الجنيه، حيث أشار بشكل ساخر إلى خطأ ورد في تغريدة أحمد موسى، قائلاً إن الرئيس السوري "أحمد الشرع" لا علاقة له بمشاكل الفقر أو العشوائيات أو الديون أو تراجع قيمة الجنيه في مصر.

 

وأضاف: لا صلة له بالديون المصرية التي تجاوزت 160 مليار دولار، أو بتدهور قيمة الجنيه حتى اقترب الدولار من 50 جنيهاً، لم يقم أحمد الشرع ببناء العاصمة الإدارية بمليارات الدولارات في الوقت الذي تعاني فيه العديد من المدن المصرية من الفقر وتدهور الخدمات. ولم يقم بشراء طائرات رئاسية بملايين الدولارات، ولم يسلم الاقتصاد بيد الجنرالات حتى أصبح الجيش ينافس الأفراد في التجارة والمشاريع، كما أنه ليس مسؤولاً عن الارتفاع الاستثنائي في الأسعار، ولا عن غلاء الوقود والكهرباء الذي أثر سلباً على المواطنين المصريين. وليس له دور في البطالة التي تدفع آلاف الشباب المصريين للبحث عن فرص عمل بأقل الأجور في دول الخليج وليبيا وتركيا، أو العمل في أي مجال من أجل البقاء، ولم يقم هو بالتسبب في أزمة سد النهضة حتى صار مستقبل مياه النيل في خطر، وليس هو من جعل الدين يتزايد عاماً بعد عام حتى أصبحت مصر واحدة من أكثر الدول المديونة، وليس هو من قام بالتوقيع مع الكيان الصهيوني أو إبرام اتفاقيات الغاز.

 

وشدد على أن الأزمات الكبيرة التي تعاني منها مصر لم تسببها الحكومة السورية في دمشق، أو السوريون الموجودون في مصر، بل هي ناتجة عن سياسات وأخطاء داخلية تمتد على مر السنين.

 

ورأى أن من يريد معالجة الأوضاع في البلاد يجب أن يبحث في جذور المشكلات داخل البلاد، بدلاً من محاولة إلقاء اللوم على ظروف خارجية.

 

وأضاف أن تحميل السوريين المسؤولية عن الأزمات المالية في مصر هو وسيلة لصرف الأنظار عن السياسات الداخلية التي أدت إلى تراكم الديون وتدهور الخدمات وارتفاع الأسعار.

 

وأشار إلى أن ملايين المصريين يعيشون ويعملون في دول عربية مثل الأردن والسعودية والإمارات والكويت، ويستفيدون من خدمات مدعومة دون أن يُطلق عليهم لقب لاجئين، ما يجعل الخطاب المعادي ضد المقيمين السوريين في مصر غير منطقي، حسب رأيه.

 

تأتي هذه المناقشات في وقت تواجه فيه مصر صعوبات اقتصادية كبيرة، مما يجعل مسألة المهاجرين واللاجئين موضوعًا قابلًا للاشتعال في النقاش العام، ففي حين يرى البعض أن وجود السوريين وغيرهم يمثل عبئًا على الموارد، يعتقد آخرون أنهم جزء من الدورة الاقتصادية، ويقدمون مساهمات في الاستثمار والاستهلاك ويعملون في قطاعات كبيرة من السوق المصرية. بالإضافة إلى أن غياب إطار قانوني واضح يحدد وضعهم بالدقة -هل هم لاجئون أم مهاجرون أم مقيمون؟- يعقد المشهد أكثر.

وفي غياب أي تأكيد رسمي بشأن التعليمات الجديدة التي تتعلق بحظر دخول السوريين، يبقى الجدل قائمًا، وتظل التساؤلات مفتوحة بشأن مستقبل سياسات الهجرة في مصر، وكذلك حول كيفية تحقيق التوازن بين الضغوط الاقتصادية وحقوق الإنسان، بالإضافة إلى احتياجات الدولة ومصالح مئات الآلاف من السكان الذين اعتبروها ملاذًا مؤقتًا أو مكان إقامة دائم. وفي حين تتزايد الأصوات المطالبة بإدارة الملف بشفافية، تستمر المخاوف من أن يتحول الحوار إلى خطاب كراهية يتم فيه إلصاق اللوم بالمهاجرين نتيجة أزمات لا علاقة لهم بإحداثها.

 

قامت حكومة الانقلاب بإصدار تعليمات تمنع دخول السوريين القادمين من مختلف دول العالم، وذلك بعد فترة من تطبيق حظر دخول السوريين القادمين من بعض البلدان فقط. وأفاد "مرصد الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" أن شركات السفر والطيران قد أُبلغت بعدم السماح لأي مسافر سوري بالصعود إلى الطائرات المتجهة إلى مصر، باستثناء حاملي الإقامات المؤقتة والتي لا تتضمن السياحة.