بعد زيادات الوزراء والدبلوماسيين والبرلمانيين، بعيدا عن بقية أفراد الشعب المطحون، تشهد علاقة نظام عبدالفتاح السيسي بالقضاة، أزمة مكتومة، بسبب عدم موافقة رئيس وزراء الانقلاب شريف إسماعيل ، ووزارة ماليته ، على زيادة مخصصات صندوق الرعاية الصحية والاجتماعية بوزارة العدل بنفس الحكومة، والذي يحصل منه جميع أعضاء الهيئات القضائية على بدل العلاج الشهري .
ومما يزيد من التوتر إصرار حكومة الانقلاب على تمرير قانون تنظيم انتداب القضاة الذي من المقرر أن يطبق ابتداءً من يناير المقبل، وسيترتب عليه إلغاء انتداب ما يزيد على 70 % من إجمالي القضاة الذين يعملون كمستشارين قانونيين للمصالح الحكومية، وبالتالي حرمانهم من القسم الأكبر من دخولهم الحالية.
محاولات اقتناص مزايا
وزير عدل الانقلاب، المقرب من دائرة السيسي الخاصة، المستشار حسام عبدالرحيم، يدفع بقوة في اتجاه إصدار القانون بصيغة يراها تحقق الفائدة المرجوّة من استمرار انتداب القضاة في الأماكن الحساسة، كرئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء ووزارة العدل ومجلس النواب وبعض الهيئات الاستثمارية والرقابية، تحت تعريف واسع ومرن في مشروع القانون لعبارة “إدارة شؤون العدالة”.
فالقضاة المنتدبون في الوزارات ودواوين المصالح الحكومية العادية، يمثّلون النسبة الأعظم من إجمالي عدد المنتدبين، وبصدور القانون الجديد سيتم إلغاء انتدابهم جميعاً، ما سيؤدي إلى توفير مئات الملايين من الجنيهات كل عام ، هذا الأمر لا يروق للقضاة، لأنهم إذا اكتفوا برواتبهم التي يحصلون عليها من عملهم القضائي فسوف يؤدي هذا إلى هزة كبيرة في دخلهم المالي، وبالتالي سيتزعزع مستواهم الاجتماعي.
ومن المقرر وفق القانون الجديد، ألا يحصل أقدم نواب رئيس محكمة النقض ورؤساء محاكم الاستئناف ونواب رئيس مجلس الدولة، على أكثر من 60 في المائة من الحد الأقصى للأجور المحدد بالقانون، وهو 42 ألف جنيه أي حوالي 26 ألف جنيه شهرياً، في حين كان الانتداب يضمن لمعظم القضاة المنتدبين في وظيفة حكومية واحدة ما يتجاوز ضعف هذا المبلغ شهرياً، علماً أن حوالي 20 في المائة من قضاة مجلس الدولة تحديداً منتدبون في أكثر من وظيفة حكومية إلى جانب عملهم القضائي.
قلق القضاة
قلق القضاة الذي يعتريهم لأول مرة من انتقالهم مستقبلاً إلى خانة العوز، أو على الأقل إلى شرائح اقتصادية أدنى مما تمتّعوا به منذ تسعينيات القرن الماضي، تزامن هذه الأيام مع بوادر حكومية “غير إيجابية” تجاه الأوضاع المالية للقضاة وهيئاتهم بشكل عام.
من المتوقع أن يمطر القضاة، بعد إلغاء الانتداب، الدولة بالدعاوى والملاحقات لصرف المبالغ المالية المؤجل صرفها بموجب الأحكام القضائية، ما ينبئ بمزيد من التوتر بين الطرفين، خصوصاً بعد تشديد الرقابة المالية على حسابات القضاة وتحويل كل الهيئات لنظام الصرف المالي الإلكتروني، بدعوى “تطبيق الشمول المالي على كل سلطات الدولة” بهدف حقيقي أهم للنظام، هو مراقبة أوجه إنفاق تلك الهيئات .
وتأتي تحركات السيسي، بحسب مراقبين بعد انتهاء مسرحية الانتخابات الهزلية، وتسكين معظم قضايا المعارضين ورافضي الانقلاب العسكري في دوائر الإرهاب التي وضع عليها مقربيه من قضاته .
وتبلور دور القضاة خلال سنوات الانقلاب في التعاون مع السيسي في حصار كافة أشكال التعبير المدني الديمقراطي في المجتمع ، وتدعيم سلطوية غير مسبوقة في طابعها القمعي ، لم يكن تحولًا مفاجئًا ناتج عن تواطؤ مجموعة محدودة من القضاة، بقدر ما إنه نتاج ميراث طويل من العلاقة مع نخبة الحكم طوال سنوات مبارك.
وكان السيسي في بداية انقلابه أغدق العطاء للقضاة عبر نحو 8 زيادات في الرواتب والمزايا المالية والمخصصات العينية لمشروع العلاج ومشروع المصايف وعدد من المزايا غير المسبوقة ، لضمان ولائهم له ولانقلابه ، وهو ما حدث بالفعل في سلسلة من الأحكام القضائية غير المسبوقة والمبنية على التوجهات السياسية للنظام ، وليس المعايير القانونية.
