يبدو أنه وبحسب مراقبين خرجت "إسرائيل" الرابح الأكبر من الاتفاق الأخير بين واشنطن وطهران، وبات السيناريو المرعب للاستفراد "الإسرائيلي" بالعمق العربي.
ويقول بتكبيل أمريكا يد إيران وترك المنطقة لنتنياهو؟ المحلل الشاب عمار مطاوع (@AmmarMetawa) الذي يقدم صياغة تحليلية بالغة الأهمية والخطورة حول المآلات الميدانية للاتفاق، مجادلاً بأن المستفيد الأكبر والحقيقي من هذه الصيغة السياسية هي إسرائيل وليست إيران، ويرى مطاوع أن الاتفاق نجح في سحب الورقة الإقليمية من يد طهران.
ويقول مطاوع بحسب حسابه: "ترامب بهذا الاتفاق أخرج الولايات المتحدة وإيران من صراعات الإقليم، وأبقى لإسرائيل السيادة منفردة في جبهاتها العربية الأربعة: غزة، سوريا، لبنان، الضفة دون أي تهديد إقليمي حقيقي، الحقيقة الصادمة هي أن المستفيد الأول والأخير من هذا الاتفاق بشكله الحالي هو إسرائيل".
وينبه مطاوع إلى أن التوقيع الإلكتروني يسلب إيران صفة "المعتدى عليه" إذا ما قررت التدخل مستقبلاً، وسيعطي ترامب الذريعة للتحلل من المسؤولية عن التحركات العسكرية الصهيونية القادمة بحجة "احترام السيادة الوطنية "الإسرائيلية".
ويستنتج : "لن تنسحب إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانية، ولن تنسحب من جبل الشيخ في سوريا، ولن تنسحب من غزة، وستستهدف أي رصد لحركة العتاد في أي بقعة مجاورة، البقاء للنظام الإيراني مبتور اليد ومنهك الجسد تحول إلى انتصار رمزي هزيل وحيد، وهذه هي الحقيقة العسكرية على الأرض".
وهو تحليل وارد، يتفق معه البعض منذ أن دافع توفيق عكاشة عن الكتيبة العسكرية الجوية المصرية في الإمارات، وكتب عنه المحلل السياسي ياسر الزعاترة (@YZaatreh) عندما أبدي تهكمه من المحاولات الإعلامية "الإسرائيلية" والعربية لتصوير المشهد كأنه سحق كامل لإيران، مستشهداً بتقرير صحيفة "معاريف" التي استعانت بآراء إعلامية عربية تقليدية (مثل توفيق عكاشة) للترويج لفكّ الارتباط الإيراني وتدمير حواضرها، معتبراً أن الوعي العام العربي بات قادراً على تمييز البروباغندا وتفكيك الأوهام، سواء تلك التي تبيع نصراً "إسرائيلياً" مطلقاً أو التي تدعي سحقاً كاملاً للغرب.
كسر الهيمنة الأمريكية
وفي المقابل تيار واسع من المحللين السياسيين يرون أن مجرد جلوس الإدارة الأمريكية بنزعتها البراجماتية الحالية لتوقيع اتفاق يحمل تنازلات مالية وسياسية ضخمة، هو اعتراف ضمني بفشل سياسة "الضغط الأقصى" ونجاح استراتيجية الصمود والردع الإيرانية وهو ما سبق في مرات سابقة خلال النصف الأول من 2026.
وقبل ساعات من توقيع الاتفاق المرتقب بين واشنطن وطهران برعاية قطرية، علق المحلل السياسي سعيد زياد (@saeedziad) مستندا في تحليله الاستراتيجي إلى الداخل الصهيوني نفسه، مؤكداً وجود حالة من الصدمة والإجماع على وصف مذكرة التفاهم بـ "الكارثية"، ويرى زياد أن الاتفاق لم يمنح إيران قبلة الحياة فحسب، بل أعطاها أوراق قوة إضافية لم تكن تملكها قبل اندلاع المواجهة الأخيرة، وفيما يتعلق بالملف اللبناني.
ويوضح "زياد": "الأدهى من ذلك، أن هذه الحرب وهذه المذكرة، أعادتا إحياء حزب الله، بعد أن كان (جاثياً على الركب) كما كان يحب أن يصفه نتنياهو، إثر الضربات المرة التي تلقاها في حرب الأيام الـ 66، ليعود الحزب أقوى عسكرياً وأمنياً في وجه إسرائيل، وأقوى داخلياً".
ويؤكد أن جشع نتنياهو السياسي قاده إلى "هزيمة استراتيجية" أفقدت إسرائيل ميزة حرية العمل العسكري المطلق في لبنان وجعلتها تواجه واقعاً ردعياً جديداً تسببت فيه حماقة قيادتها.
https://x.com/saeedziad/status/2066460367828455834
ويركز المستشار العسكري الكويتي ناصر الدويلة (@nasser_duwailah) على الشق المالي والبروتوكولي للاتفاق، واصفاً الشروط المتمخضة عنه بـ "المرعبة" للمحور الغربي.
ويشير الدويلة في تدوينته إلى أن ترامب ظهر بمظهر البائس المستجدي لطهران لضمان عدم التصعيد ووقف إطلاق النار، مقابل التعهد بالإفراج عن الأرصدة الإيرانية المجمدة وضخ مساعدات لإعادة الإعمار تصل إلى 300 مليار دولار، وهو ما يراه الدويلة انتصاراً تفاوضياً كاملاً لصالح طهران.
https://x.com/nasser_duwailah/status/2066400793410851068
غير أن محمد حبيب وعبر (@BeboFinance2021): يربط بين الاتفاق والتحولات الجيوسياسية في منطقة الخليج العربي، موجهاً تحية للدبلوماسية العقلانية التي تبنتها دول مثل سلطنة عمان عبر حيادها الثابت، والمملكة العربية السعودية برفضها الانجرار إلى مستنقع الحروب العبثية، ودولة قطر بقراءتها الذكية لموازين القوى.
ويضيف ، "لقد انهزم ترامب أمام إيران قولاً واحداً، وباعتراف وسائل إعلام إسرائيلية ومسؤولين إسرائيليين أنفسهم، بينما استطاعت إيران أن تفرض معادلات ردع جديدة على الأرض، والدرس الأهم هو أن المصالح الأمريكية ليست مصالح العرب، وأن واشنطن قد تشعل الحروب ثم تترك الجميع يتعامل مع النيران وحدهم".
https://x.com/BeboFinance2021/status/2066330542446956928
المسار المالي والاقتصادي
يبرز تناقض صارخ في تقدير مآلات الدعم والمكاسب المادية؛ حيث يرى المعسكر الداعم لإيران في التعهدات الأمريكية برصد 300 مليار دولار لإعادة الإعمار والإفراج عن الأرصدة المجمدة اعترافاً أمريكياً خطيراً بالهزيمة السياسية أمام شروط طهران وتراجعاً عن سياسة الحصار العتيقة.
وفي المقابل، يقرأ المعسكر المتشكك تصريحات جي دي فانس بشكل مغاير تماماً، مستنداً إلى تأكيداته الحاسمة بأن إيران لا تحصل على أي أموال في الوقت الحالي، مما يعني من وجهة نظرهم أن أي انتعاش اقتصادي مستقبلي لطهران بات مشروطاً ومدفوع الثمن مسبقاً عبر انكفائها الإقليمي الكامل وتراجع دورها الخارجي.
مستقبل الجبهة اللبنانية
يتجاوز التباين في قراءة الملف اللبناني حدود التحليل السياسي ليمس واقع الميدان المشتعل مباشرة؛ إذ يرى محور المقاومة أن هذه المذكرة الرقمية نجحت في إعادة إحياء حزب الله كقوة ردع عسكرية وأمنية وسياسية فرضت شروطها لحماية السيادة ومنع قصف العاصمة بيروت والداخل اللبناني.
وعلى الضفة الأخرى، يُنظر إلى استمرار القصف الإسرائيلي الحالي كدليل قاطع على عدم التزام تل أبيب بأي تفاهمات رقمية، بل يذهب هذا التيار إلى أن البنود غير المعلنة للاتفاق تهدف بالأساس إلى تجفيف منابع الدعم اللوجستي وقطع خطوط إمداد العتاد العسكري عن الحزب، مما يضعف قدراته الدفاعية والهجومية على المدى الطويل.
استفراد بالساحات الأربع؟
يؤدي دمج المعطيات الجيوسياسية الراهنة إلى رؤيتين متصادمتين لمستقبل المنطقة العربية وعلاقتها بالقوى الإقليمية؛ فبينما يتفاءل أنصار التوجه الإيراني بأن تراجع النفوذ الأمريكي يمهد الطريق لولادة نظام إقليمي جديد متعدد الأقطاب تملك فيه دول المنطقة وجوارها فرصة حقيقية للتحرر من الهيمنة الفردية لواشنطن، يحذر الخبراء والمحللون الواقعيون من قراءة مغايرة تماماً.
حيث يرى هؤلاء أن تحييد إيران بهذه الطريقة يحمل في طياته تهميشاً خطيراً للملفات العربية، ويخلق حالة من القطيعة الإقليمية تترك الجبهات الأربع المشتعلة في غزة، والضفة الغربية، ولبنان، وسوريا مكشوفة تماماً وفي مواجهة مباشرة أمام انفراد عسكري وسياسي إسرائيلي غير مسبوق في المنطقة.