كتب: سيد توكل   تعاني مصر بعد الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013 على أول رئيس مدنى منتخب في تاريخها، من إفراط ملحوظ في الاقتراض المحلي والخارجي، في ظل انهيار اقتصادي وتدني المدخرات والاستثمارات، وارتفاع سعر الدولار، ورصيد وهمي للاحتياطيات من النقد الأجنبي، وعجز متنامي في الموازنة، وعجز متنامي في الميزان التجاري وميزان المدفوعات، وتتجاهل سلطات الانقلاب كل ذلك وكأنها مسلطة على خراب مصر!   ويعاني المصريون من سيطرة لا حدود لها على الاقتصاد من العسكر، حتى زاحم القطاع الخاص قاطرة التنمية في كل شيء وأصابه بالانكماش، مما فاقم من مشكلة البطالة، وساهم في ضعف الإنتاج في القطاعات الاقتصادية المختلفة.   وتحولت قضية الدين العام في مصر من مشكلة إلى أزمة مزمنة زادات تبعاتها بعد الانقلاب العسكري، رغم تسابق دول الخليج الداعمة للانقلاب في تقديم منح تجاوزت 40 مليار دولار، ومع ذلك لم تزدد أزمة الدين العام المصري إلا اشتعالا وتنامي هذا الدين بصورة تنذر بالخطر، وقد لا يسلم من لهيبها أحد.   ومع اقتراب الذكرى الخامسة لإعلان قائد الجيش عبدالفتاح السيسي، انقلابه على الرئيس الشرعي للبلاد؛ أكد محللون وخبراء اقتصاديون أن الزعيم الانقلابي لم ينجح في تحويل مصر إلى "جنة" كما وعد المصريين.   وكشف البنك المركزي المصري عن أن الدين الخارجي للبلاد قفز 41.6% إلى 79 مليار دولار بنهاية السنة المالية 2016-2017، التي انتهت في الثلاثين من يونيو الماضي.   وزعم البنك المركزي في تقريره الذي نُشر على موقعه الإلكتروني في وقت متأخر ليلة الخميس الماضي إن "الدين الخارجي في الحدود الآمنة وفقا للمعايير العالمية"!   الديون هموم    ويشكل هذا الدين عبئا كبيرا على الاقتصاد المصري الذي يعاني أزمة، بسبب خروج بعض الاستثمارات الأجنبية، وتراجع عائدات السياحة وقناة السويس خلال الفترة الماضية، فضلا عن انخفاض تحويلات المصريين العاملين بالخارج.   وتوسعت سلطات الانقلاب في الاستدانة الخارجية خلال الشهور الماضية، وتوصلت لاتفاق مع صندوق النقد الدولي وحصلت على أربعة مليارات دولار من إجمالي قرض بقيمة 12 مليار دولار.   وإلى جانب قرض الصندوق، طرحت سلطات الانقلاب سندات دولية بقيمة سبعة مليارات دولار، و5.2 مليارات دولار من بنك التصدير والاستيراد الأفريقي، إضافة إلى تلقيها ملياري دولار من البنك الدولي وخمسمئة مليون دولار من البنك الأفريقي للتنمية.   وشهدت السنة المالية 2013/2014 حدوث انقلاب عسكري في مصر بدعم إقليمي ودولي بعد ثلاثة أيام من بدايتها في 3 يوليو 2013، كان من نتائجه سياسيا اختطاف الرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي، ووضع دستور جديد، وحل مجلس الشورى المنتخب، وتشكيل حكومة وإجراء مسرحية انتخابات رئاسية فاز بنتيجتها قائد الانقلاب العسكري السفيه السيسي.   وكان لهذه الأوضاع السياسية أثر كبير على الحالة الاقتصادية في مصر، فقد تدهورت بشكل كبير، واتضح ذلك من خلال المؤشرات الاقتصادية، وانعكس ذلك على حياة المواطن المصري اليومية.   تداعيات كارثية    وأدى الارتفاع الخيالي في الأسعار الذي تصل نسبته إلى 50% زيادة على السلع والمنتجات، طبعًا دون أي زيادة طردية في المرتبات، بل على العكس تصحبه محاولات حكومية مستميتة ودراسات جادة لخفض الكثير من الرواتب والمعاشات، في حين تمتع مبارك برصيد بنكي من أموال الدولة السابقة، تكفي فوائده "وحدها" لرفع مستوى الحد الأدنى للرواتب لكافة شعب مصر.   اضافة إلى انهيار السياحة في مصر واتجاهها إلى مصير مجهول نتيجة الوضع السياسي المتأزم للدولة؛ وخاصة بعد تكرار حوادث التحطم التي كان آخرها تحطم الطائرة الروسية، مما أدى إلى إعلان الخطوط الفرنسية والألمانية بالتوقف عن المرور فوق سيناء، والذي صاحبه قرار أحدث للقوات الألمانية والبريطانية بوقف الرحلات الجوية عمومًا من وإلى مصر حاليًا، وهكذا تفقد السياحة في مصر ثلاث من أهم الجنسيات الوافدة لها، مما يعني أزمة هائلة جديدة للسياحة والاقتصاد في مصر.   وجاءت أزمة تفريعة قناة السويس الجديدة، والتي تسببت في حالة من الغلاء وأزمة للدولار داخل مصر، أمام صدمة الشعب، حيث يفشل لأول مرة مشروع قومي كبير بهذا الشكل في تحقيق نتائجًا إيجابية، وكأن هناك "خللًا" عامًا يشمل كل شيء في نظام الدولة الحديث.   وبعد أربعة اعوام من الانقلاب العسكري، بات الاقتصاد المصري يواجه معضلات كثيرة، مثل الدين العام والتضخم وزيادة معدلات البطالة والفقر، ولا توجد ثمة مؤشرات على احتمالات للتحسن في المدى القريب، ولولا المساعدات الخليجية والدعم الأوربي لتضاعفت معاناة المواطن المصري، وازداد التدهور الكبير في المرافق والمؤسسات، ولن تستطيع سلطات الانقلاب في ظل هذه الأوضاع مع استمرار نفس السياسات الاقتصادية التي كانت سائدة في عهد مبارك، تلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين فضلا عن إنجاز مشروعات تنموية أو استعادة مكانة مصر الإقليمية والدولي.

Facebook Comments