عبد الله شحاتة.. خبير اقتصادي دولي خلف القضبان بعد فتح ملفات التهرب الضريبي والاستيلاء على أراضي الدولة

- ‎فيحريات

من العمل مستشارًا بوزارة المالية وخبيرًا بصندوق النقد الدولي إلى السجن المؤبد.. قصة أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة الذي ارتبط اسمه بملفات عجز الموازنة والتهرب الضريبي وأراضي الدولة، قبل القبض عليه في نوفمبر 2014 وإدراجه على قوائم الإرهاب.

لم يكن الدكتور عبد الله شحاتة مجرد أستاذ للاقتصاد بجامعة القاهرة أو خبير عمل في مؤسسات مالية دولية، بل كان أحد الأكاديميين الذين انتقلوا إلى العمل داخل مؤسسات الدولة، وتولوا ملفات تتعلق بالسياسات المالية وإدارة الموارد العامة، في وقت كانت فيه مصر تواجه تحديات متزايدة تتعلق بعجز الموازنة والدين العام وكفاءة الإنفاق.

لكن مسيرته المهنية انتهت إلى مسار مختلف بعد أحداث 2013، إذ ألقت أجهزة الأمن القبض عليه في نوفمبر 2014، ووجهت إليه اتهامات تتعلق بحيازة أسلحة ومفرقعات والانضمام إلى جماعة محظورة، قبل صدور حكم بالسجن المؤبد بحقه، وإدراج اسمه لاحقًا على قوائم الإرهاب.

وتعيد قضية شحاتة إلى الواجهة ملف الأكاديميين والخبراء الذين غادروا مواقعهم داخل مؤسسات الدولة إلى السجون، وما يثيره ذلك من تساؤلات بشأن التعامل مع الكفاءات العلمية، وضمانات المحاكمة العادلة، ومدى ارتباط الملاحقات القضائية بمواقف أصحابها السياسية.

 

من ملفات المالية العامة إلى السجن المؤبد

بدأ عبد الله شحاتة مساره الأكاديمي من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، التي تخرج فيها عام 1994، قبل أن يستكمل دراساته العليا في هولندا وبريطانيا، ويحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه، ثم يعود إلى الجامعة للعمل بالتدريس والبحث، وصولًا إلى درجة أستاذ الاقتصاد.

ولم يقتصر نشاطه على المجال الأكاديمي، إذ عمل منذ عام 2007 مستشارًا بوحدة السياسات المالية في وزارة المالية، وتولى مهام استشارية مرتبطة بإدارة المالية العامة، كما شارك في أعمال مؤسسات مالية دولية، بينها صندوق النقد الدولي والمعونة الأميركية، وكان من الخبراء المشاركين في ملف التفاوض مع الصندوق بشأن القروض والتمويل.

وخلال عمله في وزارة المالية، ارتبط اسمه بملفات تقليص عجز الموازنة العامة، والحد من الدين العام، وتحسين كفاءة تحصيل الإيرادات، وإعادة توجيه الدعم إلى مستحقيه، إلى جانب مكافحة التهرب الضريبي والجمركي والحد من إهدار موارد الدولة.

وبحسب ما تناولته تقارير صحفية عن تجربته المهنية، كان شحاتة يطرح زيادة إيرادات الدولة من خلال تحسين إدارة مواردها ومواجهة أوجه الفساد، بدلًا من تحميل المواطنين محدودي الدخل أعباء مالية إضافية.

ومن بين الملفات التي ارتبطت بعمله، التهرب الضريبي لبعض كبار رجال الأعمال، فضلًا عن ملف الأراضي التي حصل عليها مستثمرون على طريق القاهرة – الإسكندرية الصحراوي، وكانت تقارير قد تحدثت عن تجاوز قيمتها 100 مليار جنيه، وهي ملفات تعكس طبيعة القضايا الاقتصادية التي كان يعمل عليها، وإن كانت تفاصيل الاتهامات المتعلقة بكل حالة تحتاج إلى توثيق مستقل.

 

اعتقال في نوفمبر 2014 واتهامات بحيازة أسلحة ومفرقعات

في 28 نوفمبر 2014، ألقت قوات الأمن القبض على عبد الله شحاتة من منزل أسرته بمنطقة الهرم في الجيزة، بالتزامن مع دعوات للتظاهر في ذلك اليوم. وأعلنت وزارة الداخلية لاحقًا اتهامه بالتحريض والإضرار بمصالح البلاد، بينما تحدثت أسرته عن تعرضه لانتهاكات خلال احتجازه.

وأثارت ظروف القبض عليه اهتمامًا حقوقيًا، إذ أصدرت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في 3 فبراير 2015 بيانًا طالبت فيه السلطات المصرية بالتحقيق في مزاعم تعرض شحاتة وشقيقه أسعد للتعذيب أثناء الاحتجاز.

ونقلت المنظمة عن محامٍ قوله إنهما تعرضا للصعق بالكهرباء وأشكال أخرى من الإساءة بهدف إجبار شحاتة على الاعتراف بحيازة أسلحة واتهامات مرتبطة بالعنف، وهي مزاعم تستدعي التحقيق والمساءلة.

وبثت وزارة الداخلية تسجيلًا مصورًا تضمن اعترافات منسوبة إليه، لكنه أنكرها خلال محاكمته، مؤكدًا عدم علاقته بالمضبوطات أو بالاتهامات الموجهة إليه، وقال إنه عمل مستشارًا بصندوق النقد الدولي، ولم تكن له صلة بالقضية أو بالأحراز المضبوطة.

وتضمنت الاتهامات المنسوبة إليه حيازة أربع زجاجات تحتوي على مواد تدخل في تركيب الألعاب النارية، من بينها كلورات البوتاسيوم، و500 طلقة نارية، فضلًا عن اتهامات بالاشتراك في اتفاق جنائي يستهدف تخريب منشآت ومرافق عامة.

وكانت أسرته قد نفت الاتهامات، وأكدت أن التسجيل المصور لا يعبر عن إرادته، فيما أثارت مزاعم التعذيب التي أوردتها المنظمة الحقوقية تساؤلات بشأن ظروف انتزاع الاعترافات وضمانات التحقيق والمحاكمة.

 

المؤبد وإدراج على قوائم الإرهاب

في 5 يوليو 2018، أصدرت محكمة جنايات القاهرة حكمًا بالسجن المؤبد بحق عبد الله شحاتة، في القضية المعروفة إعلاميًا باسم "اللجان النوعية"، إلى جانب أحكام بالسجن المؤبد والمشدد بحق متهمين آخرين.

واستندت الاتهامات، وفق ما نشرته وسائل إعلام عن منطوق الحكم، إلى حيازة أسلحة نارية ومنشورات تحريضية، والانضمام إلى جماعة أُسست على خلاف القانون، والتعدي على الحريات الشخصية للمواطنين، وتعطيل أحكام الدستور.

ولم يتوقف الأمر عند الحكم القضائي، ففي 20 فبراير 2021، قررت الدائرة الخامسة إرهاب بمحكمة جنايات القاهرة إدراج شحاتة و20 آخرين على قوائم الإرهاب لمدة خمس سنوات، على خلفية القضية نفسها.

 

بدر 3.. استمرار المعاناة خلف القضبان

وفي تطور يعكس استمرار المخاوف الحقوقية بشأن ظروف احتجازه، كشفت تقارير حقوقية في يوليو 2025 عن تعرض عبد الله شحاتة لأوضاع احتجاز وصفتها منظمات حقوقية بالقاسية داخل سجن بدر 3.

وأفادت لجنة العدالة في 21 يوليو 2025 بأن شحاتة شارك في احتجاج رمزي داخل محبسه، بإشعال النار في بطاطين زنزانته، اعتراضًا على ما وصفته بتدهور ظروف الاحتجاز والحرمان من الحقوق الأساسية والرعاية الطبية.

وتضع هذه الوقائع قضية شحاتة ضمن الملفات التي تثير تساؤلات بشأن أوضاع الأكاديميين والخبراء المحبوسين على خلفية قضايا سياسية، ومدى توافر الضمانات اللازمة لحماية حقوقهم داخل أماكن الاحتجاز.

من خبير شارك في صياغة السياسات المالية للدولة إلى سجين يقضي حكمًا بالمؤبد، تظل قصة عبد الله شحاتة مرتبطة بأسئلة أوسع عن مصير الكفاءات العلمية في مصر، وحدود الفصل بين العمل العام والانتماء السياسي، وحق المتهمين في محاكمات تتوافر فيها ضمانات العدالة.

وتبقى المطالبة بمراجعة أوضاعه القانونية والإنسانية، والتحقيق في مزاعم الانتهاكات التي تعرض لها، جزءًا من المطالب الحقوقية المتعلقة بضمان حقوق المحتجزين، وعدم تحويل الخلاف السياسي إلى سبب للانتقاص من الحقوق والحريات.

.