كتب – هيثم العابد
كسر الدولار حاجز الجنيهات التسع وهبطت مؤشرات البورصة إلى حدود كارثية وتراجعت إيرادات قناة السويس على نحو فادح وهرب رأس المال الأجنبي من جحيم دولة العسكر وتفاقمت الأسعار بوجع متسارع وبات النيل مهددا بالجفاف، وتجمد قطاع السياحة، وأصبح القمح فى ذمة الله، إلا أن أذرع السيسي لم تلتفت إلى تتابع النكبات على رأس الانقلاب وراح يبحث أزمة أمناء الشرطة على نحو موسع، ويدرس سبل تجاوز تبعات الخلاف الحاد بين عمرو أديب ومرتضى منصور باعتبارها أكبر منغصات الدولة المنكوبة.

جوزيف جوبلز وزير الدعاية فى دولة هتلر ورائد تزييف الوعي العام، ومجدد علوم الحرب النفسية، لم يكن يتخيل أن شعاره التاريخي "واصل الكذب حتى يصدقك الناس"، سينطبق على هذا النحو الفج والركيك فى دولة العسكر، بعدما أبدع رجل النازي فى أربعينيات القرن الماضي فى الترويج لكذب ممنهج وتضليل مبرمج يمرر الأباطيل للشعب على نحو دقيق ويزييف الوعي بصورة حرفية.

إلا أن أذرع السيسي اتبعت ذات المنهج الرائد فى تشتيت الانتباه وتزييف الوعي.. ولكن مع الاستثمار فى غباء المنبطحين على عتبات العسكر، فباتت الوجبة الأساسية على مائدة الانقلاب تتجسد فى تطورات الصراع المحموم بين نائب برلمان الدم مرتضي منصور والإعلامي المثير للجدل عمرو أديب، وفى الخلفية ضجيج توفيق عكاشة فى هزلية منعه من الكلمة فى مجلس الطراطير، والحدث الأبرز فنكوش جمهورية حاتم وصداع تحجيم أمناء الشرطة.

وأمام هذا الضجيج الفج تختفي نكبات الوطن وتتوارى كوارث العسكر.. ويغيب عن المشهد فشل السيسي وعصابته فى كافة مناحي الحياة، حتى باتت مصر لا تجد منافسا لها فى قاع المؤشرات العالمية، وتحولت من أضحوكة العالم إلى مثار للشفقة والتباكي على وقع دولة المجانين التى تعاقب أطفالها الرضع بالمؤبد.

مجلس النواب الهزلي ترك كافة الأزمات التى تحاصر الدولة، وتوفقت بين جدرانه الحياة من أجل الاستماع إلى مرتضى منصور، خلال جلسة المجلس الصباحية اليوم الثلاثاء، لإعلان رفضه ما أثير ببرنامج "القاهرة اليوم" لـ أديب، مشددا على أنه أعد بيانا عاجلا لرئيس الوزراء ووزير الاستثمار، لاتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف البرنامج بعد وصف الإعلامى الشعب بأنهم "كلاب"، حسب النائب الفج.

وخاطب منصور -حديثه لرئيس البرلمان الكارتوني على عبدالعال-: "شعب مصر اتشتم واتقال عليه شعب كلاب، وحضرتك تحدثت عن الصحفيين وعدم المساس بهم.. والنقابة تدافع عن كرامة أعضائها، وأسأل سؤالا للجميع: "مين موافق على وصف شعب مصر بأنه شعب كلاب؟"، إلا أن اللافت أن تلك الأزمة الشعواء تأتي بسبب رفض النائب ظهور لاعب الزمالك السابق "ميدو" على فضائية عمرو أديب.

وفى المقابل، دخل أديب فى وصلة ردح على الهواء، مؤكداً أنه لن يعيش تحت إرهاب وابتزاز رئيس الزمالك، و"قررت المواجهة وليس لدى ما أخشاه أو أخشى عليه، مرتضى واخد المجلس زيارة ومقاولة لحسابه، وأقنعهم بالكذب ومفيش توقيعات وناس توقيعاتها مزورة والبعض أنكر ذلك".

وأضاف الإعلامي المقرب من الأجهزة الأمنية: "مرتضى كلم الإدارة وهدد بإرسال ناس لتكسير الاستوديو، يا ريت يا أخى تعالى راجل لراجل وورينى نفسك، إحنا رجالة طول عمرنا رجالة وتربينا رجالة.. وعمرنا ما خوفنا.. كان غيرك أشطر.. أنت كنت تحت السرير وكنت عارف مين اللى كان بيحميك فاكر ولا لأ، المجتمع عارف بس بينافقه، مين أنت انا باخد حقى بدراعى، وعارف أخده كويس، مبخفش ومكمل للآخر.. يا أنا يا أنت فى مصر، عمرو عمره ما خاف ولا تراجع.. وحلقة ميدو هتتذاع إلا إذا أنت عملت حاجة فى ميدو.. والإخوان أشرف فى خصومتهم منك بكتير".

ومن تفاهة صراخ "منصور – أديب" إلى كرة ثلج أمناء الشرطة، حيث هدد أمناء الشرطة بمديرية أمن الشرقية، بالاعتصام بعد واقعة القبض على 7 منهم أثناء توجههم إلى القاهرة لحضور برنامج تلفزيوني، وكان أبرز المقبوض عليهم الأمين منصور أبو جبل المسؤول عن اعتصامات أفراد الشرطة بالشرقية.

وتيرة الصدام تصاعدت بين دولة السيسي وجمهورية أمناء الشرطة في ظل صراع مرير بين عناصر الانقلاب من أجل البقاء؛ حيث يرغب قائد الانقلاب في التضحية بالأمناء من أجل امتصاص غضب الشعب وتجنب ثورة غضب تلوح في الأفق للبقاء في السلطة لأطول فترة ممكنة، بينما يرفض "حاتم" وشركاه أن يصبحوا من جديد كبش فداء للعسكر بعد كل الأعمال القذرة التي قاموا بها لخدمة العسكر.

وتفاقمت الأزمة مع رفض أمناء الشرطة قرار السيسي إعادتهم إلى حظيرة المحاكمات العسكرية، فألقت مليشيات الداخلية، القبض على رئيس ائتلاف أمناء الشرطة و6 أمناء مرافقين له أمام بوابة مدينة الإنتاج الإعلامي، لمنعهم من الظهور في أحد البرامج التليفزيونية والحيلولة دون تصريحات منفلتة قد تحرج النظام القمعي، وعلى الفور أخرج عناصر الداخلية لائحة الاتهامات المعلَّبة لاختيار الأنسب من بينها لضرب أي تحرج عدائي من جانب الأمناء؛ حيث وجهت إلى المعتقلين الـ7 من أفراد الشرطة تهم الدعوة إلى التظاهر بما يخالف القانون ومعاداة وزارة الداخلية، ليكتوي الأمناء بذات النار التي أحرقوا بها الثوار.

وقال الأمين محمود مختار -شقيق الأمين إسماعيل مختار، أحد الأمناء المقبوض عليهم-: إنه سوف يتوجه باكرًا إلى ديوان عام مديرية أمن الشرقية، هو وعدد من زملائه لتنظيم اعتصام حتى الإفراج عن الأمناء المقبوض عليهم، وهددوا بفضح المستور فى أروقة الوزارة القمعية والكشف عن آلية تلفيق الاتهامات وحملات المداهمات على منازل مناهضي السيسي.

واستنكرت صفحة "أمناء مصر" القبض على عدد من الأمناء –في منشور على صفحتها على موقع فيس بوك-: "تلفيق تهم مخدرات وسلاح لأمناء الشرطة لعبة خسيسة"، مضيفة "يمكن للضباط أن يمارسوها مع الإخوان وليس معنا"، إلا أنه عقب نشر "البوست" بدقائق تمت إزالته، بل تم وقف الصفحة تمامًا؛ حيث أعلن المركز الإعلامي لوزارة داخلية الانقلاب إغلاق صفحة "أمناء مصر"، وأنه "وسوف يتم محاسبة المسئولين عن إنشاء هذه الصفحة".

وكان السيسي قد أشعل غضب الأمناء بقرار إعادة الشرطة إلى حظيرة المحاكمات العسكرية، بعد جلسة قصيرة مع وزير داخلية الدم مجدي عبدالغفار، لإقرار خضوع الملحقين بهيئة الشرطة للمحاكمات العسكرية في حال ارتكابهم جرائم تتعلق بوظيفتهم، في محاولة لتحجيم انتهاك المليشيات لا وقفها نهائيًّا، مع تعديل نص الفقرة الثانية للمادة "94" من قانون هيئة الشرطة التي تنص على تحديد وزير الداخلية بعد أخذ رأي المجلس الأعلى للشرطة جهات وزارة الداخلية التي تكون لها الاختصاصات المقررة بالنسبة لهم في قوانين القوات المسلحة، كما يحدد ما يسند إليهم من مهام وأعمال.

وأعاد قائد الانقلاب توغل العسكر على الجهاز الأمني وأصدر قرارًا جمهوريًّا بقانون -متجاهلاً برلمان الأراجوزات- لتعديل بعض أحكام قانون هيئة الشرطة الصادر بالقانون رقم 109 لسنة 1971 استهدف فيه استحداث فئة جديدة ضمن أعضاء هيئة الشرطة بمسمى "معاون أمن"، يتم تعيينهم وتأهيلهم وفقًا لأسس ومعايير خاصة للااستفادة من حملة الشهادة الإعدادية يكون لهم صفة الضبطية القضائية، كما سيسري عليهم ذات القواعد الخاصة بأفراد هيئة الشرطة عدا بعض القواعد، ومن بينها قواعد الترقي ومدة الدراسة والتأهيل ومدة الترقية، ومع وضع حد فاصل بين أمين الشرطة والمواطن يتمثل في معاون الأمن كأول حواجز الشرطة في مواجهة الشعب.

وجاء قرار السيسي رقم 130 لسنة 2014 بتعديل الفقرة الثانية من المادة الـ94 من قانون هيئة الشرطة 109 لسنة 1972، نص على "يختص القضاء العسكري، دون غيره، بالفصل في كل الجرائم التي تقع من المجندين الملحقين بخدمة هيئة الشرطة"، ووفقًا للجريدة الرسمية كانت الفقرة الثانية من المادة قبل التعديل تنص على "يحدد وزير الداخلية بعد أخذ رأي المجلس الأعلى للشرطة جهات وزارة الداخلية".

واعتبر محللون أن النظام المصري يستخدم لعبة الإلهاء الإعلامي لصرف انتباه المواطنين عن الأزمات المعيشية الطاحنة، مؤكدين أن البعض يستسلمون لتلك السياسة لأنهم مؤهلون للخداع؛ حيث يعمد بين الحين والآخر وبشكل متكرر، لإبراز قضية مثيرة للجدل على الساحة المصرية أو تصريح يخالف كل القيم والأعراف، وهو ما يرى فيه محللون خطة لإلهاء المصريين عن الأزمات التي تعيشها بلادهم منذ انقلاب 3 يوليو.

وأوضح محللون -حسب شبكة "الجزيرة الإخبارية"- أن هذه الحيلة تمارسها السلطة حالياً لتخفي فشلها الفادح عبر تصدير الأخبار اللافتة والغريبة والمثيرة للجدل، مثل انضمام الراقصة سما المصري إلى حملة "أخلاقنا"، أو فتوى للشيخ علي جمعة تقول بأنه "قد مات شهيدا، من مات فداء للمحبوب".

ونقلت عن المفكر الأمريكي الشهير نعوم تشومسكي عن الإستراتيجيات العشر لخداع الجماهير، تصدرها الإلهاء الذي أوضح أنه "يتم بواسطة طوفان مستمر من الترفيه والأخبار غير المجدية"، مضيفا أن "إستراتيجية الإلهاء هي أيضا لازمة لمنع اهتمام الجمهور بالمعارف الأساسية، والحفاظ عليه منشغلا دون أدنى وقت للتفكير"، وهو الأمر الذى اعتبرت معه جمعية حماية المشاهدين والمستمعين والقراء المصرية أن عام 2015 هو "عام إعلام الفضائح والتضليل الإعلامي، وهو ما أدى إلى تراجع معدلات مشاهدة الفضائيات، وانخفاض توزيع الصحف".

المحلل والخبير النفسي أحمد عبدالله -فى تصريحات لـ"الجزيرة"- اعتبر أن السلطة تسعى في البداية إلى صياغة العقليات لتكون قابلة للإلهاء تماما، مثل القابلية للاستعمار، موضحا أن الشعوب بشكل عام والعربية بشكل خاص لديها هذه القابلية، ويتجلى ذلك في بروز حدث بحملة كبيرة ثم ما يلبث أن يختفي، ويرى أن طريقة التعليم تجعل قابلية الطلاب للتشوش عالية، كما أن معرفة غالبية المصريين سطحية، وهو ما يظهر في النقاشات العامة، ومن ثم يصبح من السهل إلقاء أي معلومة بهدف الإلهاء.

Facebook Comments