تراجعت المساحة الفعلية لمحمية الغابة المتحجرة في القاهرة الجديدة إلى نحو 2.6 كيلومتر مربع، بعدما كانت مساحتها عند إعلانها محمية طبيعية عام 1989 تقدر بنحو 7 كيلومترات مربعة.
وبحسب التقدير المساحي الذي أجراه موقع "صحيح مصر" باستخدام صور الأقمار الصناعية، فقدت المحمية نحو 63% من مساحتها الأصلية، فيما تقلصت المساحة الفعلية بنحو 21% عن المساحة الرسمية الحالية التي تعلنها وزارة البيئة والبالغة 3.3 كيلومتر مربع.
ويستند التحقيق إلى وثائق وقرارات حكومية، وخرائط وإحداثيات رسمية، وصور أقمار صناعية، إلى جانب شهادات لمسؤولين سابقين وناشطين بيئيين.
وتقول وزارة البيئة: "إن المساحة الرسمية الحالية للمحمية تبلغ 3.3 كيلومتر مربع، وفق وثيقة صادرة عن الإدارة المركزية لحماية الطبيعة في يوليو/تموز 2026."
وتضع الوثيقة القرار رقم 1441 لسنة 2017 ضمن القرارات المحددة لمساحة المحمية.
من 7 كيلومترات مربعة إلى 3.3 كيلومتر
أعلنت حكومة السيسي الغابة المتحجرة محمية طبيعية بموجب قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 944 لسنة 1989.
وبحسب التحقيق، كانت مساحة المحمية في ذلك الوقت تقدر بنحو 7 كيلومترات مربعة، قبل أن تتراجع إلى نحو 6 كيلومترات مربعة بموجب قرار محافظ القاهرة رقم 777 لسنة 1992، الذي ألغى قراراً سابقاً وحدد إحداثيات جديدة للمحمية.
وبمراجعة الإحداثيات الواردة في قرار 1992، وإجراء قياس مساحي استناداً إليها، يؤكدان أن المساحة كانت بالفعل في حدود 6 كيلومترات مربعة.
ثم جاءت عملية اقتطاع أكبر في عام 2017.
اقتطاع الشمال لصالح التوسع العمراني
وفق التحقيق، اقتُطع الجزء الشمالي من المحمية بموجب قرارات صدرت عام 2017. وتشير وزارة البيئة، بحسب المادة المنشورة، إلى اقتطاع مساحة تبلغ نحو 1.9 كيلومتر مربع، بينما خصص القرار الرئاسي رقم 637 لسنة 2017 الأراضي المقتطعة، بمساحة وردت بنحو 2.2 كيلومتر مربع، لصالح هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة لاستخدامها امتداداً عمرانياً للقاهرة الجديدة.
وهناك اختلافاً بين الأرقام الرسمية المتعلقة بالمساحة المقتطعة، ولذلك قام معدوه بمقارنة خرائط وزارة البيئة بالإحداثيات الواردة في قرار 777 لسنة 1992.
وتخلص المقارنة، إلى أن المساحة الأصلية التي حددتها إحداثيات 1992 كانت نحو 6 كيلومترات مربعة.
واللافت، وفق التحقيق، أن صور الأقمار الصناعية تظهر أعمال بناء في الجزء الشمالي منذ عام 2008، أي قبل صدور قرار اقتطاعه رسمياً في عام 2017.
وينقل التحقيق عن مسؤول سابق بالمحمية قوله: "إن منطقة امتداد النرجس كانت قد تغولت داخل حدود المحمية قبل سنوات من صدور قرار التنازل عن الجزء الشمالي".
كذب الوزارة
في مواجهة الانتقادات التي أعقبت اقتطاع الجزء الشمالي، قالت وزارة البيئة إن المنطقة المقتطعة فقدت قيمتها الجيولوجية، وإن مساحة جديدة أضيفت إلى المحمية من الجهة الغربية.
وبحسب التحقيق، نشر وزير البيئة في ذلك الوقت، خالد فهمي، مقطعاً يوضح الحدود الجديدة للمحمية، وقال "إن الجهة الغربية ناحية الجامعة الألمانية أضيفت إلى حدودها بهدف حمايتها من التوسع العمراني".
كما نقل التحقيق عن أحمد سلامة، الذي كان يشغل منصب رئيس قطاع حماية الطبيعة، تأكيده في تصريحات صحفية أن مساحة جديدة ضُمت غرب السور.
لكن منصة التدقيق، قالت: "إن مراجعة الإحداثيات والخرائط الرسمية التي نشرتها وزارة البيئة نفسها تظهر أن القطاع الغربي كان بالفعل ضمن حدود المحمية قبل قرار 2017، استناداً إلى قرار محافظ القاهرة رقم 777 لسنة 1992."
وبالتالي، فإن المنطقة التي قيل إنها أضيفت لتعويض المحمية، بحسب التحقيق، لم تكن أرضاً جديدة بالمعنى الجغرافي، وإنما كانت أصلاً جزءاً من حدودها السابقة.
مبانٍ ومجمعات سكنية
لا يتوقف التحقيق عند الاقتطاع الرسمي للأراضي، فبحسب صور الأقمار الصناعية الحديثة التي راجعها «صحيح مصر»، ظهرت مجمعات سكنية وفيلات في القطاع الغربي المقابل للجامعة الألمانية.
ويقول الموقع "إنه قارن مواقع الإنشاءات بالخرائط الرسمية للمحمية، وخلص إلى أن أعمال البناء تمتد إلى مناطق تقع داخل الحدود الغربية الرسمية للمحمية".
ومن أبرز المشروعات التي تناولها التحقيق مشروعات تابعة لشركة هايد بارك للتطوير العقاري.
ويقول التحقيق "إن صور الأقمار الصناعية الخاصة بأحد المجمعات السكنية في شمال القطاع الغربي تتطابق مع مخططات مشروع هايد بارك فيوز، الذي أعلنت الشركة أنه يقام على مساحة تبلغ نحو 34 فداناً".
ويضم المشروع، وفق ما أورده التحقيق، فيلات مستقلة وتوين هاوس وتاون هاوس. كما أعلنت الشركة لاحقاً عن مشروع هايد بارك تريسس أمام الجامعة الألمانية، على مساحة تبلغ نحو 102 فدان.
ويربط التحقيق بين موقع هذا المشروع وأعمال الإنشاءات الموجودة في الجزء الجنوبي الغربي من المحمية، مستنداً إلى مقارنة صور الأقمار الصناعية بالمخططات والخرائط المنشورة للمشروع.
و يتوقف التحقيق كذلك عند هيكل ملكية شركة هايد بارك. ووفق البيانات التي أوردتها المنصة تمتلك جهات ومؤسسات حكومية حصصاً كبيرة في الشركة، من بينها:
– بنك التعمير والإسكان بنسبة 36.9%.
– البنك الأهلي المصري بنسبة 24%.
– هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة بنسبة 20.88%.
– الشركة القابضة للاستثمار والتنمية بنسبة 18.2%.
– شركة التعمير للاستثمار والتطوير العقاري بنسبة 0.02%.
وبذلك، يصف التحقيق الشركة بأنها ذات ملكية شبه حكومية، وهو ما يضيف بعداً مهماً إلى قضية التوسع العمراني في محيط المحمية.
اقتطاعات جديدة
ولا تقتصر الإنشاءات على الجهة الغربية، ففي الجنوب والشرق ظهرت، وفق صور الأقمار الصناعية التي راجعها «صحيح مصر»، منشآت وأعمال تمهيد تعود إلى بدايات عام 2026.
ويقدر التحقيق مساحة هذه الإنشاءات بنحو 81 ألف متر مربع. ونقل عن ناشط بيئي قوله إن منشآت تجارية ظهرت بمحاذاة السور الجنوبي والجنوب الشرقي، من بينها كافيتريات ومطاعم ومراكز لخدمات السيارات.
وتظهر، خلف هذه المنشآت، بحسب التحقيق، أعمال تمهيد وتجمعات إنشائية يُرجح أن بعضها سكني، هذه الإنشاءات تقع داخل الحدود الأصلية للمحمية وفق خريطة القرار الصادر عام 2017، بحسب المقارنة التي أجراها الموقع.
حصار من عدة جهات
ويرى قيادي سابق بوزارة البيئة، وفق التحقيق، أن الغابة المتحجرة أصبحت من أكثر المحميات المصرية تعرضاً للخطر، بسبب التوسع العمراني والطرق والمحاور المرورية والاستخدامات المحيطة بها.
ويقول المسؤول السابق: "إن محاولات بعض العاملين في وزارة البيئة لحماية المحمية اصطدمت بموجة توسع عمراني أقوى، محذراً من استمرار تقلص المساحة وصولاً إلى مرحلة يجري فيها الادعاء بأن المحمية فقدت قيمتها الجيولوجية، كما حدث عند اقتطاع الجزء الشمالي".
جزيرة محاصرة بالخرسانة
تكشف الوقائع التي يسردها التحقيق عن تحول جذري في المشهد المحيط بالغابة المتحجرة.
فالمحمية التي كان يفترض أن تحافظ على تكوين جيولوجي نادر يعود إلى العصر الأوليجوسيني قبل أكثر من 30 مليون عام، أصبحت محاصرة تدريجياً بمشروعات سكنية وتجارية ومحاور عمرانية.
والسؤال الذي يطرحه التحقيق لا يتعلق فقط بمساحة الأرض التي فقدتها المحمية، وإنما بقدرة الدولة على حماية ما تبقى منها في ظل استمرار التوسع العمراني.
وتنص المادة 45 من الدستور المصري على التزام الدولة بحماية المحميات الطبيعية، وحظر التعدي عليها أو تلويثها أو استخدامها فيما يتنافى مع طبيعتها.
وبين النص الدستوري والواقع الذي ترصده صور الأقمار الصناعية والخرائط والقرارات الرسمية، تبرز قضية الغابة المتحجرة باعتبارها اختباراً عملياً لمدى قدرة أجهزة الدولة على تحقيق التوازن بين التوسع العمراني وحماية المناطق الطبيعية ذات القيمة الجيولوجية والبيئية.