تبرئة كل المتهمين في “التمويل” تؤكد أن أحكام القضاء المصري “سياسية” وبالتليفون واتهامات النيابة “ملفقة”

- ‎فيتقارير

لم يمض سوى أسبوع واحد على قرار البرلمان الأوروبي الذي طالب سلطات الانقلاب المصرية “بإسقاط جميع التحقيقات الجنائية التي لا أساس لها في عمل المنظمات غير الحكومية”، وعنف سلطة الانقلاب لتلفيقها الاتهامات ضد حقوقيين ونشطاء مصريين وأجانب في قضية التمويل الأجنبي، حتى أصدر القضاء المصري حكمه بتبرئة كل المتهمين في قضية التمويل الأجنبي المرفوعة منذ عام 2011!.

أحكام سياسية بامتياز

الحكم الذي أصدرته جنايات القاهرة اليوم 20 ديسمبر 2018 (بعد نقض محكمة النقض الحكم السابق الصادر عام 2013 بالسجن ما بين عام واحد وخمسة أعوام على 43 شخصا منهم 27 متهمًا غيابيًا، بالسجن 5 سنوات بينهم 18 أمريكيًا والباقين من جنسيات مختلفة، وجميعهم مسؤولون بفروع منظمات أجنبية في مصر)، شمل كل المدانين الـ43 حتى من لم يقبل نقضه، ما يؤكد أن الحكم بإدانتهم كان سياسيا، وأن الحكم بالبراءة اليوم سياسي أيضا.

وجاءت أحكام قضاء الانقلاب في قضية “التمويل الأجنبي” لتؤكد مرة أخري أن تحقيقات النيابة في معظم القضايا السياسية والحقوقية ملفقة وكاذبة، وأحكام القضاء سياسية وتصدر بالتليفون، والسلطة تستغل القضاء في تصفية خصومها وتستغله في تحسين علاقتها الدولية.

الحكم أيضا معناه أن اجهزة الدولة والإعلام كانت تكذب على المصريين منذ عام 2011 حين اتهمت هؤلاء الأجانب والمصريين بأنهم يهددون الأمن القومي بدفاعهم عن حقوق الإنسان، وأنهم تلقوا ملايين الدولارات (رغم أن جزءا من هذا الاتهام صحيح ولكن القضاء نفاه بهذا الحكم!)، وأن وزير التعاون الدولي السابقة فايزة أبو النجا تولت الكذبة بالتعاون مع المجلس العسكري السابق، وجاء المجلس الحالي ليطلق سراحهم ضمن تبادل المصالح مع الغرب.

مصالح مشتركة

ومن المفارقات أن يصدر الحكم في وقت أكدت فيه فضائية “يورونيوز” أن المصالح المشتركة بين مصر والقادة الأوروبيين “لا تتأثر بانتهاكات حقوق الإنسان التي قد يتعرض لها مواطنون مصريون أو أوروبيون يزورون البلاد”!.

وكان القرار الذي أصدره البرلمان الأوروبي يوم 13 ديسمبر 2018، والذي تم تبنيه برفع الأيدي، أعرب عن قلق أعضاء البرلمان الأوروبي الشديد من المحاكمات الجماعية للمحاكم المصرية والعدد الكبير من أحكام الإعدام والسجن لمدد طويلة، بما في ذلك ضد الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 18 عامًا وقت ارتكاب الجريمة المزعومة.

وأدان “استهداف الحقوق الديمقراطية في مصر بما فيها حق التعبير وحق التجمع واستهداف النشطاء”، وطالب السلطات “بوقف استهداف أعضاء النقابات والطلبة ومنظمات المجتمع المدني”، وطالب دول الاتحاد الأوربي بعدم تصدير التكنولوجيا التي تمكن سلطة الانقلاب من مراقبة النشطاء والمدونين وتعذيبهم، بعدما تم الكشف عن تصدير فرنسا وبريطانيا وإيطاليا معدات تجسس الكترونية لسلطة الانقلاب للتنصت على المصريين.

 

تبرئة الجميع

وبرأت جنايات القاهرة 43 من العاملين بمنظمات غير حكومية في قضية التمويل الأجنبي منهم 27 متهمًا غيابيًا، كان قد حُكم عليهم بالسجن 5 سنوات بينهم 18 أمريكيًا والباقون من جنسيات مختلفة، وكذا 5 حضوريا حُكم عليهم لسنتين منهم أمريكي وألمانية و3 مصريين، وحبس 11 مصريًا آخرين حضوريًا سنة مع إيقاف التنفيذ، وغرامة ألف جنيه، في تهم من بينها “العمل على إدارة منظمات غير حكومية دون الحصول على الموافقات اللازمة”.

وجاء حكم المحكمة اليوم عقب الإدانات المتكررة من أوروبا وأمريكا لمحاكمة العاملين في منظمات حقوقية وانتقاد قانون الجمعيات الاهلية الذي تراجع عنه السيسي وأمر القضاء بتبرئة المتهمين لتبريد الخلافات مع الأوروبيين وأمريكا بعدما جمدت أمريكا في وقت سابق عدة معونات عسكرية للضغط على سلطة الانقلاب.

وجاء في تحقيقات النيابة التي أثبت الحكم القضائي اليوم أنها “كاذبة” أن “43 متهما منهم 14 مصريا و29 أمريكيا وأوروبيا وعربيا، تلقوا معونات أجنبية بلغت قيمتها 60 مليون دولار، من خلال 68 منظمة حقوقية وجمعية أهلية تعمل في مصر بدون ترخيص”.

تفاصيل الازمة

تعود وقائع قضية “منظمات المجتمع المدني” إلى ديسمبر 2011، حينما اقتحمت قوات الأمن مقرات عدد من منظمات المجتمع المدني الأجنبية وشكّلت لجنة للتحقيق في «قضية منظمات المجتمع المدني» التي انقسمت إلى شقين، أولهما تم تخصيصه للمنظمات الأجنبية العاملة في مصر، وهو الذي صدر حكم بصدده، أما الشق الثاني فيخص المنظمات المحلية، ولا يزال قيد التحقيق حتى الآن.

وفي 4 يونيو 2013، أصدرت محكمة الجنايات أحكامًا بالسجن في هذه القضية تتراوح بين عامين وخمس سنوات لـ 32 متهمًا في القضية، وسنة مع إيقاف التنفيذ لـ 11 آخرين.

كما قررت المحكمة حَل فروع المنظمات الأجنبية المتهمة في القضية وهي: المعهد الجمهوري الأمريكي، والمعهد الديمقراطي الأمريكي، ومنظمة فريدوم هاوس، ومنظمة المركز الدولي الأمريكي للصحفيين، ومنظمة كونراد الألمانية، وإغلاق جميع فروعها في مصر، ومصادرة أموالها وأوراقها بالكامل وجميع ما تم ضبطه بهذه الفروع.

ووجهت “الجنايات” للعاملين بالمنظمات الأجنبية تهمًا بتلقي الأموال من الخارج “بقصد ارتكاب عمل ضار بمصلحة قومية أو المساس باستقلال البلاد أو وحدتها” وإدارة جمعيات بدون ترخيص.

وفي مارس 2012 جري تسديد كفالة الـ 19 أمريكيا بواقع 2 مليون جنيه لكل متهم بإجمالي 38 مليون جنيه، والسماح بسفرهم على طائرة خاصة رغم أنهم متهمون، ليظل المتهمون هم المصريين فقط الذين ينشط قاضي التحقيق المستشار هشام عبد المجيد، في القضية رقم 173 لسنة 2011، في التحقيق معهم حاليا مثل مسئولي مركز النديم لضحايا التعذيب، والشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان وغيرهم.

ثم تنحت المحكمة وجري تشكيل أخرى وتأجيلها إلى أبريل 2012، ثم أعيد فتحها يونيه 2013، بالحكم على الـ 43 موظفا أجنبيا ومصريا بالسجن ما بين عام و5 أعوام، مع إيقاف التنفيذ أو غيابيا، وإغلاق مقار المنظمات الأجنبية الخمسة.

ومنذ ذلك الحين قسمت القضية لجزئين: المنظمات الأجنبية (التي غادرت مصر) والمنظمات المصرية الأهلية المحلية التي لا يزال التحقيق فيها مستمرا حتى الآن والتي كانت خاصة لقانون 84 سنة 2002 الذي جرى تعديله ووضع مزيد من القيود الكبيرة عليها فيه.

محاكمة المصريين فقط!

وفي مارس 2016 أعيد فتح التحقيق في القضية رقم 173 لسنة 2011 الخاصة بالتمويل الأجنبي بعد غلقها 3 سنوات، وقصره على أشخاص ومنظمات مصرية، وصدر قرار قضائي بمصادرة أموال أربعة من الحقوقيين، ثم توالت قرارات المصادرة والمنع والسفر لعشرات الحقوقيين.

وقد انتهت هيئة التحقيق التي يرأسها القاضي هشام عبد المجيد، من التحقيقات في القضية بنسبة 90 بالمائة تقريبا، وهناك قرابة 30 حقوقي جميعهم ممنوعون من السفر ومعظمهم ممنوع من التصرف في أمواله، يتوقع محاكمتهم قريبا.

والغريب أن الشق الثاني من قضية التمويل الأجنبي الذي لم يجري تبرئة المتهمين المصريين فيه ولا تزال التحقيقات معهم مستمرة، تضمن إدانة منظمات مصرية وبراءة أو تغافل عن عمل منظمات إماراتية لأن الإمارات حليف لسلطة الانقلاب.

فأشهر المنظمات المحلية المتهمة هي: الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان/ المنظمة المصرية لحقوق الإنسان/ المجموعة المتحدة للاستشارات القانونية/ مركز دعم التنمية والتأهيل المؤسسي/ المكتب العربي للقانون/ عالم واحد للتنمية ورعاية المجتمع/ مركز الحق للديمقراطية/ المؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني/ اتحاد المحامين النسائي/ الأكاديمية الديمقراطية .. ألخ

أما المنظمات المدعومة من الإمارات ومستثناه فهي تنقسم إلى: مؤسسات ومراكز إعلامية وبحثية تمولها الإارات جري استثناؤها من المحاسبة على تلقيها تمويل إماراتي منها: “المركز العربي للبحوث والدراسات” الذي يرأس مجلس إداراته الصحفي وعضو مجلس نواب العسكر، عبد الرحيم علي، والذي لم يرد اسمه في قوائم المنظمات التي تتلقى تمويلًا من الامارات؛ بل توسع نشاطه بصورة مشبوهة، وافتتح موقعا إلكترونيا وصحيفة بمرتبات مجزية للصحفيين المقربين من الإمارات.

أيضا “المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية” الذي يديره نائب رئيس مباحث أمن الدولة الأسبق اللواء عبد الحميد خيرت، ومقره حي المعادي، ويصدر مجلة “رؤية الغد” الشهرية، إضافة إلى موقع المرصد “المرصد الأمني سابقًا”، وتموله الإمارات.