تحوّل موازين القوى في واشنطن يضع البيت الأبيض والكونغرس على مسارين متباينين.. والوساطات الدبلوماسية تصطدم بخلافات حول شروط بدء المفاوضات وترتيب الملفات
رأى المحلل الإسرائيلي تسفي برئيل، في مقال تحليلي نشرته صحيفة «هآرتس»، أن نتائج انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة أعادت ترتيب الحسابات السياسية في الشرق الأوسط، بعدما فرض فوز الديمقراطيين بأغلبية الكونغرس واقعًا جديدًا على قادة المنطقة، يتمثل في التعامل مع مركزين للقوة في واشنطن: البيت الأبيض بقيادة دونالد ترامب، والكونغرس الذي يسعى إلى التأثير في مسار السياسة الخارجية الأمريكية وتعديل توجهاتها.
وبحسب برئيل، ينعكس هذا التحول بصورة مباشرة على الملف الإيراني، الذي بات أول اختبار للتوازن السياسي الجديد، في ظل تضاؤل الوقت المتاح أمام ترامب لاستئناف العمليات العسكرية قبل تولي الكونغرس الجديد مهامه، وما يفرضه ذلك من حسابات تتعلق بتوقيت أي تحرك عسكري أو التوصل إلى تفاهم دبلوماسي.
إيران بين انتظار الكونجرس ومخاوف الضربة الأمريكية
وأشار الكاتب إلى أن وسائل الإعلام الإيرانية تتعامل مع نتائج الانتخابات الأمريكية بقراءتين متباينتين؛ الأولى ترى في التراجع السياسي لترامب فرصة لتقليص قدرته على تنفيذ أجندته الخارجية، بينما تحذر الثانية من احتمال لجوئه إلى توجيه ضربة عسكرية خاطفة خلال الأسابيع المتبقية قبل انتقال الأغلبية في الكونغرس إلى الديمقراطيين.
ولفت برئيل إلى أن نتائج الانتخابات لا تعني تقييد صلاحيات الرئيس الأمريكي بصورة فورية، إذ يظل ترامب، وفق التحليل، قادرًا على إصدار أوامر بتنفيذ ضربات عسكرية دون انتظار موافقة مسبقة من الكونجرس، وهو ما يبقي الخيار العسكري مطروحًا رغم التحول في موازين القوى التشريعية.
وفي المقابل، تجد طهران نفسها أمام معضلة استراتيجية؛ فالمراهنة على عامل الوقت وانتظار تغير التوازن السياسي في واشنطن قد تمنحها فرصة لتحسين شروط التفاوض، لكنها تحمل أيضًا مخاطر إقدام ترامب على استغلال الفترة المتبقية للتحرك عسكريًا قبل أن تتولى الأغلبية الديمقراطية مهامها.
خلافات حول شروط العودة إلى المفاوضات
وعلى المسار الدبلوماسي، أشار تحليل «هآرتس» إلى أن الوساطات التي تقودها قطر وأطراف أخرى لإعادة واشنطن وطهران إلى طاولة المفاوضات لا تزال تواجه خلافات جوهرية بشأن ترتيب الملفات وشروط بدء الحوار.
فبينما تصر الإدارة الأمريكية على أن يكون الملف النووي نقطة الانطلاق في أي تفاهم جديد، تشترط إيران رفع الحصار البحري وتخفيف القيود المفروضة على صادراتها النفطية أولًا، بما يعكس اختلافًا في أولويات الطرفين، ويجعل التوصل إلى اتفاق شامل أكثر تعقيدًا.
ونقل برئيل عن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي حديثه عن وجود «تغيير إيجابي» في النبرة الأمريكية، بالتوازي مع تصريحات للمرشد الأعلى مجتبى خامنئي حذر فيها من أن العداء الأمريكي لإيران لن يتغير بتغير الأحزاب، ولوّح بتوسيع نطاق الحرب إذا استؤنفت الهجمات.
وتكشف هذه التصريحات، وفق ما أورده التحليل، عن استمرار الحذر الإيراني من التعويل على التغيير السياسي داخل الولايات المتحدة، رغم ما قد يتيحه من فرص جديدة أمام المسار التفاوضي.
الكونجرس الديمقراطي يضيف عقبات أمام أي اتفاق
ولا تقتصر تداعيات التحول السياسي في واشنطن على احتمالات التصعيد العسكري، بل تمتد إلى مستقبل أي اتفاق محتمل بين الطرفين، إذ أشار برئيل إلى أن أي تفاهم متأخر سيخضع لقانون مراجعة الاتفاق النووي لعام 2015، الذي يمنح الكونجرس فترة 30 يومًا لفحص الاتفاق.
ويعني ذلك أن الأغلبية الديمقراطية الجديدة قد تصبح طرفًا مؤثرًا في مسار الاتفاق، خصوصًا فيما يتعلق بإجراءات رفع العقوبات التي تستند إلى تشريعات صادرة عن الكونجرس، وهو ما قد يضيف تعقيدات سياسية وقانونية إلى المفاوضات، حتى إذا نجحت الإدارة الأمريكية وإيران في التوصل إلى تفاهم أولي.
وبذلك، لا تواجه طهران واشنطن بوصفها طرفًا واحدًا في المفاوضات، بل تجد نفسها أمام توازن داخلي أمريكي متغير، تتداخل فيه صلاحيات الرئيس مع دور المؤسسة التشريعية في مراجعة الاتفاقات والتأثير في تنفيذها.
اتفاق تدريجي لتجنب مواجهة مفتوحة
وفي ختام تحليله، طرح برئيل احتمال التوصل إلى اتفاق تدريجي باعتباره أحد المخارج الممكنة للأزمة، بحيث تبدأ المرحلة الأولى بفتح مضيق هرمز، ورفع الحصار البحري، ووقف الأعمال العدائية، على أن يُرحّل حسم الخلافات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني إلى مفاوضات لاحقة.
ويعني هذا السيناريو تأجيل معالجة جوهر الأزمة بدلًا من حلها بصورة شاملة، مع تقديم تنازلات سياسية من جانب ترامب، وقبول إيران بترتيبات مرحلية لا تحسم جميع الملفات الخلافية.
وفي المقابل، حذر التحليل من أن الخيار العسكري لا يضمن القضاء على المعرفة النووية الإيرانية، حتى إذا نجحت الضربات في تدمير منشآت أو إلحاق أضرار بالبنية التحتية المرتبطة بالبرنامج النووي.
وتخلص قراءة «هآرتس» إلى أن هامش المناورة أمام واشنطن وطهران يتقلص مع اقتراب انتقال الأغلبية في الكونجرس، في وقت تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الضغوط السياسية والقيود التشريعية، بينما يظل الاتفاق المرحلي أحد السيناريوهات المطروحة لتفادي تصعيد أوسع، دون أن يعني ذلك تسوية الخلافات الأساسية بين الطرفين.