قبل اعتقاله، كان د. محمود غزلان من أبرز الأصوات التي عبّرت مبكراً عن مخاطر الانقلاب العسكري، ودافع بوضوح عن السلمية ورفض العنف، مؤكداً أن الإخوان “دعوة سلمية لا تستخدم العنف مهما نالها من أذى”، كما انتقد محاولات الزج بالمؤسسة العسكرية في الصراع السياسي، مؤكداً أن الجيش “جيش الشعب” وأن إقحامه في الخلافات السياسية “محاولة فاشلة”.
وكان الدكتور محمود غزلان من أوائل من عبّرت مواقفه وتصريحاته عن رؤية مبكرة للانقلاب العسكري، ففي 10 يونيو 2013 قال: "الرجال مبادئ ومواقف، والمحن هي التي تكشف المعادن مهما حاول أصحابها التستر عليها، ومهما تكن عند امرئ من خليقة… وإن خالها تُخفى على الناس تُعلم، وغداً يعلم الحقيقة قومي… ليس شيء على الشعوب بسر".
وفي الوقت نفسه عبر عن تحفظه على تدخل الجيش في الحياة السياسية، وقال: إن "الزج بها في خلاف سياسي حول إدارة شئون البلاد أمر غير مقبول، فلن يدخل الشعب أو أية قوة من قواه الوطنية في مواجهة مع الجيش، فالجيش هو جيش الشعب و أفراده هم أبناء الشعب، ودوره هو حماية الوطن، ومن ثم فأي محاولة لإقحامه في الخلاف السياسي، إنما هي محاولة فاشلة .".
وفي 30 مارس 2012، سجل على حسابه وهو المتحدث باسم الإخوان المسلمين: "تساؤل أدمن صفحة المجلس العسكري أمس عن وجود جناح مسلح للإخوان المسلمين هو تساؤل مريب، والمعلوم للكافة أن الإخوان دعوة سلمية لا تستخدم العنف ولا الإرهاب مهما نالها من أذى السلطات والإعلام والخصوم…".
وفي الوقت نفسه، عبر عن تحفظه على تدخل الجيش في الحياة السياسية وقال: إن "تعبيرات المؤسسة العسكرية والقوات المسلحة والعسكرية المصرية مرات عديدة في بيانات المجلس العسكري، هدفها الاحتماء بمؤسسة نكن لها كل الحب والتقدير والوفاء، والزج بها في خلاف سياسي حول إدارة شئون البلاد أمر غير مقبول…".
وفي 19 أبريل 2012، أكد د. محمود غزلان – المتحدث الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين حينئذ – أن الجميع لاحظ وجود رغبة واضحة في القفز على الثورة عن طريق إعادة إنتاج النظام البائد، وأضاف أن استدعاء عمر سليمان كان مؤشراً خطيراً، وأن البرلمان أعد قانوناً لمنع ترشح الفلول.
وأبدى أسفه من تأخر المجلس العسكري في اعتماد القانون، معتبراً ذلك انحيازاً للفلول، وتوقع أن تكون مليونية 20 أبريل أكبر من سابقتها، مؤكداً شعور الشعب بأن الثورة تُسرق منه.
وطالب المجلس العسكري بتسليم السلطة في موعدها، محذراً من بقائه بعد 30 يونيو، ومشيراً إلى استعداد الجميع للنزول والاعتصام.
قلق على صحته
تشهد الأيام الأخيرة تصاعداً لافتاً في القلق على صحته وحول مصيره وهو في (79 عاماً)، وعمل أستاذا للكيمياء بكلية الزراعة – جامعة الزقازيق، مشرفاً على عشرات الرسائل العلمية، وعضواً في لجنة صياغة الدستور والمجلس القومي لحقوق الإنسان، كما كان عضو مكتب الإرشاد السابق والمتحدث الرسمي الأسبق لجماعة الإخوان المسلمين، بعد سنوات طويلة من الاعتقال التعسفي والتنكيل الممنهج به وبأسرته وسط مخاوف جدية على حياته.
واعتُقل د. غزلان في 2 يونيو 2015 بمحافظة الجيزة عقب فترة من الاختفاء القسري، على خلفية قضية “غرفة عمليات رابعة”، قبل نقله مباشرة إلى سجن العقرب شديد الحراسة ثم إلى سجن بدر، وبعد اعتقاله بوقت قصير، في أغسطس 2015، نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريراً عن اعتقالات جماعة الإخوان المسلمين، ورأت أن اعتقال د. محمود غزلان جاء بعد نشره بياناً يعلن فيه تمسك الجماعة بالسلمية إثر تصاعد دعوات العنف الصادرة من شباب الجماعة.
انتهاكات للعام ال11
ومنذ ذلك الحين، يعاني من إهمال طبي متعمد ومنع للزيارات لفترات ممتدة، ما أدى إلى تدهور خطير في حالته الصحية، ولم تقتصر الانتهاكات على اعتقاله فقط، إذ تشير مصادر إلى أن السلطات قامت باعتقال عدد من أبنائه، وهم ياسر ويحيى وأنس، ضمن سلسلة من الضغوط التي طالت الأسرة بأكملها، وفي عام 2022، أصدرت جهات التحقيق قرارات بالتحفظ على أموال زوجته فاطمة الشاطر (شقيقة المهندس خيرت الشاطر نائب المرشد العام)، إضافة إلى أموال ستة من أبنائه : يحيى، أنس، هاجر، محمد، ياسر، وعبد الرحمن، في إجراء وصفه مراقبون بأنه نموذج للعقاب الجماعي الذي يطال العائلات بأكملها على خلفية سياسية.
وشهد يناير 2020 تدهوراً حاداً في حالته الصحية داخل سجن العقرب، وسط استمرار الإهمال الطبي، وهو الوضع نفسه الذي يواجهه حالياً في سجن بدر 3. وتؤكد أسرته أن الدكتور غزلان، الذي تجاوز السبعين، يحتاج إلى رعاية خاصة، بينما يُحتجز في زنزانة انفرادية منذ سنوات، وممنوع من الزيارة لأكثر من ستة أعوام.
إلا أنه وفي العام ذاته (2020)، أُدرج اسمه على قوائم الإرهاب ضمن القضية رقم 2210 لسنة 2014، وهو ما ضاعف من معاناته القانونية والإنسانية. كما طالت الإجراءات العقابية أسرته، إذ اعتُقل عدد من أبنائه: ياسر ويحيى وأنس، وتعرضت زوجته فاطمة الشاطر وستة من أبنائه لقرارات التحفظ على الأموال عام 2022، في خطوة وصفها حقوقيون بأنها عقاب جماعي.
نموذج في التعامل
وفي رسالة د. محمود غزلان إلى د. حسن نافعة، قدّم نموذجاً لمخاطبة رفاق من السياسيين والأكاديميين، بدأها في مايو 2011 بالتأكيد على احترامه للدكتور حسن نافعة وتقديره لمواقفه الوطنية، ويذكّره بأن التعاون بينهما في الحملة ضد التوريث والجمعية الوطنية للتغيير كان قائماً على مبدأ: نتعاون فيما نتفق عليه، ويعمل كل طرف بما يراه صواباً، فيما نختلف فيه دون إنكار أو هجوم.
ويشير غزلان إلى أن الإخوان حين قرروا خوض انتخابات 2010 بعد استفتاء قواعدهم، تعرّضوا لهجوم شديد بحجة مخالفة "الإجماع الوطني"، رغم أن مشاركتهم كشفت تزوير النظام وأسهمت في التعجيل بالثورة. ويأسف لأن أحداً لم يعتذر عن هذا الهجوم سوى فهمي هويدي.
ثم ينتقل إلى مقال د. نافعة الذي اتهم فيه الإخوان بالغموض والتخريب وتهديد الثورة، ويعبّر غزلان عن استغرابه من حدّة الألفاظ، مؤكداً أن علاقة الود بينهما كانت تقتضي الاستفسار قبل إصدار الأحكام.
ويشرح أسباب عدم مشاركة الإخوان في مظاهرة 27 مايو 2011، مبيناً أن الدعوة ضمت ثلاث فئات:
من يرفضون نتائج الاستفتاء ويريدون إسقاط الإعلان الدستوري وتأجيل الانتخابات.
من يسعون للصدام مع المجلس العسكري.
أصحاب المطالب الوطنية المشروعة.
ويرى أن مشاركة الإخوان كانت ستُستغل من الفئتين الأوليين لإظهار أن مطالبهم تحظى بتأييد شعبي، كما أن الإخوان لا يريدون الدخول في صدام مع الجيش الذي حمى الثورة.
ويشير إلى أن قوى أخرى قاطعت المظاهرة ولم تتعرض للهجوم، بينما صُوِّب النقد كله نحو الإخوان، وهو ما يراه ظلماً وتربصاً.
ثم يذكّر بأن الإخوان اتخذوا قرارات إيجابية لطمأنة الجميع، مثل عدم ترشيح أحد منهم للرئاسة، ووضع سقف لعدد مرشحيهم في البرلمان، مؤكداً أن ذلك نابع من رغبتهم في الشراكة لا الإقصاء.
وفيما يتعلق بتصريحات صبحي صالح حول الزواج داخل الجماعة، يوضح غزلان أنها كانت في سياق اجتماعي لا تنظيمي، وأنها مجرد تفضيل شخصي لا إلزام فيه، وأن الضجة حولها كانت مبالغاً فيها.
واختتم رسالته بدعوة إلى التهدئة، واحترام الاختلاف، وتجنب الألفاظ الجارحة، سائلاً الله التوفيق للجميع في خدمة الوطن.