تأتي تأكيدات التحقيقات البريطانية وشهادات المقربين من ملفه الحقوقي والإنساني بأن حياة الرئيس محمد مرسي في خطر يهدد الرئيس الصامد بالتصفية الجسدية نتيجة الإهمال الطبي داخل محبسه.
وكان المحامي محمد الدماطي، عضو هيئة الدفاع عن الرئيس محمد مرسي، كشف مؤخرًا أن الرئيس يتعرض للتصفية الجسدية داخل سجنه، مؤكدًا أن صموده وثباته على موقفه السبب الرئيسي في رفض نظام الانقلاب الإفراج عنه.
وحذر الدماطي، خلال حواره مع صحيفة “الشرق” القطرية الخميس الماضي، من تدهور صحة الرئيس مرسي، محملاً نظام الانقلاب مسئولية تعرضه لأي مكروه.
اضطهاد الأسرة
اضطهاد مرسي بعد عزله يبدو أنه لم يشفِ غليل قادة الانقلاب؛ حيث توجهت أنظارهم نحو التنكيل بأبنائه، فبدأت حملة تشويه وهجوم شرسة على أسرته في مطلع عام 2014.
وفي العام نفسه، وتحديدًا في يوليو 2014، قامت قوات الأمن باعتقال “عبد الله مرسي (19 عامًا آنذاك)”، وهو أصغر أبناء مرسي، بعد اتهامه وزميل له بحيازة “سيجارتي حشيش” داخل سيارة ملاكي بالعبور.
وعقب إحالته إلى محكمة الجنايات، حُكم عليه بالسجن عامًا وغرامة 10 آلاف جنيه، ليقضي عامًا في السجن ويُخلى سبيله عام 2015، وهو ما اعتبرته أسرته آنذاك انتقامًا سياسيًّا وتصفية حسابات.
شقيق مرسي لم يسلم هو الآخر من الاعتقال؛ حيث شنت قوات الأمن حملة مداهمات لمنزل مرسي بالشرقية مرتين: الأولى كانت في يناير 2016، والثانية كانت في سبتمبر من العام نفسه.
وفي المرتين اعتقلت قوات الأمن شقيق مرسي، ويدعي سعيد مرسي (56 عامًا)، واتهمته في المرتين بالتحريض على العنف، ثم أخلت سبيله لاحقًا.
نجل الدكتور محمد مرسي الأكبر “أسامة”، والمتحدث الرسمي باسم أسرته، لم يسلم هو الآخر من الاعتقال؛ حيث قامت قوات أمن الانقلاب في الثامن من ديسمبر 2016، باعتقاله من منزله بالشرقية دون أن توجه له تهمًا واضحة.
وتم اتهام أسامة مرسي بحيازة سلاح أبيض، حكم عليه بناء عليه بالسجن 3 سنوات، وهو الأمر الذي أثار دهشة كثير من المتابعين، خصوصًا وأن إجراءات التقاضي كانت سريعة، والحكم جاء مبالغًا فيه.
قريته في مرمى الانتقام
الأمر لم يتوقف عند اعتقال مرسي وأبنائه وأشقائه، لكن تطور لاضطهاد قريته؛ مسقط رأسه بكاملها؛ حيث عانت قرية “العدوة”، التابعة لمركز ههيا بالشرقية، من اقتحامات متكررة على يد قوات الأمن بعد الثالث من يوليو 2013.
القرية التي يسكنها نحو 16 ألف نسمة ظلت لعدة أشهر مُعرضة لاقتحامات متكررة على يد قوات الأمن. وبات أهالي القرية أنفسهم معرضين للقمع والاعتقال فقط لكونهم من سكان قرية العدوة، ويقول بعض أهال القرية: “أصبحنا نتحمل عبء أننا من أهل القرية التي وُلد فيها الرئيس مرسي، فأصبحت جريمة نعاقب عليها، فمجرد خروجنا خارجها ويستوقفنا أحد الكمائن ويرى الضباط البطاقة مكتوبًا بها أننا من قرية العدوة حتى يقوم بتفتيشنا، وفحص حالتنا الجنائية، وبعدها يتركنا.
شكوى الرئيس
وأوضح الدماطي أن الرئيس مرسي شكى لهيئة الدفاع في آخر جلسة له من تدهور حاد في حالته الصحية واضطراب شديد في نسبة السكر في الدم، ووجود مشاكل في العين اليسري، وطلب من هيئة المحكمة نقله لمستشفى خاص للعلاج على نفقته الشخصية، ومن خلال أطباء متخصصين، غير أن المحكمة رفضت طلبه، وردت عليه بأن اللوائح المنظمة لعمل مصلحة السجون تشترط وجود طبيب شرعي مع أطباء المصلحة لإجراء الكشف عليه.
وشدد عضو هيئة الدفاع عن الرئيس على أن “كل هذه الأفعال تشكل مخالفة للقانون والدستور، وحتى لوائح مصلحة السجون والعهد العالمي لحقوق الإنسان، خاصة أن هذه المواثيق تعطي حقوقًا للسجين الصادرة ضده أحكامًا نهائية، سواء في الطعام أو الزيارة أو لقاء هيئة الدفاع عنه، ما دام يخضع للمحاكمة في قضايا أخرى.. لكن من خلال معلومات موثقة فإن الرئيس مرسي لا يتمتع بأيٍّ من هذه الحقوق”.
وأضاف أن “مثل هذه المعاناة والتدهور الحاد في صحة الرئيس مرسي، ووجود خطر على حياته وطبقًا لقوانين مصلحة السجون أيضًا خصوصًا المادتين 36 و37، يجب الإفراج الصحي عنه”.
بين الأحكام والتصفية
وبعدما أصدرت محكمة النقض، افي سبتمبر الماضي، حكمها بتأييد حكم السجن المؤبد ضد الرئيس محمد مرسي في هزلية “التخابر مع قطر”، ارتفعت مجمل الأحكام النهائية الصادرة ضده إلى 45 عاما، إذا أضيف إليها الحكم النهائي الصادر ضده في قضية “أحداث الاتحادية”.
ففي 22 أكتوبر 2016، أصدرت محكمة النقض، أول حكم نهائي وبات ضد الرئيس مرسي، والقاضي بالسجن 20 عامًا، لاتهامه في قضية “أحداث الاتحادية”، وذلك بعدما رفضت المحكمة الطعن المقدم من دفاعه على الحكم الذي سبق وأصدرته محكمة جنايات القاهرة.
انتقام وتصفية حسابات
وفي أكتوبر الماضي، جاء حكم محكمة جنح ثان الزقازيق القاضي بالسجن 3 سنوات لأسامة محمد مرسي؛ نجل الرئيس محمد مرسي، بعد اتهامه بحيازة سلاح أبيض، ضمن سلسلة طويلة من الحرب النفسية ضد الرئيس والاضطهاد والقمع اللذين تتعرض لهما أسرة “مرسي”، منذ اليوم الأول للانقلاب عليه.
القمع والاضطهاد اللذان تعرضت لهما أسرة مرسي بدآ به شخصيًّا؛ حيث تم اقتياده لمكان مجهول بعد أقل من ساعة على بيان الانقلاب عليه، الذي ألقاه عبد الفتاح السيسي، وأُخفي قسريًّا لعدة أشهر حتى ظهر بعدها في قفص زجاجي بمحكمة جنايات القاهرة، ووجد نفسه متهمًا بعدة قضايا.
استمرت عشرات الجلسات التي حوكم فيها مرسي بقضايا مختلفة لتصدر بحقه أحكام بالسجن في تهم مختلفة، منها: التخابر مع قطر، وقضية الاتحادية، وقضية الهروب الكبير، وغيرها من القضايا.
وفيما يقترب من 5 سنوات قضاها مرسي خلف القضبان، حُرم من زيارة أسرته له، باستثناء واحدة تمت في يونيو الماضي سُمح له فيها بلقاء زوجته وابنته، دون أن يسمح له بمقابلة أبنائه الذكور، وذلك بعد عشرات المناشدات والبيانات الحقوقية المطالبة بتمكينه من أدنى حقوقه الإنسانية.
إلى جانب المنع من الزيارة والأحكام القضائية القاسية، تعرض الرئيس داخل محبسه لبعض المحاولات التي شكلت خطورة على حياته، كما صرح هو شخصيًّا بذلك من داخل قفص محاكمته في مايو الماضي، حين طالب بتمكينه من لقاء محاميه لأمور تمس حياته الشخصية، والتي أصبحت في خطر، وفقًا لقوله.
ولا تتوقف وسائل الإعلام المؤيدة للسلطة عن محاولة تشويه صورة الدكتور مرسي واتهامه بالجاسوسية والعمالة والخيانة، والمطالبة بإعدامه بين الحين والآخر في صورة مثيرة للجدل.
لماذا التنكيل؟
ولعل السر في حالة الانتقام التي تمارس ضد مرسي، هو تمسكه بشرعيته الدستورية كحاكم للبلاد، وعدم اعتراف أسرته بشرعية السيسي، وتمسكهم بذلك في أكثر من بيان وتصريح هي أهم الأسباب التي جعلت السلطة تنكل بهم وتقمعهم بكل الأشكال والطرق، أملاً منها في أن يتنازل مرسي أو أحد أفراد أسرته عن هذا المطلب الذي يظل تحديًا للنظام القائم.
ورغم المناشدات الدولية تمكين الرئيس من حقه بالعلاج فإن النظام يصم أذنيه عن تلبية ذلك، في اعتقاد منه أن مجرد توفير الحق للرئيس مرسي هو انتصار لصمود الرئيس، الذي كان وما يزال يراهن نظام الانقلاب على إخضاعه واعلان تسليمه واعتراف بشرعية المنقلب.
تراجع حقوق الإنسان
وبحسب خبراء وسياسيين فإن تردي الأوضاع الحقوقية بمجملها في مصر، راجع إلى أن انظام لديه اعتقاد بأنه سيفقد التحكم في زمام الأمور إذا سمح للمعارضة أن تدلي بدلوها في الملفات المهمة وتفضح ممارساته الكارثية بل قد يصل الأمر لإزاحته.. وأن الخلفية العسكرية لمن يديرون النظام حاليا هي التي أوصلتنا لهذا الوضع الكارثي حيث تسببت مواقف السيسي السياسية، وانفراده بالقرار كما حدث في التوقيع على اتفاق المبادئ الخاص بسد النهضة، بتعريض مصر للفناء بالمعني الحرفي للكلمة، علماً بان توقيعه على ملف سد النهضة أخطر بكثير من تنازله عن “تيران وصنافير”.
مصير مجهول
تلك الممارسات الغاشمة والتي تعودت عليها النظم العسكرية بحكم خلفيتها العسكرية التي لا تصلح بالطبع للحياة المدنية، تعتمد القوة الغاشمة في التعاطي، مع كافة الامور، وهو ما عبر عنه السيسي في مطالباته للقوات المسلحة باستعمال القوة الغاشمة في سيناء وفي عموم مصر.
ولعل استعمال القوة الغاشمة مع عموم السجناء في مصر افرزت العديد من الضحايا الذين قتلوا تحت التعذيب أو بالإهمال الطبي، وهو ما يخشى مع شخص الرئيس مرسي.
اليوم التالي!
ولعل مخاطر سياسية عدة تحوط بمسألة الرئيس مرسي، في حال أصابه مكروه في السجن، وهو ما لا يدركه النظام الانقلابي، إذ ستتحول مصر لساحة عراك مجتمعي وتظاهرات عارمة في كل مكان، بسبب إصرار السيسي وانقلابه على تصفية رمز لكل الثورة المصرية، في كامن نفوس المصريين وفي ظاهر عقول وأفكار وألسنة الثوار.
وهو سيناريو كارثي على مصر، في حال قُتل الرئيس مرسي بدم بارد؛ إذ إن كثيرًا من القطاعات الشبابية يمكن أن يخرج عن طوع الجميع في التعبير عن غضبها، أو أن تكون ردود فعلها طاغية عن توقعات السياسيين؛ وذلك لأن القضية التي يحاول قادة الانقلاب تصفيتها، بالإجهاز على رموز الحكم الديمقراطي داخل محابسهم، لن تنتهي بالتخلص منهم، فالقضية الآن هي قضية الشعب المصري بأكمله، ولن يتراجع الثوار عن كسر الانقلاب.
