ليس بالدعاء وحده يسقط العسكر

- ‎فيمقالات

 

بقلم: عامر شماخ

 

سألني -يائسًا-: دعونا الله كثيرًا، وبذلنا الجهد فى هذا الجانب فلِمَ لَمْ يستجب لنا؟!. أجبته: ليس بالدعاء وحده يسقط العسكر، ولو كان الأمر كما تظن ما جرى للأنبياء -وهم أحب الخلق إلى الله- ما جرى لهم؛ من أذى وتنكيل وصل إلى حد القتل والسجن والطرد من ديارهم..

 

يا صديقي!! أمرنا الله بالدعاء، ووعدنا بالإجابة، لكنه أمرنا كذلك بالسعى والجهاد -بأنواعه- وهو ما سوف نحاسب عليه، وإذا كان الله قد أخر الاستجابة فلعل فى ذلك مصلحة وخيرًا للداعي، أو لعل فى عمله تقصيرًا، أو لعله على معصية، وفى الحالات الثلاث فإن الله لا يظلم الناس شيئًا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون..

 

يا صديقي!! لا تستعجل رحيل العسكر، فإن فى العجلة الندامة، فالشعب لم يستوِ بعدُ على سوقه، والناس في حاجة إلى الاكتواء بنيران الجنرالات الذين خدعوهم وأضلوهم عن سواء السبيل، أو لا تذكر يا صديقى أننا استعجلنا قطف ثمار الثورة المباركة فى 25 يناير فوقع ما وقع؟! أو لا تذكر أن ديننا نهانا عن العجلة والخفة، وأرشدنا إلى أن السالكين طريق الإصلاح لا بد أن يلزموا غرس من سبقوهم فى هذا الطريق مهما طال السير فيه، ومهما كثرت أشواكه وتعددت مزالقه؟! إن نوحًا عليه السلام لبث فى قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، قضاها عرضة لسخريتهم واستهزائهم، وهو الفاضل الكريم، ولا يصح أن نتهمه أنه كان مقصرًا فى الدعاء لربه واستمطار رحماته؛ لا يصح ذلك لعلمنا أنهم -عليهم السلام جميعًا- أهل التقوى والذكر والقنوت.

 

أقول: لم يعاتب نوح ربه -وحاشاه أن يفعل ذلك- لتأخره فى الاستجابة له، بل ظل على مبدئه وعقيدته ووظيفته التى أرسله الله بها إلى قومه، بل علمنا من كتاب الله أنه تفنن فى دعوتهم، فلم يترك بابًا إلا طرقه، ولم يدع طريقًا إلا سلكه، وتودد إلى القريب والبعيد، والشريف والحقير.. غير أن إرادة الله كانت أن يقع هذا (السيناريو) كما قرأناه، حتى إذا جاء وعد الله انتصر الحق، وزهق الباطل، وقُطع دابر الذين كفروا، والحمد لله رب العالمين..

 

يا صديقي!! ليس بالدعاء وحده يسقط العسكر ويرحلون، إنما يتم ذلك بالتصدى لباطلهم، فرادى وجماعات، خفافًا وثقالا، ولا يقعدن أحدكم عن الحركة والفعل مكتفيا بالذكر والدعاء.. يقول أمرنا بالدعاء، متناسيًا أنه أمر أيضًا بالسعى والجهاد ومنازلة المجرمين، ولا يفعل هذا إلا عاجز، ليس مستعدًا للتضحية أو بذل شيء، من نفس أو مال، وما كان هذا من صنع الأنبياء والدعاة والمصلحين فى شيء، إنما فعل هؤلاء الأفاضل ألا يذوقوا الراحة حتى يندحر الظالم، ويتوارى الفاسد المنافق، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.

 

نحن الآن يا صديقى في حاجة إلى المتميزين إعلاميا؛ لكى يردوا على المضللين المزورين، ولكن يبدعوا فى مجالهم حتى تصل الحقيقة إلى المغيبين والمقهورين والجاهلين، ونحن في حاجة كذلك إلى المتميزين سياسيا؛ للرد على أباطيل المخادعين الفاسدين، ودحض ترهاتهم ونظرياتهم التى ما أنزل الله بها من سلطان، ونحن في حاجة أيضًا إلى دبلوماسيين خبراء بهذا المجال؛ للتخذيل عنا، ولتحييد أطراف سمعوا عنا ولم يسمعوا منا..

 

كما نحن في حاجة إلى متميزين فى باقى المجالات الأخرى، التى من شأنها إزهاق الباطل وأهله، ورفع الحق وأهله، ولا يكون كل ذلك بالدعاء وحده، إنما يسبق الدعاء الإعداد الجيد، والصبر على ذلك، والإخلاص لأجل عقيدة التوحيد، ونبذ ما عداها من عقائد ومبادئ وملل فاسدةإننى لا أقلل يا صديقى من فعل أهل الشرعية، فإنهم -والله- قد أدوا ما عليهم وزيادة، وإننا واثقون بأن العاقبة ستكون لهم إن شاء الله.. لكننى أحذر من حالة اليأس والقنوط التى غلبت على البعض فانحرفت بهم عن الطريق التى سلكوها منذ البداية، وأذكرهم بسيرة نبينا صلى الله عليه وسلم الذى استن فن الدعاء، وفى الوقت ذاته كان يبذل أقصى الطاقة، ويأخذ بكل الأسباب حتى لا يبقى سبب لم يأخذ به، فإذا انتهى من ذلك شرع فى الدعاء، حدث هذا فى مواقفه العصيبة كلها، فلم نعلم أنه اعتمد على الدعاء وحده دون السعى وأخذ.

 

وكان صلى الله عليه وسلم إذا دعا أسهب وطوّل حتى قال له الصدِّيق يوم بدر: «حسبك يا رسول الله لقد ألححت على ربك». إن الدعاء والإرادة الصلبة صنوان لا يفترقان، والنظر إلى السماء قرين الصبر على مشاق طريق الإصلاح، لا ينفصلان، والعمل بأحدهما دون الآخر نقص لا يكتمل، يحتاج صاحبه إلى النظر فى إيمانه، فأما من ادّعى أن الله لم ينصره رغم دعائه فلينظر إلى حاله، بربه أولا، ثم حاله بالخلق ثانيا.

 

ولقد عاتب الله -تعالي- نبيه يونس -عليه السلام- بل عاقبه بالتقام الحوت له؛ لأنه استصعب الدور المنوط به، قبل أن يتفطن لذلك ويعتذر، وقد ظن أن الناس كلهم مؤمنون، وهذا خلاف ناموس الله فى كونه، فإلى يوم القيامة سينقسم الناس إلى مؤمنين وكافرين، وبينهما ملل وطوائف أخرى، وعلى أهل الإصلاح التعامل مع هؤلاء جميعًا وكسبهم إلى صفهم، ولا يكون هذا بالدعاء وحده، إنما يكون بالحجة والمنطق، والعمل والكد والفكر والإبداع، ثم يأتى الدعاء تتويجًا لها وخاتمًا بتوفيق الله وإحسانه، ومنِّه وفضله.. تحياتى يا صديقى العزيز.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها