فساد قطاع الكهرباء عقود الإسناد المباشر.. اتهامات بتضارب المصالح وتضخم التكاليف وغياب الرقابة

- ‎فيتقارير

يثير ملف التعاقدات والمشتريات داخل قطاع الكهرباء في مصر تساؤلات متجددة بشأن آليات إسناد المشروعات والعقود، ومدى كفاية إجراءات الرقابة على الإنفاق العام، خصوصاً في ظل ضخ استثمارات ضخمة في القطاع خلال السنوات الأخيرة.

ونطرح  في هذا التقرير الاتهامات الواسعة بوجود شبكات مصالح مرتبطة ببعض المسئولين وذويهم، واستغلال عقود الإسناد المباشر والتوريدات وأعمال الصيانة والإحلال لتحقيق مكاسب مالية، إلى جانب مزاعم بشأن تضخيم أسعار بعض المهمات والتوريدات واستخدام شركات وواجهات خارجية في عمليات الاستيراد.

 

1.3  تريليون جنيه.. حجم إنفاق يفتح باب التساؤلات

وبحسب الأرقام الواردة في التقرير، فقد بلغ حجم الأموال التي جرى ضخها في قطاع الكهرباء خلال العقد الأخير نحو 1.3 تريليون جنيه، وهو ما يجعل آليات إدارة هذه الاستثمارات والتعاقدات من الملفات ذات الأهمية بالنسبة للمال العام.

وتتركز التساؤلات المطروحة حول مدى الاعتماد على المناقصات المفتوحة مقارنة بالإسناد المباشر، ومدى وجود آليات مستقلة لمراجعة الأسعار والمواصفات الفنية، فضلاً عن إجراءات منع تضارب المصالح في الحالات التي ترتبط فيها الشركات المتعاقدة بمسئولين أو قيادات سابقة أو حالية.

ويشير التقرير إلى أن جزءاً من الإنفاق يتعلق بتوريد العدادات مسبقة الدفع وكابلات الجهد ومهمات الشبكات، إلى جانب مشروعات الإحلال والتجديد وأعمال صيانة محطات التوليد.

 

توريدات العدادات والكابلات.. مزاعم باحتكار عقود بمئات الملايين

هناك اتهامات بشأن إسناد عقود توريد للعدادات مسبقة الدفع وكابلات الجهد بقيم تتراوح بين 450 و600 مليون جنيه سنوياً، وبحصيلة يقول التقرير إنها بلغت نحو 3.5 مليار جنيه خلال خمس سنوات، كما طرح ادعاءً بشأن انخفاض العمر الافتراضي لبعض المهمات من عشر سنوات إلى نحو ثلاث سنوات، بما يؤدي ـ وفق هذا الطرح ـ إلى تكرار عمليات الاستبدال وإعادة الشراء.

ويحتاج هذا الادعاء تحديداً إلى فحص فني مستقل للمواصفات القياسية للمهمات، وعقود التوريد، وشروط الضمان، وتقارير الأعطال والاستبدال، قبل إمكان إثبات وجود تعمد في تقليل العمر التشغيلي للمعدات.

 

عقود طوارئ وإسنادات مباشرة

وتحدث التقرير  كذلك عن عقود مرتبطة بأعمال الطوارئ وأكشاك المحولات وإحلال الشبكات، وتورد أرقاماً تصل إلى 150 مليون جنيه سنوياً لبعض التوريدات، فضلاً عن مشروع لإحلال الشبكات بقيمة تقدر بنحو 850 مليون جنيه.

 يقول التقرير إن بعض هذه الأعمال جرى تنفيذها بأسعار تزيد على أسعار السوق بنحو 25%، إلى جانب مزاعم بشأن استخدام مواصفات لا تتوافق مع الجودة المطلوبة.

وهنا تبرز أهمية مقارنة الأسعار التعاقدية بأسعار السوق في توقيت إبرام العقود، وفحص كراسة الشروط والمواصفات ومحاضر لجان البت والاستلام، للتأكد مما إذا كانت فروق الأسعار تعكس اختلاف المواصفات أو ظروف التنفيذ، أم تمثل بالفعل زيادة غير مبررة.

 

شركات خارجية وفواتير الاستيراد

ومن أكثر الاتهامات خطورة في التقرير ما يتعلق بما تصفه باستخدام شركات وواجهات خارجية في عدد من الدول، من بينها بلجيكا والصين ودبي وقبرص، لتنفيذ عمليات توريد لمهمات كهربائية.

وتتضمن التقرير  أسماء شركات محددة، وتزعم وجود تضخيم في قيمة بعض الفواتير بنسبة تصل إلى 40%، وتحويل الفوارق إلى حسابات خارجية.

غير أن هذه المزاعم، إذا أريد تحويلها إلى وقائع قابلة للإثبات، تتطلب مراجعة مستندية تشمل الفواتير الأصلية، والعقود، وشهادات المنشأ، ومستندات الشحن، والقيمة الجمركية، والتحويلات البنكية، وبيانات المستفيد الحقيقي من الشركات.

كما أن الحديث عن تحويل أموال إلى حسابات في سويسرا أو جزر العذراء البريطانية يمثل اتهاماً مالياً وجنائياً بالغ الخطورة، ولا يمكن الجزم به دون مستندات مصرفية أو نتائج تحقيقات رسمية أو أحكام قضائية.

 

عمرات التوربينات.. ملف آخر تحت المجهر

ويمتد الجدل إلى أعمال صيانة وعمرات بعض محطات الكهرباء، حيث يشير التقرير إلى مشروعات في السيوف وأبو قير والمحمودية، وتزعم إسناد أعمال عمرات بمبالغ تتراوح بين 80 و120 مليون جنيه للعملية الواحدة. كما تتحدث عن زيادات بقيم 2.1 مليون دولار و1.8 مليون دولار، وعن استخدام قطع غيار مجددة بدلاً من قطع جديدة.

وتبرز هنا أهمية التقارير الفنية الخاصة بأعمال الصيانة، وسجلات قطع الغيار، وشهادات الفحص، ومحاضر الاستلام، وتقارير التشغيل بعد انتهاء العمرة، لأنها تمثل الأدوات الأساسية للتحقق من جودة الأعمال ومدى مطابقتها للعقود.

 

محاضر الاستلام والدفعات المقدمة

وتضمن التقرير اتهامات بشأن توقيع محاضر استلام لا تعكس ـ بحسب الادعاءات الواردة فيها ـ الحالة الحقيقية للمهمات أو الأعمال المنفذة، إلى جانب صرف دفعات مقدمة قبل استكمال عمليات الفحص.

ومن بين الأرقام الواردة الإشارة إلى دفعة مقدمة تبلغ 120 مليون جنيه لأحد الموردين، إضافة إلى مزاعم بشأن شيكات تزيد قيمتها بنسبة 25% في عقود أخرى.

وفي حال ثبوت مثل هذه الوقائع، فإنها تثير أسئلة جوهرية حول مسئولية لجان الاستلام والمراجعة المالية والجهات التي وافقت على الصرف، ومدى الالتزام بشروط التعاقد والضمانات المقررة لحماية المال العام.

 

مكتب المساعدين والمكافآت

ولا يقتصر الجدل على العقود والمشتريات، إذ تناول التقرير كذلك الهيكل الإداري داخل وزارة الكهرباء، وتنتقد ما تصفه باستحداث مكتب يضم عشرة مساعدين، وتقدر التكلفة السنوية له بنحو 40 إلى 50 مليون جنيه، كما يُشير إلى مكافآت شهرية تتراوح بين 200 و300 ألف جنيه للفرد، إلى جانب الحديث عن سيارات دفع رباعي ومصروفات لتجديد المكاتب.

وتحتاج هذه الأرقام إلى مراجعة الموازنات والقرارات الإدارية وكشوف المكافآت الرسمية حتى يمكن تحديد التكلفة الفعلية ومدى توافقها مع القواعد المالية والإدارية المعمول بها.

 

عضويات مجالس الإدارات.. مصدر آخر للدخل

وطرح التقرير أيضاً ملف عضوية القيادات في مجالس إدارات عدد من شركات قطاع الكهرباء، وتقدر عدد العضويات لبعض القيادات بما يتراوح بين 10 و16 شركة، مع دخل سنوي من بدلات حضور الجلسات يتجاوز ـ وفق الادعاء الوارد ـ خمسة ملايين جنيه للشخص، ويعيد ذلك النقاش إلى مسألة تعدد المناصب والبدلات داخل الشركات التابعة للقطاع، ومدى وجود قواعد تمنع تضارب المصالح أو تحد من الجمع بين عدد كبير من عضويات مجالس الإدارات.

 

"شاكر جروب" وتضارب المصالح

ومن الملفات التي تتطلب تدقيقاً خاصاً ما يتعلق بما يُطلق عليه «تقاطع المصالح» مع مجموعة مرتبطة بوزير الكهرباء السابق محمد شاكر.  يقول التقرير إن المجموعة الاستشارية المرتبطة به شاركت في مشروعات تتجاوز قيمتها 20 مليار دولار، وأنها ساهمت في تحديد مواصفات فنية لمشروعات ومناقصات قومية.

وفي هذا السياق، فإن السؤال الأساسي لا يتعلق بمجرد مشاركة شركة استشارية في مشروعات حكومية، وإنما بمدى وجود فصل واضح بين وضع المسئول العام ومصالح الشركات المرتبطة به أو بأسرته، وما إذا كانت هناك إجراءات معلنة للإفصاح عن المصالح ومنع تضاربها، ما يتطلب مراجعة العقود الاستشارية وقرارات الإسناد وأسماء الأطراف المشاركة في إعداد المواصفات الفنية ولجان الطرح والترسية.

 

هل تكفي الرقابة الداخلية؟

ويضع  التقرير أجهزة الرقابة داخل قطاع الكهرباء أمام مجموعة من الأسئلة، من بينها: من يراجع أسعار التوريدات قبل إبرام العقود؟ وكيف يتم التأكد من عدم وجود تضارب مصالح؟ وما آليات التحقق من المستفيد الحقيقي من الشركات المتعاقدة؟ وكيف تتم مطابقة المهمات المستوردة مع المواصفات وشهادات المنشأ؟ كما تبرز أهمية مراجعة العقود التي جرى إسنادها بصورة مباشرة، وتحديد أسباب اللجوء إلى الإسناد المباشر، ومدى توافر الشروط القانونية التي تبرره.

 

ملف يحتاج إلى تحقيق مستقل

وبالنظر إلى حجم الأرقام والاتهامات الواردة في التقرير، فإن التعامل معها باعتبارها مجرد خلافات إدارية لا يبدو كافياً إذا كانت هناك مستندات تدعمها، فالتحقق الحقيقي يتطلب فحصاً شاملاً للعقود والمناقصات وأوامر الإسناد ومحاضر الاستلام والفواتير وشهادات المنشأ والتحويلات المالية، إلى جانب الاستماع إلى جميع الأطراف المعنية.

كما أن من حق الأشخاص والشركات التي وردت أسماؤها في هذه الاتهامات الرد عليها وتقديم ما لديها من مستندات، خصوصاً أن بعض الادعاءات الواردة تمس السمعة والمسئولية الجنائية بصورة مباشرة.

أيضًا يفتح  التقرير  التعاقدات في قطاع الكهرباء نقاشاً أوسع حول حماية المال العام وشفافية المشتريات الحكومية وتضارب المصالح وكفاءة الرقابة على الإنفاق.

 ضخ مليارات الجنيهات في قطاع حيوي بحجم قطاع الكهرباء يجعل الشفافية في العقود، والإفصاح عن المستفيدين، ومراجعة الإسنادات المباشرة، ونشر البيانات الأساسية للمناقصات والتعاقدات، عناصر أساسية لضمان عدم تحول الإنفاق العام إلى مصدر لمكاسب خاصة على حساب المستهلك والدولة.