كتب سيد توكل:

على امتداد الصراع الإسلامي الصهيوني في فلسطين المحتلة، ظهرت أيقونات مدت المقاومة بالنفس الطويل رغم انها الطرف الأضعف، أمام المساعدات الهائلة التي يتلقاها الاحتلال الصهيوني شرقا وغربا، من ضمن تلك الايقونات مشهد الطفل "محمد الدرة" الذي لم يبلغ عامه الخامس عشر، وهو يحتمي بوالده من الرصاص، ذلك المشهد الذي أحرج ضمير العالم، حتى ان الكيان الصهيوني بادر بتبريره ومحاولة طمس معالمه.

واليوم دماء الشهيد الطفل محمد الدرة وجدت طرف ثالث لا هو "يهودي" وان كان اشد عداوة من اليهود، ولا هو مستفيد ببقاء فلسطين محتلة، وان كان الاحتلال يضمن له التمويل الصهيوني السخي، عن طريق بقاء النظام العسكري الانقلابي في مصر.

المشهد المعقد عبرت عنه صحيفة "الوطن" إحدى أذرع الانقلاب والقريبة من المخابرات الحربية، عندما هاجمت الطفل الشهيد محاولة ان تجد اي ثغرة تنفذ من خلالها الى سنوات مضت، وتصل الى اليوم والساعة التي كان يصرخ فيها الطفل بين احضان والده تحت ازيز الرصاص.

مات الولا
شككت "الوطن" في مقتل الدرة، والتي بالطبع لا يعبر اسمها عن الوطن المصري، بل عن ذلك الصهيوني الذي جاء من اصقاع الأرض يبحث عن وطن للغير يسرقه ويزعم انه ارض الميعاد التي بشرت بها التوراة بني اسرائيل.

قالت "الوطن" الناطقة بلسان سلطات الانقلاب:" ستة عشر عاما مرت وجيل كامل يعتقد أن الشهيد محمد الدرة كان ذاهبا لمدرسته وحاملا لألوانه وحالما بحصانه حسبما جاء في أوبريت العدل، لكنها ليست هذه الحقيقة".

في الظاهر كانت "الوطن" تعترض على الأوبريت، الذي انتجه "العدل" من حوالي 16 عاماً، وشارك فيه ما يزيد على 35 فنانا مصريا من أجيال مختلفة حينها، لكن الباطن وفي التفاصيل كان اعتراض "الوطن" على تحول "الدرة" إلى ايقونة سواء كان ذاهبا للدراسة أو مع والده لشراء سيارة، والسؤال لـ"تحرير" الوطن : هل كان الأمر سيختلف لو قتل الدرة على أسوار مدرسة؟

التيار السيساوي الداعم للمحتل الصهيوني، والذي جاء بانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي ودعمته تل أبيب، في 30 يونيو 2013 ضد ثورة 25 يناير، لماذا يفضح صهيونيته هذا التيار ويعارض ويصطدم بكل معاني التقدير للشعب الفلسطيني، المناضل لنيل حقوقه من براثن الاحتلال، سواء خلال انتفاضة الأقصى أو قبلها بعقود وحتى الآن.

صهيونية الـ"وطن"!
تلك الصهيونية مستمدة من صهيونية السفيه قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، الذي لا يخجل في أن يؤكد على أنه جاء لحماية امن وأمان "اسرائيل"، ومؤخرا قالها بالفم المليان في خطابه امام شعوب العالم في الامم المتحدة أنه يسعى إلى الحفاظ على أمن وأمان المواطن الإسرائيلي.. وكررها مرتين!

وحتى لا تنس صحيفة "الوطن" الصهيوسيساوية، فإن الطفل الشهيد محمد جمال الدرة كان خارجاً مع أبيه في شارع صلاح الدين بين نتساريم وغزة، ودخلا منطقة فيها إطلاق نار عشوائى، فقام الأب بالاحتماء مع ابنه، خلف برميل، واستمر إطلاق النار ناحية الأب وابنه، وحاول الأب الإشارة إلى مطلقى النار بالتوقف، لكن إطلاق النار استمر وحاول الأب حماية ابنه ولكنه لم يستطع وأصابت عدة رصاصات جسم الأب والابن، وسقط محمد الدرة شهيدا برصاص الصهاينة في مثل هذا اليوم ٣٠ سبتمبر ٢٠٠٠ في مشهد حى نقلته عدسة مصور وكالة الأنباء الفرنسية لجميع العالم.

ولو شاء الله وعاش الطفل لكان وصل عمره الآن 29 عامًا، إلا أنا طلقات الجنود الإسرائيليين اصطادته قبل 17 عامًا، على مشاهد ومسامع العالم بأسره، فانطلق صراخ الأب : "مات الولد مات" بعد أن حاول حمايته بجسده خلف برميل إسمنتي متهالك من مطر الرصاص.

وقد أثار إعدام الدرّة مشاعر غضب الشعب الفلسطيني، وهو ما دفعه للخروج في مظاهرات غاضبة تحوّلت إلى مواجهات عنيفة مع الجيش الصهيوني في مناطق عدّة، كذلك خرجت العديد من التظاهرات تطالب بوقف الإجرام الصهيوني.

وتتجاهل أسرة تحرير صحيفة "الوطن" الصهيونية أن الأب حاول يائسًا أن يحمي ابنه بكل قواه، لكن الرصاص اخترق يد الوالد اليمنى، ثم أصيب محمد بأول طلقة في رجله اليمنى وصرخ: "أصابوني"، ليفاجأ الأب بعد ذلك بخروج الرصاص من ظهر ابنه الصغير محمد، الذي ردد: "اطمئن يا أبي أنا بخير لا تخف منهم"، قبل أن يرقد الصبي شهيدًا على ساق أبيه، في مشهد أبكى البشرية وهز ضمائر الإنسانية.

جمال الدرة من مواليد 1966، عاش مع زوجته أمل وأطفالهما السبعة في مخيم البريج للاجئين الذي تديره الأونروا في قطاع غزة، وكان جمال نجارًا ومصممًا للمنازل وبعد استشهاد ابنه بأكثر من عامين، رزقا ولدًا آخر، أطلقا عليه اسم محمد أيضًا تيمّنًا بأخيه.. فمع من تقف صحيفة "الوطن" ومع من هواها؟

Facebook Comments