تحليل خطاب أردوغان الثاني عن خاشقجي.. “استجواب جنائي وسياسي” لبن سلمان

- ‎فيتقارير

تصعيد تركي مقابل غزل سعودي

خطاب أردوغان يبدو كتصعيد تركي مقابل غزل سعودي، ربما بعدما استشعر محاولات سعودية لتبريد القضية وغلقها على ذلك، لذلك جاءت دلالات أحدث رسائل أردوغان للسعودية صادمة وتبين خطورة مأزق الرياض في ضوء وجود المزيد من الوثائق والأدلة لدى تركيا لم تعلن بعد.

ويري مراقبون سعوديون معارضون أن خطاب أردوغان رفع مستوى لغة التهديد، وقلل المداراة، وصاغ الخطاب بصيغة تحقيق مع النظام السعودي، وكأنه يجري استجوابًا علنيًا لنظام كامل في أسئلة محددة موجهة للنظام، والتلويح بالمزيد إن لم يتعاون النظام السعودي.

ويقول الباحث والخبير السعودي المعارض “محمد الأحمد”: “يبدو أن أردوغان استفاد من تودد ابن سلمان لتركيا ومحاولة تزكيته شخصيًا، فكأنه يقول: “ما دمت تزكيني وتثق بتقديري وراضٍ عن طريقتي في التحقيق ومتابعة القضية، فأنت ملزم بالتعامل مع ما سأقوله حتى لو لم يرق لك ذلك، ولا يسع ابن سلمان بعد كلامه التصالحي مع تركيا أن يرفض هذه اللغة”.

ويضيف: “إشارة اردوغان أنه أشرك عدة حكومات معنية بالأمر بما حصلت عليه تركيا، كان رسالة واضحة لابن سلمان أن دولاً كثيرة عمومًا وأمريكا خصوصًا صارت تعرف التفاصيل، ولذا، فعلى ابن سلمان أن لا يتجرأ بمزيد من الكذب بعد سلسلة الروايات التي صدرت عنه، والتي يكذب بعضها بعضًا”.

أما رسالة اردوغان الثالثة فجاءت في التساؤل عن مكان الجثة، وكانت بلغة المحقق الذي يستجوب المتهم الذي اعترف بالجريمة ولم يعترف بكامل تفاصيلها، ولم يستخدم (أردوغان) لغة العموم في المطالبة بمكان الجثة، بل وجّه السؤال للنظام السعودي بصفته اعترف بالقتل، فلا بد أن يعرف مكان الجثة وهو طلب منطقي سيشكل ضغطًا ثقيلاً على ابن سلمان.

وحين طالب اردوغان السعودية بالدلالة على المتعاون التركي الذي تعامل مع الجثة، صاغها في رسالة الاستجواب التركي الرابعة وكأنه يقول “إنكم كذابون وسوف تُكشف كذبتكم، ولن نترك هذا الموضوع حتى نفضحكم”.

بعبارة أخرى يخبرهم أنه يعلم أنهم هم الذين تعاملوا مع الجثة، وربما تكون بعض أجزائها أو كلها في السعودية.

من الذي أمرهم بالقتل؟

وحين تحدث أردوغان عن الذين اعترفت السعودية بمسئوليتهم المباشرة عن القتل وهم الثمانية عشر، كان طلبه قاسيًا ومهينًا لابن سلمان الذي لا يستطيع أن يعترض عليه، لأنه منطقي ومبرر، وجاء في الوقت الصحيح، سواء بعد اعتراف ابن سلمان بمسئوليتهم عن القتل أو بعد زعمه الاستعداد للتعاون في التحقيق.

وحدد أردوغان بوضوح السؤال المهم والخامس الذي يجب أن تُنتزع إجابته من الثمانية عشر، وهو: “من الذي وجّه لهم الأمر (بالقتل)؟ وكان واضحًا وصريحًا أن الأمر لم ينطلق منهم، بل من جهة عليا يجب معرفتها من خلال استجوابهم بشكل مباشر، وهذه رسالة أخرى من أردوغان لابن سلمان أن لا مفر لك من الاعتراف بالمسئولية.

وأشار أردوغان إلى مزيد من المعلومات التي بحوزة تركيا وستُعلن في وقتها المناسب، وذلك حين استخدم عبارة “غدًا لناظره قريب” فهذه الإشارة كانت حصارًا نفسيًا لابن سلمان ألا يُقدم على مزيد من التأليفات الكاذبة لأن ما في جعبة تركيا ستفضح أي رواية ليس فيها اعتراف بمسؤوليته شخصيا عن الحادثة.

باختصار، كان خطاب أردوغان بمثابة رسالة للعالم أن السعودية تكذب، وأن المسئول الأول هو صاحب القرار في السعودية حاليًا وهو ابن سلمان، بل إن أردوغان استخدم عبارة قريبة من هذا المعنى حين قال إن السعودية لن تفلت من قضية خاشقجي، وكأنه يخاطب ابن سلمان قائلاً ثبتت عليك التهمة فلا تتهرب، بحسب تفسيرات الخبير السعودي.

رسائل خطاب أردوغان الأول

وكان أردوغان قد وجه سلسلة رسائل في خطابه الأول للقيادة السعودية جاءت بطريقة هادئة ومحرجة ليستدرجهم للاعتراف، فما اعترفوا عقب خطابه في سلسلة تصريحات نسبت للنائب العام السعودي، ولكنه استشعر محاولة للتهرب من المسئولية عاد ليطرح استجوابه هذه المرة على القيادة السعودية نفسها.

ورصد المراقبون سبع إشارات في خطاب أردوغان تحمل ابن سلمان المسئولية، ولكنه لم يصرح بها؟

فقد حمّل أردوغان المسئولية لابن سلمان دون أن يسميه بهذه الإشارات الذكية، ورمى الكرة في ملعب السعودية، وجعلها تحت طائلة الملاحقة.

وقد يكون من أسباب عدم الاستعجال بتسمية ابن سلمان، رغبته في إبقاء القضية ساخنة حتى لا تحترق دفعة واحدة بتسميته.

ويمكن رصد هذه الاشارات السبعة على النحو التالي:

أولاً: قال إنه لا يقبل تحميل المسؤولية للقنصل ولرجال الأمن المنفذين، ولا بد من تتبع سلم المسؤولية إلى أعلاه، فكأنما يقول إن المسؤول عن العملية هو صاحب القرار في الدولة وهو ابن سلمان، وليس القحطاني وعسيري ومطرب.

ثانيًا: قال إن القتل نفسه مخطط له مسبقًا وليس نتيجة شجار عابر، فكأنه يقول إن الرواية الرسمية ملفقة، وبما أن المسؤول عن الرواية الرسمية هو ابن سلمان، فكأنه يتهمه شخصيًا بتلفيق القصة لتبرئة نفسه.

ثالثًا: تساءل عن سبب تأخير الإذن بتفتيش القنصلية ثمانية عشر يومًا، فكأنه يقول لو لم يكن صاحب القرار قلقًا من تفتيش القنصلية، لسمح بها من أول يوم لأن ليس لديه ما يخشاه، ولكن الذي يأذن ليس القنصل ولا السفير، بل زعيم الدولة والذي هو ابن سلمان.

رابعًا: تساءل عن سبب رفض الدلالة على مكان الجثة حتى الآن، وكأنه يقول إنه لو كان القاتل يتصرف من نفسه دون أذن مسؤول كبير، لتمكن المسؤول الكبير الذي هو ابن سلمان من الدلالة على الجثة.

خامسًا: أصر أردوغان على محاكمة الثمانية عشر في تركيا، وكأنه يقول أنه لا يثق بمحاكمتهم في السعودية، وأنه لا بد من انتزاع المعلومات منهم بما يدل على مسؤولية من فوقهم وهو ابن سلمان.

سادسًا: مطالبته بلجنة تحقيق دولية يعني أنه يتهم قيادة السعودية (ابن سلمان) أنها لن تسلم ما لديها من معلومات، ولن تعلنها من ذاتها، وأنه لا بد من إجبارها على تسليم هذه المعلومات عن طريق تحكيم دولي، وهو ما يعني مرة أخرى تحميل ابن سلمان المسؤولية.

سابعًا: قال اردوغان أنه يحسن الظن بالملك سلمان لكنه تحاشي ذكر ابن سلمان، وكأنه يقول “إشاراتي السابقة وتجاهلي لابن سلمان معناه أنه لا يمكن لي أن أُحسن الظن بقاتل ومسؤول عن مثل هذه العملية”.

ويبدو أن اردوغان لا يزال لم يصرح بتحميل المسؤولية لابن سلمان، ربما لأن الأدلة لا تزال استخباراتية تجسسيه ولم تصل للمستوى القانوني بعد، وربما لأنه يعطي فرصة للملك لعزل نجله الذي يعلم دوره مع محمد بن زايد في دعم انقلاب 2016 ضده، ولذلك حمل خطابه كل الإشارات التي تدل على أنه يحمّل ابن سلمان المسؤولية.

خلاصة ما يجري هو أن عملية اغتيال جمال خاشقجي وتداعياتها قد تكون فرصة لإعادة تشكيل شرق أوسط أفضل تقوده تركيا وقوى الربيع العربي وتنتصر فيه إرادة الشعوب ويتحقق الاستقرار المفقود وتتضاءل فيه فرص الاستبداد وتتقزم قوى الثورة المضادة، وأن تحركات اردوغان الهادئة في هذا الصدد ما هي سوي طبخ لهذه الخارطة الجديدة بهدوء.