محمد فتحي
يبدو أنه من المنطقي للغاية أن نطرح السؤال التالي:«من يقف وراء «تسريب مكملين» الأخير الذي عكس حقيقة توجهات نظام السيسي في مصر تجاه رئاسة السلطة الفلسطينية والعمل على توريث القيادي الأمني الفلسطيني المثير للجدل محمد دخلان رئاسة السلطة، خلفا لـ"أبو مازن"؟.

السؤال بديهي، ولكن تبدو الإجابة عليه ليست سهلة على الإطلاق؛ خصوصا وأن سلطات الانقلاب في مصر زادت من حجم الكارهين والرافضين لها مؤخرا، سواء داخل الأجهزة الرسمية للدولة عبر الإطاحة بعدد من القيادات والمسؤولين، أو تقزيم أدوار أجهزة معينة لحساب أخرى، أو على المستوى الشعبي من خلال الفشل في معظم الملفات ما عدا ملف الكهرباء الذي تم حله ولكن بتكلفة عالية فاقمت مع حفر تفريعة القناة من أزمة الدولار، وتسببت في كوارث اقتصادية كبيرة.

صراع أجنحة

يرى بعض المراقبين أن الأقرب إلى التصور أن من يقف وراء التسريب قيادات مخابراتية من داخل الجهاز نفسه مسها الضر والإقصاء أو حتى التقزيم، خصوصا وأن السيسي تساوره شكوك تجاه جهاز المخابرات العامة، وينحاز بطبيعة الحال إلى جهاز المخابرات الحربية الذي كان قائدا له.

يعزز من هذه الفرضية أن السيسي قام بعمليات إطاحة على مستويات عليا داخل الجهاز، واستبعد 11 ضابطا منتصف عام 2015 دفعة واحدة، والبعض ساعتها ربط بين هذه الإطاحة وبين تصريحات القيادي الإخواني يحيى حامد، وزير الاستثمار في عهد الرئيس مرسي، والتي كشف فيها عن أن بعض أجهزة النظام تتواصل مع الجماعة، وذكر أن من بينها ضباطا فى المخابرات العامة.

كما يعزز من هذه الفرضية أن جهاز المخابرات فعليا تأسس على عين اللواء عمر سليمان، الرجل القوي في عهد مبارك، والذي تعرض لمحاولة اغتيال إبان أحداث الثورة المصرية، ورأى البعض أنها كانت جزءا من صراع الأجنحة داخل النظام، ثم تم إقصاؤه من المشهد واغتياله بطريقة غامضة، وهو ما أثار حفيظة معظم العاملين بالجهاز، الذين يرون في سليمان قائدا لهم تم التعامل معه بمهانة.

محاولات السيسي إذا مستمرة لتطويع الجهاز وكسب ولائه، ويعمل على إعادة هيكلته باستمرار لضمان هذا الولاء، وكان آخرها القرار الجمهورية بنقل 19 من العاملين بالجهاز إلى وزارات أخرى.

وماذا عن الأجهزة الأمنية؟

من جهة أخرى، يرى الكاتب جيك ليبنكوت أن أجنحة قوية جيدة التسليح داخل وزارة الداخلية لديها على الأرجح مشكلات كبرى مع السيسي.

وأكد "جيك"- في تحليل أوردته مدونة "لوبلوج" الأمريكية منتصف يونيو الماضي 2016- تزايد الشائعات حول عدم قدرة السيسي على الإمساك بلجام الأجنحة المتنافسة داخل القوات الأمنية، قائلا: إن أي صراع بينهما سيقزم سفك الدماء الذي أعقب الإطاحة بمرسي ويتجاوزه بمراحل، ويضحى بمثابة كارثة إقليمية.

وبحسب "جيك"، فإن قيام السيسي بنقل ملكية جزيرتي "تيران وصنافير" إلى السعودية أثار ردود فعل غاضبة حتى داخل مؤسسات الدولة، ما يدفع بالقول إن هناك شكوكا حول قدرة السيسي على التحكم والسيطرة الكاملة على هذه الأجهزة وعناصرها.

اهتزاز صورة المخابرات

صحيفة "ميدل إيست آي" البريطانية، المهتمة بشؤون الشرق الأوسط، اعتبرت التسريب الأخير الذي بثته قناة مكملين، أمس الأحد، وتضمن حوارا بين اللواء وائل الصفتي مسؤول الملف الفلسطيني في جهاز المخابرات، ورجل الأمن الفلسطيني محمد دخلان، يمثل خطورة وسوف يؤثر سلبا على صورة النظام عموما وجهاز المخابرات على وجه الخصوص.

وترى الصحيفة أن إدارة المخابرات العامة المصرية التي قالت "مكملين" إن هذه التسريبات خرجت من جعبتها، تعاني من العديد من التوترات والأزمات منذ حرب 1967، حيث اتهمها المصريون بالفشل في القيام بواجبها، وتسببها بشكل مباشر في هزيمة يونيو 1967.

ونوهّت الصحيفة إلى أن المخابرات العامة اكتسبت سمعة سيئة، منذ أن تولاها "عمر سليمان" في 1993، مشيرة إلى أن ذلك قد يكون من الأسباب الرئيسية في اندلاع ثورة يناير 2011، بحسب الصحيفة.

وتشير "ميدل إيست آي"، إلى أنه حتى وإن كانت ما أذاعته "مكملين" لا أساس له من الصحة، فإن ذلك لا ينفي خطورته؛ كونه يمس المخابرات العامة، والتي تعد من الركائز الأساسية التي يعتمد عليها النظام في مصر، كما أن الرئيس الأسبق "حسني مبارك" كان يعتمد عليها في تحقيق التوازن مع "الجيش" لضمان استقرار البلاد.

وترى الصحيفة أنه على الحكومة المصرية، وتحديدا "المخابرات العامة"، إثبات عدم صحة إجراء هذا الاتصال، حيث إنه سيؤثر على صورة مصر في ظل المحاولات التي تجريها من أجل تحسين العلاقات بين "عباس ودحلان".

زيادة التوتر بين السيسي وأبو مازن

وبحسب مراقبين، فإن التسريب سوف يزيد من توتر العلاقات بين السيسي وأبو مازن، خصوصا وأن رئيس السلطة الفلسطينية كان قد أبدى مؤخرا امتعاضا كبيرا من تدخلات بعض العواصم العربية في شؤون السلطة الفلسطينية؛ على خلفية توجهات عربية مصرية أردنية لتتويج دحلان على رأس السلطة خلفا لأبو مازن الذي بلغ من الكبر عتيا.

"آفي يسسخروف"، محلل الشئون العربية بموقع "walla” الإسرائيلي، توافق مع هذا الرأي وقال: إن التسريب الأخير الذي بثته إحدى القنوات التابعة للإخوان المسلمين، يهدد بأزمة دبلوماسية بين القاهرة ورام الله، بعد حديث المسؤول المصري عن الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) بشكل سلبي.

وزير الخارجية بحكومة الانقلاب سامح شكري حاول تخفيف حدة التوتر المرتقب مع السلطة الفلسطينية، ووصف حوار السيسي وأبو مازن في نيويورك بـ"الحميمي".

ولفت شكري إلى أنه ليس هناك توجه لـ"فرض أي رؤية على السلطة الفلسطينية أو الشعب الفلسطيني"، لكنه قال إن هناك "مبدأ نطرحه دائما على السلطة؛ أنه كلما تم تعزيز التضامن على مستوى الشعب وليس بالحصر على القيادة، فهذا التضامن مطلوب على مستوى القيادة الفلسطينية والأطياف داخل فتح، وبين فتح والفصائل الأخرى، حتى بين فتح وحماس"، على حد وصفه.

وحول التصريحات الأخيرة لرئيس السلطة محمود عباس، التي حذر فيها "بعض العرب" من التدخل في الشأن الداخلي الفلسطيني، فقد رفض شكري التعليق على التصريحات، وقال: "لا أريد أن أخوض في هذه التصريحات كثيرا، لأنها أطلقت في عموميتها، وليس بالضرورة أن تكون موجهة لأي طرف بعينه".

Facebook Comments