بعد 18 عاما من تأجيل تعوّيضات القُرنة.. تهجير قسري وضياع العمران والتراث

- ‎فيتقارير

تعود قضية سكان القُرنة غرب الأقصر إلى عقود مضت، مع تعاقب مشروعات لإعادة توطين السكان وإخلاء المناطق الواقعة فوق أو بالقرب من المواقع الأثرية، وبين القرنة القديمة، والقرنة الجديدة التي صممها المعماري حسن فتحي، ثم عمليات الإخلاء وإعادة التوطين في مناطق أخرى، تشكلت قضية ممتدة تجمع بين حماية الآثار وحقوق السكان والحفاظ على التراث العمراني والاجتماعي للمنطقة.

 

وفي أغسطس 2026، عادت القضية إلى الواجهة مع إعلان محافظة الأقصر تسليم 573 قطعة أرض للمواطنين المستحقين من أهالي قرنة مرعي والقرنة القديمة، في إطار تسوية ملف استمر لسنوات، ووفق ما نقلته «المصري اليوم»، جرى تخصيص الأراضي بعد صدور قرار رئيس الجمهورية رقم 91 لسنة 2024 بتخصيص 40 فدانًا بحوض التل 109 بمدينة القرنة، مع إعداد خريطة وتقسيم للقطع وإدراج المنطقة ضمن الحيز العمراني، إلى جانب مراجعة عقود المواطنين الذين لم يتسلموا حقوقهم سابقًا.

تهجير قديم وتسوية جديدة

 

في تقرير نشرته منصة «متصدقش» بعنوان «تهجير قبل 18 عامًا وتعوّيض مؤجّل.. معاناة أهالي القرنة بالأقصر»، تناولت المنصة ملف أهالي القرنة بالأقصر، بعد إعلان محافظة الأقصر تسليم 573 قطعة أرض للمواطنين المستحقين، في خطوة قُدمت باعتبارها إنهاءً لسنوات من الانتظار.

 

وبحسب التقرير، فإن هذه الخطوة تأتي بعد سنوات من عمليات تهجير سكان مناطق القرنة وقرنة مرعي، والتي ارتبطت بخطط حماية المناطق الأثرية وتطوير الأقصر.

 

وذكر التقرير أن عمليات التهجير بدأت تدريجيًا منذ عام 1997، وتكثفت خلال الفترة بين 2006 و2010، وشملت، وفق ما أورده، نحو 3200 أسرة من مناطق القرنة.

 

كما عرض التقرير روايات لأهالي قالوا: "إنهم وقعوا عقودًا للحصول على وحدات سكنية بديلة مقابل التخلي عن مساكنهم القديمة، إلا أن تنفيذ هذه الوعود تعثر، واضطرت بعض الأسر إلى الإقامة بالإيجار لسنوات طويلة".

 

وبحسب المادة، طُرحت لاحقًا تسوية جديدة تقوم على تخصيص قطع أراضٍ بدلًا من الوحدات السكنية، إلا أن بعض الأهالي قالوا: "إن الأراضي لم تدخلها المرافق بعد، وإنهم يواجهون تكاليف إضافية مرتبطة بتوصيل الخدمات واستخراج التراخيص".

 

كما نقل التقرير انتقادات بشأن طريقة تحديد المستحقين وتخصيص الأراضي، مع استمرار شكاوى بعض المهجرين الأصليين من عدم حصولهم على حقوقهم.

 

https://www.facebook.com/Akhbar.Elbalad.news/videos/-%D8%AA%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-17-%D8%B9%D8%A7%D9%85%D9%8B%D8%A7-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%87%D8%AC%D9%8A%D8%B1-%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A8%D9%84%D8%A7-%D8%AD%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D9%86%D8%A9%D9%88%D9%8A%D9%86-%D8%B4%D9%82%D9%82%D9%86%D8%A7-%D8%A8%D9%87%D8%B0%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A4%D8%A7%D9%84-%D9%8A%D8%AE%D8%AA%D8%B5%D8%B1-/1487846462850331/

القرنة القديمة ومشكلة التراث

 

هذه الأزمة السكانية ارتبطت في الوقت نفسه بقضية أقدم، هي مصير القرنة القديمة نفسها.

 

ففي تقرير بعنوان «قصة ضياع قريتين» نشره المعماري طارق والي عام 2016، تناول تاريخ القرنة القديمة وتجربة القرنة الجديدة التي صممها المعماري حسن فتحي.

 

ويرى والي أن القرنة القديمة لم تكن مجرد تجمع سكني بجوار المواقع الأثرية، وإنما كانت مجتمعًا له تاريخ وذاكرة وحرف وعلاقات بالمكان امتدت لأجيال.

 

وفي الوقت نفسه، يذكر التقرير أن بعض سكان القرنة أقاموا مساكن فوق المقابر واستخدموا بعضها في تخزين آثار جرى الحصول عليها بصورة غير قانونية، وهو ما ألحق أضرارًا بالمواقع الأثرية.

 

لكن والي يركز على أن إزالة القرية لم تعالج، في نظره، القضية باعتبارها قضية تراث عمراني واجتماعي، وإنما أدت إلى فقدان جزء من ذاكرة المكان.

 

https://walycenterjournal.wordpress.com/2016/02/28/%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D8%B6%D9%8A%D8%A7%D8%B9-%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%AA%D9%8A%D9%8

تسليم 573 قطعة أرض

 

وفي أغسطس 2026، أُعلن عن تسليم 573 قطعة أرض للمواطنين المستحقين بمنطقة قرنة مرعي، في إطار معالجة ملف التهجير الذي استمر لسنوات.

 

وبحسب ما نُشر عن المناسبة، قال محافظ الأقصر عبد المطلب عمارة: "إن تسليم الأراضي يمثل خطوة نحو إنهاء الملف وتحقيق الاستقرار للأسر المستفيدة، مشيرًا إلى تشكيل لجان للنزول إلى المناطق المعنية وحصر الأهالي والتحقق من حالات الاستحقاق".

 

وارتبطت الإجراءات بقرار رئيس الجمهورية رقم 91 لسنة 2024، الذي خصص مساحة 40 فدانًا بحوض التل 109 بمدينة القرنة، إلى جانب إعداد خرائط وتقسيم الأراضي وإدراج المنطقة ضمن الحيز العمراني، ودراسة العقود الخاصة بالمواطنين الذين لم يتسلموا حقوقهم من منطقتي القرنة القديمة وقرنة مرعي.

والجدل حول تهجير سكان القرنة لم يبدأ مع تسليم الأراضي الأخير، ففي سبتمبر/أيلول 2016 نشرت «اليوم السابع» تقريرًا عن أزمة أهالي قرنة مرعي، بعد سنوات من تهجيرهم.

 

ونقل التقرير عن عدد من الأهالي أنهم تركوا منازلهم بعد إبلاغهم بأن المنطقة تضم مواقع أثرية وأن خطط تطوير الأقصر تستهدف تحويل المنطقة إلى متحف مفتوح.

 

وقال أحد الأهالي، بحسب التقرير، "إن أكثر من 7 آلاف رجل وامرأة وطفل تضرروا من عملية التهجير، وإن الأهالي وُعدوا بأراضٍ بديلة، بينما قال آخرون إن عددًا محدودًا فقط تمكن من الحصول على الأراضي".

 

كما نقل التقرير مطالبات من الأهالي إما بالعودة إلى مناطقهم القديمة أو بالحصول على الأراضي التي قيل إنها خصصت لهم.

 

القرنة الجديدة وحسن فتحي

 

ضمن هذا السياق، يتناول تقرير والي مشروع القرنة الجديدة الذي صممه حسن فتحي في أربعينيات القرن العشرين لإعادة توطين سكان القرنة القديمة.

 

وبحسب التقرير، كان المشروع محاولة للجمع بين العمارة المحلية والظروف البيئية واحتياجات السكان، لكنه لم يكتمل بالصورة التي كان مخططًا لها.

 

كما ينتقد التقرير ما تعرضت له المباني المتبقية من هدم وتغييرات، ويشير إلى مبانٍ عامة مثل المدرسة والسوق والخان ومجلس المدينة.

 

ويفرق والي بين تغييرات قام بها بعض السكان وبين ما يصفه بتعديات نفذتها جهات حكومية، معتبرًا أن النوع الثاني أكثر خطورة من وجهة نظره بسبب تأثيره على صورة المشروع المعماري.

 

ويضع والي قضية القرنة ضمن نقاش أوسع حول العلاقة بين حماية التراث ومشروعات التطوير، ويستشهد في تقريره بما أورده عن اجتماعات لجنة التراث العالمي وتقارير بعثات اليونسكو وICOMOS، مشيرًا إلى مطالب بإجراء دراسات حول الوضع الأثري والإنساني للمنطقة قبل استكمال عمليات نقل السكان، كما يذكر أن بعثة مشتركة عام 2008 رصدت، بحسب عرضه، استمرار التهديدات المرتبطة بالهدم والبناء.

 

ويطالب التقرير بتسجيل القرنة وحمايتها قانونيًا، ووقف أعمال الهدم والبناء التي يرى أنها تؤثر على القيمة المعمارية للموقع.

ويظهر من مجمل هذه المواد أن قضية القرنة تجمع بين ملفين متداخلين.

الأول هو ملف أثري يتعلق بحماية جبانة طيبة والمقابر والمعابد والمواقع الأثرية.

والثاني هو ملف اجتماعي وعمراني يتعلق بسكان عاشوا في المنطقة، ثم جرى نقل أعداد منهم إلى مناطق أخرى، بينما استمر الجدل حول التعويضات والأراضي البديلة.

ويضيف تقرير طارق والي بعدًا ثالثًا هو التراث المعماري، من خلال الدفاع عن القرنة الجديدة وتجربة حسن فتحي باعتبارها تجربة معمارية مرتبطة بتاريخ العمارة المصرية الحديثة.