على طريقة حوار أحمد شفيق الذي أعلن فيه انبهاره بإنجازات السيسي، نافيا أي ضغوط مورست عليه للتنازل عن نيته للترشح أمام السيسي في مهزلة انتخابات مارس، جاء حوار الإعلامي المقرب من الأجهزة الأمنية عمرو أديب مع المعتقلة زبيدة، التي خرجت والدتها مع قناة “بي بي سي” مؤخرا، لتحكي قصة اختفاء ابنتها، مستهدفا تدمير ومحو أي حديث أو شكاوى تثار في الداخل أو الخارج عن جريمة الإخفاء القسري التي تنفذها أجهزة السيسي الأمنية بحق معارضيه، والذين يبلغ عددهم نحو 1500 شخص، وفقا لتقارير حقوقية.
ويشير مراقبون إلى أن الإخفاء القسري وقود لجرائم أشد وطأة وهي “التصفية الجسدية” أو استخدام لضحايا الإخفاء القسري في تشويه جميع من يعارض السيسي وانقلابه، عبر أفلام مفبركة يتحدث فيها المخفتفون بعد ظهورهم عن “جرائم كانوا يخططون للقيام بها”، في مسلسل متكرر دون ملل أو تغيير في السيناريوهات من جانب أجهزة أمن الانقلاب. وهي وسيلة تشويه معتمدة منذ بداية الانقلاب العسكري، حينما خرج مستشار وزير المالية والخبير لدى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وأستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية د.عبد الله شحاتة، متحدثا عن مشاركته في خلايا نوعية لتصنيع متفجرات وقنابل من البمب والزلط! وثبت بعد ذلك أن تلك الاعترافات جاءت نتيجة التعذيب الشديد.
كما تكررت فبركات نظام السيسي في فضيحة دولية حينما قتلت قواته 5 أبرياء في ميكروباص بالقاهرة الجديدة، زعموا أنهم هم من قتلوا الطالب الإيطالي جوليو ريجيني، ثم تبين بعد ذلك كذب الرواية، وأثبتت التحقيقات أن قيادات أمنية وراء قتله، منهم مدير أمن الجيزة السابق، الذي جرى نقله للصعيد للملمة القضية وإبعاد الأضواء عنه!
جدل زبيدة
وأحدثت “قضية زبيدة”، التي تناولها قبل أيام وثائقي BBC عن التعذيب في السجون والاختفاء القسري، الكثير من الجدل، إثر ظهور الأم التي أكدت أن ابنتها زبيدة (23 سنة)، ألقي القبض عليها مرتان في 2014 أثناء اشتراكها في مظاهرات ضد نظام الانقلاب، وأفرج عنها وأعيد القبض عليها مرة أخرى في 2016، وتعرضت أثناء حبسها للتعذيب والاعتداء، ثم اختفت بعد ذلك لتعلن والدتها اختفاءها القسري.
وبعد يوم كامل من حملة الأذرع الإعلامية للنظام، والهيئة العامة للاستعلامات بقيادة رئيسها ضياء رشوان ضد قناة BBC، فاجأ عمرو أديب مشاهديه بحوار من مكان مجهول مع زبيدة، ليحاول أن يثبت على فضائية OnE وبرنامجه “كل يوم” أنها ليست مختفية قسريًا لدى قوات الأمن، ولكنها هربت من والدتها وتزوجت وأنجبت طفلاً منذ 15 يومًا.
وفي حوارها، قالت زبيدة إنها لا تعلم شيئًا عن والدتها ولا حوارها مع BBC، وإنها لم ترها منذ ما يقرب العام: “ما حدش هددني بحاجة ومفيش ضابط لمسني”. أعقبتها موجة كبيرة من الفقرات والحفاوة البالغة من أذرع السيسي للحوار، وتطبيل فج من قبل الكتائب وشماتة في BBC.
وفتح الحوار أبوابا كثيرة للتساؤل حول حقيقته وقصة زبيدة، وسط اتهامات للأمن بالفبركة والضغط عليها للظهور، ما أيدته شواهد عدة، واعتراف أديب نفسه أن الأجهزة الأمنية هي التي أبلغته بمكانها، وطلبت منه إجراء الحوار معها.
وبدت زبيدة -وهي زائغة النظرات شاحبة الوجه- إجاباتها بنعم ولا، وبدا عمرو أديب متحدثا أكثر من الضيفة، بجانب شحوب وجهها وعدم قدرتها على الإجابة وترددها، حول سؤالها هل اعتقلت قبل ذلك، مجيبة في بادئ الأمر بلا، ثم أعاد عليها أديب فقالت إنها اعتقلت مع والدتها قبل عامين.
حقائق تدحض مسرحية أديب
الزوج سعيد عبدالعظيم، حسب شهود عيان من منطقة امبابة، بالجيزة، والذي اعتُقل أكثر من مرة، وكان له نشاط سياسي ضد “الانقلاب”، إلا أنه توقف بعد ذلك، وهو الآن يتردد على مقر أمن الدولة.
عبدالعظيم اعتُقل منذ 3 أيام، وأحضروا له زوجته زبيدة وابنهما الرضيع في قسم إمبابة، اعتقال عبدالعظيم جاء لترتيب لقاء عمرو أديب الأخير، الذي تم في مكتب أمن الدولة بقسم إمبابة، حسب قول شهود العيان.
أسرار عن زبيدة
يشار إلى أن زبيدة اعتقلت بالفعل في 2014 بسجن القناطر بعد مظاهرة رافضة للانقلاب، ويلفت البعض إلى أنها ربما لم تكن مختفية قسريا كما ذكرت والدتها، إلا أنها تعرضت للتعذيب و”كل ما يغضب من ربنا كما قالت والدتها فعلا في تجربة اعتقالها في ٢٠١٤”.
الجديد في شأن زبيدة.. أنها خلال فترة الاعتقال الأولى التي كانت في 2014 تعرضت للاغتصاب أكثر من مرة، وحدثت لها مشكلات صحية كادت أن تودي بحياتها، حيث حدث تهتك في الرحم وتدخل الأطباء لإنقاذها عبر العديد من الجراحات، والتي تثبتها وثائق لدى والدتها التي باتت مطاردة منذ تقرير البي بي سي، حيث داهم الأمن منزلها ليل أمس الاثنين.
والدتها التي خرجت أكثر من مرة على شاشات قنوات الشرعية تطالب بالإفراج عن ابنتها، وفي إحدى المرات قالت: اعتقلوها علشان لابسة نقاب طلعها يا سيسي وأنا أمشيها عريانة، ووفق شاهد عيان، قامت قوات أمن الانقلاب بالجيزة بإلقاء زبيدة عارية كما ولدتها أمها بصحراء مدينة السادس من أكتوبر، وقالوا لها: “قولي لأمك انتي اللي قلتي هتمشيها عريانة”، لتعود منهارة إلى أسرتها، ودخلت مصحة نفسية لتلقي العلاج لمدة شهرين.
وجاء الاعتقال الأول من خلال توقيف سيارة ميكروباص وتفتيش من فيها، ووجدوا على موبايل زبيدة أغنية ثورية، فجرى اعتقالها عشوائيا من السيارة، حيث لم يكن لها أي نشاط أو فعالية سوى المشاركة في المظاهرات الرافضة للانقلاب.
ومكثت في السجن سبعة أشهر دون محاكمة، تورّم خلالها جسدها من كثرة الضرب، والتعذيب، والصعق بالكهرباء، وهو ما أكدته “أم زبيدة” في لقائها مع بي بي سي، بأن ابنتها أخبرتها بتعرّضها للاغتصاب أثناء احتجازها لدى الشرطة.
في حين جرى إخفاؤها قسريًا مجددًا منذ عشرة أشهر، حيث جاء الاعتقال الثاني للفتاة من الشارع دون سبب، وظلت رهينة الإخفاء القسري لمدة عام، لا تعلم عنها والدتها شيئا، وعلى ما يبدو أنها تعرضت للاغتصاب مجددا.
يشار إلى أن تقرير “بي بي سي” تضمن العديد من الشهادات حول تعذيب المعتقلين، والبطش بهم، بل وصل الأمر لقتل المئات منهم تحت التعذيب في مقار أمن الانقلاب.
وتحت عنوان “سحق المعارضة في مصر” وثّقت الصحفية البريطانية “أورلا جويرين” العديد من شهادات أسر المعتقلين، والمختفين قسريًا، والشباب الذين تعرضوا للتعذيب بواسطة أجهزة الأمن، ومن بينهم محمود حسين (معتقل التيشيرت)، الذي أكد “صعقه في مناطق حساسة من جسده، وخضوعه لعمليات جراحية عدة بعد خروجه من السجن، من جراء ما تعرض له من تعذيب”.
وتشهد السجون ومراكز الاحتجاز بصورة يومية وقائع تعذيب وانتزاع اعترافات تحت التهديد والضرب وخلع الأظافر والتعليق من القدمين وغيرها من وسائل التعذيب القذرة، التي وثقتها التقارير الحقوقية، ومنها مركز النديم.. وغيره.
