كتب حازم الأشموني:

في مرحلة سابقة بعد الانقلاب العسكري، كان الدكتور سعد الدين إبراهيم، رئيس مركز ابن خلدون للدراسات، يدعو إلى مصالحة مجتمعية تضم جميع أطياف الشعب المصري؛ وكان دائما ما يحذر من إقصاء الإسلاميين من المشهد، وأن ذلك يمثل خطورة على المجتمع، ويمزق النسيج المجتمعي، ويعوق تقدم البلاد التي تحتاج إلى الاستقرار خلال هذه المرحلة.

وبعيدًا عن اتفاقنا أو اختلافنا مع تفاصيل دعوته، إلا أنها بلا شك تمثل توجهًا حميدًا، فلا أحد مطلقا يمكن أن يرفض أي دعوة للصلح والإصلاح، لكنه في ذات الوقت لا يمكن أن يدوس على المبادئ والقيم الإنسانية والديمقراطية التي جاء انتهاكها مشعلا لأزمة مصر بعد انقلاب 30 يونيو 2013م.

للأسف، مدير مركز ابن خلدون لم يستمر على هذا النحو الحميد، ونشر في صحيفة المصري اليوم في عدد اليوم السبت 11 نوفمبر 2017م، مقالًا تضمن عدة افتراءات على الإخوان، تؤكد أن الرجل انتقل من مرحلة التظاهر بالحيادية والتوسط لتحقيق المصالحة، إلى مرحلة النفخ في النار والتحريض على الإخوان وتبرير القمع بحقهم.

«لماذا يكون الصدام حتميًا بين الإخوان المسلمين والجيش المصرى؟».. كان هذا هو عنوان مقال الدكتور سعد الدين إبراهيم، الذي اعتمد الكاتب في تحليله على تصوراته المغلوطة، أو بالأدق على افتراءات وأكاذيب تخالف كل القواعد العلمية والمنهجية والبحث العلمي الرصين، لينتهي في مقاله إلى حتمية الصراع بين الإخوان والجيش، مبررا القمع الذي يقوده الجيش بعد انقلاب 3 يوليو 2013م، بحق الحركة الأكثر شعبية في مصر، والتي فازت بأنزه انتخابات حرة نزيهة في تاريخ البلاد بعد ثورة يناير 2011م، سواء على مستوى الرئيس أو البرلمان.

من جانبنا، نحمل كل التقدير للجيش باعتباره يضم مئات الآلاف من أبناء الشعب، وصراعنا ليس أبدًا مع صغار الرتب والجنود الذين يمثلون أكثر من 95% من الجيش، منهم إخوة وأقارب وأصدقاء وحتى عناصر وأعضاء بالجماعة، لكننا فقط نرفض أطماع كبار الجنرالات الذين اختطفوا المؤسسة العسكرية وقادوا انقلابا دمويا على الحكومة المنتخبة، ويوجهون البلاد نحو سياسات تطبيعية مع عدو الأمة الأول "إسرائيل"، وحولوا بعض وحدات الجيش إلى مرتزقة ينفذون أجندة مليشيات. هؤلاء الجنرالات الكبار نراهم خونة وضعوا الجيش في مواجهة مع أكبر فصيل شعبي لم يسئ للمؤسسة العسكرية في يوم من الأيام.

تكفير المجتمع

الافتراء الأول من الدكتور سعد الدين إبراهيم الذي يفترض أنه أكاديمي يعتمد على البحث العلمي الرصين الموثق بالأدلة، هو اتهام الإخوان بتكفير المجتمع، وأنهم وحدهم على الإسلام وما سواهم كافر على ضلال مبين. يقول مدير مركز ابن خلدون، في مقاله، في تصوره عن التربية الإخوانية: «المسلم الحق لا بُد أن يكون إخوانيا. فالمسلمون إخوة. وكل من هو ليس إخوانيا فإنه غير مسلم حقيقة، حتى لو كان قد وُلد لأبوين مسلمين، وكانت شهادة ميلاده تقول إن ديانته هى الإسلام. ويتم تعميق هذه الرسالة الوحيدة فى أعماق الصِبية والشباب من آبائهم أو إخوانهم أو مُعلميهم، الذين يكون قد سبق انضمامهم أو تجنيدهم فى صفوف الجماعة».

ويتجاهل إبراهيم أخطر وأهم وثيقة للجماعة في هذا الصدد وهي كتاب "دعاة لا قضاة"، الذي ألفه فضيلة المرشد الأسبق المستشار حسن الهضيبي في سجون الديكتاتور جمال عبد الناصر؛ ردًا على انتشار معتقدات التكفير بصورة كبيرة بين المعتقلين بسبب التعذيب الوحشي الذي تعرضوا له.
"دعاة لا قضاة" يمثل أهم وأخطر وثيقة إخوانية على الإطلاق، حيث وضع حدًا لتمدد فكر التكفير رغم بشاعة التعذيب، وتحول هذا الكتاب العظيم إلى أعظم وثيقة ليس للإخوان فقط، بل لكل علماء الأمة في سياق ردودهم على تمدد أفكار التكفير بعد ذلك. وبات حدا فاصلا بين من يؤمن بفكر الإخوان ومن يؤمن بفكر التكفير.

العزلة عن المجتمع

أما الافتراء الثاني من جانب سعد الدين إبراهيم، فهو الزعم بانعزال أعضاء وعناصر الجماعة عن المجتمع، حيث يزعم إبراهيم في مقاله «وهكذا يتم عزل الصبى والشاب عن كل من هم ليسوا إخوانا. وقضاء مُعظم، إن لم يكن كل وقته، مع أقران إخوان ومُعلمين إخوان ومُرشدين إخوان فى المرحلتين الدراسيتين الإعدادية والثانوية، ثم فى المرحلة الجامعية، وبعد الجامعة ربما يعمل فى مؤسسة عامة أو خاصة يُهيمن عليها الإخوان، ويتزوج من فتاة إخوانية أو ابنة لأحد الإخوان».

ولا أدري من أين جاء مدير مركز ابن خلدون بهذه الأكذوبة، فإن جماعة الإخوان كانت ولا تزال أكبر حركة شعبية في مصر، وهي الأكثر توسعا وانتشارا بين جماهير الشعب، عبر آلاف الجمعيات الخيرية والمستشفيات والمستوصفات والمدارس والمكتبات التي تمت مصادرتها من جانب العسكر، والتي كانت تخدم ملايين المصريين بكل فئاتهم دون النظر إلى دينهم أو انتمائهم، ولأن الجماعة كذلك فقد فازت بثقة الشعب في انتخابات اتحادات الطلبة والنقابات، ثم أنزه انتخابات شهدتها مصر طوال تاريخها كله بعد ثورة يناير، فكيف يتغاضى الأستاذ الأكاديمي عن هذه الحقائق المذهلة؟!، وكيف يضرب صفحا عن هذه المعلومات من أجل أحقاده أو تطبيله للنظام العسكري؟.

السمع والطاعة

ويغمز مدير مركز ابن خلدون، في مبدأ السمع والطاعة عند الإخوان، مضيفا «وأهم ما يتعلمه المُرشح لعضوية جماعة الإخوان هو السمع والطاعة، عملا بالآية الكريمة الآمرة «أطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِى الْأَمْرِ مِنْكُمْ». وهو مبدأ لا غبار عليه ويشبه كثيرا فكرة "الالتزام الحزبي"، فبدون الالتزام بقرارات القيادة المنتخبة فلا وجود أصلا لأي عمل جماعي.. ونحن نشاهد كثيرًا في بلادنا تفكك الأحزاب والحركات لا لشيء سوى لعدم الالتزام بآليات العمل الجماعي والالتزام بقرارات المؤسسة.

لكن الكاتب يربط بين هذا المبدأ الأساسي في أي تجمع بشري وبين الجهاد، متابعا «كذلك يتعلم الفرد مُبكرا أن الخلاص من مجتمع الضلال هو الجهاد فى سبيل الله. وأنه لذلك تحض الجماعة أعضاءها على الالتزام بالأمر الإلهى: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ».

ويحاول إبراهيم الزعم بأن الجماعة في صراع مع المجتمع، متجاهلا أن الجماعة تمثل على الأقل ثلث هذا الشعب بأعضائها وامتدادها وتأثيرها الفكري والاجتماعي والدعوي.

أكذوبة السيطرة على الأرض

وينتهي مدير مركز ابن خلدون إلى أن الجماعة تمثل «حركة دعوية تنتهى إلى مؤسسة هرمية تراتبية شبه عسكرية، هدفها السيطرة التامة على الأرض وما فيها ومَن عليها مِن أجل تطبيق الشريعة الإسلامية، فالموت فى سبيل الله هو أسمى أمانيهم. لذلك فإن الصِدام بين الجيش وجماعة الإخوان كان ولا يزال أمرًا محتومًا»!.

وهو أمر مدهش من جانب الرجل الأكاديمي، الذي يكتب بعيدا عن السياق العام الذي يمر به المجتمع بعد تجربة ديمقراطية ثرية بعد ثورة 25 يناير، فازت جماعة الإخوان وحزبها السياسي "الحرية والعدالة" بانتخابات البرلمان ورئاسة الجمهورية، ثم جرى انقلاب عسكري على أول رئيس مدني منتخب، ثم ارتكب العسكر عشرات المذابح بحق الرافضين للانقلاب والمدافعين عن مكتسبات ثورة يناير، ومع القمع المتواصل تلاشت مكاسب يناير وعاد القمع أكثر وحشية وإجراما.. فلماذا يتجاهل سعد الدين إبراهيم هذا السياق وتلك الحقائق؟!.

Facebook Comments