انقلب عسكر تركيا في مثل أمس، في 27 مايو 1960 على رئيس الوزراء التركي علي عدنان إرتكين مندريس المعروف باسم عدنان مندريس، وهو في سن قريب من سن الدكتور محمد مرسي لدى الانقلاب عليه أيضا من عسكر مصر 61 عاما.

ولكن عسكر تركيا أعدموا مندريس رغم حكمه الذي استمر لعشر سنوات بين 1950-60، بعد نحو عام وثلاثة أشهر من الانقلاب، وتحديدا في 17 سبتمبر 1961، ومن غدر العسكر في مصر أنه لم يستطع البوح بإعدام مرسي فقتله غيلة في 17 يونيو 2019.

إلا أن أوجه التشابه بين التجربتين المصرية 2013، والتركية 1960، هو أن “مندريس” كان من مؤسسي حزب الديمقراطية رابع حزب معارض ينشأ بصفة قانونية في تركيا في عام 1946، وهو أول زعيم سياسي منتخب ديمقراطيا في تاريخ تركيا، كما هو حال الرئيس الشهيد د.محمد مرسي أول رئيس منتخب في تاريخ مصر. واللذان أُزيحا عن السلطة بانقلاب عسكري.

 

النزعة الإسلامية

كرر السيسي وعصابة الانقلاب لا سيما الدبلوماسيون منهم أن مشكلة الرئيس مرسي لم تكن في الكهرباء والوقود بل كانت في رؤيته الإسلامية لحل المشكلات في مصر، ومقابله، قال الكاتب بشير نافع في مقال منشور له بموقع “ترك برس”  إن “حكومة مندريس هي أول من بدأ الاحتفال بانتصار ملاذكرد في الخمسينيات.

مضيفا أنه بعد إعدامه بقليل، في نهاية الستينيات، بادر تيار الضمير الوطني (مللي غروش)، أو ما يوصف أحيانًا بالتيار الإسلامي السياسي التركي، بالاحتفال بذكرى فتح القسطنطينية في 29 مايو 1453.

ووصف “نافع” مندريس بأنه الأب الشرعي للتيار السياسي المحافظ في تركيا والذي بدأ مشروع مصالحة الدولة مع شعبها، ومصالحة الأمة مع ذاكرتها وتاريخها الطويل.

 

الخبرة التركية

واشار الكاتب الصحفي قطب العربي في مقال له نشرته “بوابة الحرية والعدالة” إلى أنه في غالبية الانقلابات التركية كانت الحجة هي مواجهة تنامي الظاهرة الإسلامية التي تمثل خطرا على العلمانية، وفي كل مرة كان أتباع هذا التوجه الإسلامي يزدادون عددا.

وأضاف أن الخبرة التركية مع الانقلابات مهمة للمصريين، حيث عانت تركيا من 4 انقلابات عسكرية منذ العام 1960 اختتمت بمحاولة انقلابية فاشلة منتصف يوليو 2016، ولكنها استطاعت التعامل مع تلك الانقلابات، ونجحت في النهاية في تطويع العسكر للحكم المدني، وظهر ذلك جليا بشكل رمزي في مشهد ترسيم الرئيس أردوغان حيث انتقل الجنرالات من الصف الأول إلى صفوف خلفية.

وأشار العربي إلى أن الانقلاب الأول ضد رئيس الوزراء المنتخب عدنان مندريس سنة 1960، إنتهى إلى إعدامه، وكان الانقلاب الثاني ضد حكومة سليمان ديمريل عام 1971 عبر مذكرة طالبه فيها الجيش بالتنحي، ثم انقلاب الجنرال كنعان إيفرين عام 1980، والانقلاب الأبيض على حكومة رئيس الوزراء الأسبق نجم الدين أربكان عام 1997، وأخيرا محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو تموز 2016.

 

الذكرى والعبرة

وأشارت تقارير إلى أن ذكرى الانقلاب على مندريس ثم إعدامه ثم خروج تركيا من ربقة الانقلاب، فيه من العبرة للتجارب الشعبية في مواجهة حكم العسكر.

فمندريس الذي أعلن تقاربه مع العرب ضد الاحتلال الصهيوني، وفرض الرقابة على البضائع والأدوية المستوردة التي تصنع في الاحتلال، وطرد سفيرهم في 1956، استدعى موقفه قيامة القوى الغربية، كما أقامهم مجددا الرئيس مرسي بندائيه “لن نترك غزة وحدها” و”لبيك يا سوريا” .

ويبدو أن الظروف والتفاصيل والأسباب والنتائج، تكشف وحدة سلوك الانقلاب والتصفية الجسدية ديدن الحكم العسكري الذي لا حجة له إلا اغتصاب القوة من قبل عصابة المنتفعين في الجيش.

محاكمة مندريس وعشرات آخرين استمرت عاما، قتل فيها عشرة أشخاص تحت التعذيب، وانتحر واحد لسوء المعاملة، وصولا لإذعان الشعب رغم عدم موافقته على إعدام “مندريس”، ولكنه فضل الصمت على تعليق رئيس وزراء ذي شعبية واسعة على حبل المشنقة، لزيارته البيت الحرام في مكة سرا ودفاعه عن برنامجه الانتخابي ورفع الآذان بالعربية.

ومن تشابه الأحداث مع الانقلاب على الرئيس مرسي قفز العسكر أسوة بذلك على الخطوات التي اتفق عليها مع العلمانيين بالخيارات الدموية ففي 15 سبتمبر 1961، وهو اليوم المفترض للمرافعة الأخيرة للدفاع عن عدنان مندريس، فوجئ الجميع بإلغاء المرافعة وإصدار الجنرال جمال جورسل، حكما بالإعدام بحق مندريس و15 آخرين، وأحكاما على إمالي 590 متهما،  وشُنق في عام 1961 هو وفطين زورلو وحسين بلكثاني وسُجن الرئيس جلال بيار والحكومة وأعضاء الحزب، وفرض الجيش على القاضي أحكام الإعدام وإلا سيحاكم هو مع المتهمين.

لم يكن مندريس يعلم بالحكم حين كتب في يومياته داخل السجن “ليتني لم أترك مدينتي آيدين، وليتني لم أعمل في السياسة، لئن خرجت من هنا لأذهبن إليها وأترك السياسة، وأجلس تحت أشجارها وأقطف من ثمارها”.

 

قصة متكررة

عندما خاض مندريس الانتخابات البرلمانية في تركيا لعام 1950 مرشحًا عن الحزب الديمقراطي كان برنامجه: عودة رفع الأذان في المساجد باللغة العربية، السماح للأتراك بالحج إلى بيت الله، إعادة تدريس الدين في المدارس النظامية، وإنشاء أخرى للخطباء والأئمة، وإلغاء تدخل الدولة في لباس المرأة.

فاختاره الشعب وفاز حزبه بثلاثمائة وثمانية عشر مقعدًا في البرلمان، بمقابل اثنين وثلاثين مقعدًا لحزب أتاتورك، فرأس مندريس الحكومة، ورأس الدولة رئيس الحزب جلال بايار.

بدأ بتنفيذ برنامجه الانتخابي في الجلسة الأولى للبرلمان، وكان في غرة شهر رمضان الفضيل، فأُقِر رفع الأذان باللغة العربية، وحرية اللباس، وحرية تدريس الدين، وبدأ بتعمير المساجد.

وفي انتخابات 1954 ارتفع عدد مقاعد حزب مندريس وانخفض تمثيل حزب أتاتورك إلى أربع وعشرين مقعدًا فقط، فشرع بتعليم اللغة العربية، وقراءة القرآن وتدريسه في جميع المدارس الثانوية، وفتح خمسًا وعشرين ألف مدرسة لتحفيظ القرآن، وأنشأ اثني وعشرين معهدًا لتخريج الخطباء والوعاظ والأئمة وأساتذة الدين، وسمح بإصدار المجلات والكتب التي تدعو للتمسك بالإسلام، ثم أخلى المساجد التي كانت حكومة أتاتورك تستخدمها مخازن للحبوب وأعادها أماكن للعبادة، وبنى عشرة آلاف مسجد.

Facebook Comments