قانون البحوث الطبية والإكلينيكية بين العسكرة وتحويل المصريين لفئران تجارب

- ‎فيتقارير

خلال مناقشة قانون البحوث الطبية في برلمان الانقلاب على مدار اليومين الماضيين، تجلت العقلية العسكرية الحاكمة في مصر والتي لا تريد سوى السيطرة على كل شيء، حيث اشترط ممثل وزارة الدفاع موافقة المخابرات العامة على عمل المراكز البحثية العاملة في البحوث الطبية والاكلينيكية، وهو ما يعد تدخلا سافرا في البحث العلمي، الذي يواجه تراجعا كبيرا في مصر منذ عهد الانقلاب العسكري.

وطالب اللواء خالد عيسى عامر، ممثل وزارة الدفاع، بتبني مطالب وزارة الدفاع في اللائحة التنفيذية للقانون.
موضحا في البرلمان، اليوم الخميس، أنه تم عرض مشروع قانون تنظيم البحوث الإكلينيكية في وقت سابق على الوزارة والاتفاق على مجمل المواد، كما شهد بعضها عدة تعديلات.

وطالب ممثل وزارة الدفاع بالاجتماع، بضرورة مناقشة آليات التفتيش بشكل واضح للمنشآت العسكرية، بلائحة القانون التنفيذية، مضيفا: “وهذا الأمر لا يعد تنصلا من المسئولية، ولكن التجارب ليست دواء فقط، ولا سيما في ظل وجود أبحاث تجرى ليس لها علاقة بالدواء”.

ودعا لتشكيل لجنة معنية للتفتيش والتعامل مع الجهات المعنية بشفافية ورقابية، معلنا تأييد الوزارة للمادة العاشرة والتي تنص على تشكيل اللجنة المؤسسية لأخلاقيات البحوث الطبية الإكلينيكية وربط لجانها الفرعية بلجنة مركزية.

وأشاد ممثل الدفاع بالمادة ٢٥ فقرة ٤، والتي تنص على عدم خروج أية عينات بشرية تخص البحوث الطبية من جمهورية مصر العربية، لأي غرض، ويستثنى من ذلك حالة الضرورة التي يصدر بها قرار بالموافقة من المجلس الأعلى بعد استطلاع رأي جهاز المخابرات العامة، على النحو الموضح الذي تبينه اللائحة التنفيذية في اللائحة التنفيذية.

رفض ديني

وكان الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، انتقد مشروع قانون التجارب الطبية الذي يتم عرضه على مجلس النواب الآن، حيث قال كريمة إن تطبيق هذا القانون يعد مخالفة صريحة لتعاليم الإسلام والسنة النبوية التي أعلت من قيمة الإنسان وكرامته، وفيه إهانة بالغة للمصريين.

ووجه كريمة تساؤلا لأعضاء مجلس النواب، قائلاً: هل يقبل أحد منكم أن يكون حقل تجارب للأدوية هو أو أحد أفراد أسرته؟، وأردف كريمة قائلا: “أنتم تعيشون في برج عاجي، عايزين تعملوا تجارب على الفقراء والمشردين”.

وتابع “كريمة” أن هناك الكثير من النصوص في القرآن الكريم تمنع ذلك، حيث قال تعالى في كتابه العزيز: “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين”، وقال تعالى: “ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا، ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا، وقال تعالى: “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا”.

وهناك قواعد فقهية منها سد الذرائع، وما أدى إلى الحرام فهو حرام، ودفع المفاسد مقدم على جلب المنافع، وبما أن الإنسان لا يملك جسده وإنما هو مستخلف فيه فبالتالي لا يحق لأحد أن يقوم بإجراء التجارب عليه.

إجراء التجارب على المحكوم عليهم بالإعدام والفقراء

وبحسب “كريمة”، فإن مشروع القانون ينص على أن تجرى التجارب على الفقراء والمشردين والمحكوم عليهم بالإعدام، والتجارب الطبية ليست مؤكدة النتيجة وتسبب فشلا كلويا وسرطانا، والقاعدة تقول: لا ضرر ولا ضرار، ومن باب أولى أن يتم إجراء التجارب على الحيوانات، والفقه الإسلامي ينص على أن من يعطي دواء بالخطأ لمريض عليه دفع تعويض له.

وأشار “كريمة” إلى أن مشروع القانون لم يعرض على الأزهر ورجال الدين، ونحن دولة إسلامية والدستور ينص على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع.

حقل تجارب

ومن جانبها قالت الدكتورة ماجدة قطب، أستاذ طب الأطفال بجامعة القاهرة، إن قانون التجارب الطبية يفتح الباب أمام الدول الأجنبية التي هي بلد المنشأ للأدوية لتحول المريض المصرى لحقل تجارب.

وأضافت قطب: “القانون لم يتطرق إلى نقاط حماية للمواطن المصرى، وابن سينا عندما قرر إجراء جراحة لاختراع أدوية لعلاج المرضى ألزمه العلماء بدفع دية للمريض في حال إصابته بشيء، وفي ذلك الوقت تم وضع قرار بتحديد 100 ناقة تعويضا لكل مريض يتم التجارب الطبية عليه”.

مشروع القانون

وينص مشروع القانون الذي يتضمن 12 فصلًا، على إنشاء مجلس أعلى للبحوث ويشكل بقرار من وزير الصحة، وله مهمة وضع الضوابط الخاصة بالبحث وأخلاقياته، واشترط أن يرسل المجلس الأبحاث الطبية إلى جهاز المخابرات العامة لاستطلاع الرأي بفرض الحفاظ على الأمن القومي، وأيضًا أحكام استخدام العينات البشرية الخاصة بالبحوث الطبية واللجان المؤسسية.

ويمنح القانون صفة الضبطية القضائية للموظفين القائمين على تنفيذه، وأيضًا مراحل إجراء الأبحاث الطبية الإكلينيكية وحقوق المبحوثين والالتزامات الملقاة على راعي البحث الطبي.

محاذير طبية

فيما تقدم المركز المصري للحق في الدواء بمذكرة للجنة الصحة بمجلس النواب، تتضمن بعض الملاحظات حول مشروع قانون التجارب السريرية (قانون تنظيم البحوث الطبية والإكلينيكية).

وأشار المركز إلى أن تلك الأبحاث أو التجارب التي تتم في مصر حاليا غير أخلاقية، حيث تتم فى عدد من الوحدات الصحية دون وجود أي قانون منظم سوى قرار وزارى لإحكام القبضة على الممارسات غير الأخلاقية.

وتضمنت ملاحظات المركز أن يتم الأخذ فى الاعتبار عدم الموافقة على أي أبحاث أو تدخلات بحثية طبية دون حصول الجهة على اعتماد للبحث فى دولة المنشأ؛ حتى لا يتحول المريض المصرى لحقل للتجارب، بما لا يتعارض مع المادة 60 من الدستور المصرى الذى يحرم الاعتداء على جسد الإنسان أو تشويهه.

كما شدد المركز على ضرورة أن يتوافق البحث والتدخل الطبى مع المعايير الأساسية لسلامة المريض، ووضع إرشادات الممارسات السريرية الجيدة (GCP) العالمية المتبعة وفق إعلان هلسنكى الصادر 1964، وألا يتم تجربة أي علاج أو مستحضر جديد دون توافر أدلة كافية تؤكد انتفاء الضرر منه واعتماده دوليا، مع وضع زمن للأبحاث، وأن لا تتكرر هذه الأبحاث حال فشلها مرة أخرى.

مخاطر العسكرة

ويعد التدخل السافر من قبل وزارة الدفاع المتحكمة في كل شيء في مصر، خطوة خطيرة نحو عسكرة البحث العلمي، وتحويله للبيزنس الذي يعشقه العسكر.

وبحسب مراقبين، فإن هذا التدخل أحد أسباب تدمير البحث العلمي ورفع مصر من خريطة الأبحاث، وترك الأمر للجهات الأمنية تحتكر ذلك.

حيث إن الانقلاب العسكري يريد سيطرة الأمن على كل شيء في مصر حتى البحث العلمي، واحتكار الجيش له وحده.

ويعاني البحث العلمي في مصر، من أزمات الإهمال والتهميش في موازنات الدولة منذ الانقلاب العسكري، وبالرغم من أن الدستور يدعو إلى تخصيص نسبة لا تقل عن 1% لدفعه، وهو ما جرى تجاهله مع نصوص أخرى فى الدستور، فلم يتحقق حتى الآن!.

وقد اندثرت في الفترة الأخيرة العشرات من المراكز البحثية؛ بسبب ضعف التمويل الحكومى ثم الصعوبات المتزايدة فى الحصول على ما يعوض نقص التمويل المحلى أو عدم وجوده أصلا. وفق الدكتور مصطفى كامل السيد.

وبحسب دراسات، فإن المشكلة الحقيقية تكمن فى إدارة البحث العلمى وسياساته، وليس فى تمويل الأبحاث العلمية، بلغ عدد الباحثين فى مصر 125 ألفا فى عام 2014 وطبقاً لليونيسكو، فإن 1.5 من ألف عامل فى مصر يعملون فى البحث العلمى، بينما كانت النسبة 11 فى سنغافورة، و7.9 فى أمريكا، و7.8 فى بريطانيا، أما إسرائيل فكانت النسبة 16 من ألف عامل يعملون فى البحث العلمى، وأما عن إنتاج مصر فى الأوراق البحثية، فجاءت مصر فى المرتبة 31 فى إنتاجية الأوراق البحثية فى مجال التكنولوجيا الحيوية فى عام 2016، وجاءت إسرائيل فى المرتبة الـ41 فى العام نفسه، والمثير للجدل فى هذا أنه فى عام 2014 تم استثمار 801 مليون دولار فى 167 شركة ناشئة إسرائيلية فى مجال التكنولوجيا الحيوية.

بينما كان الأمر أقل من عدد أصابع اليد الواحدة، سواء كان فى الاستثمار، أو عدد الشركات الناشئة فى مجال التكنولوجيا الحيوية، وهذا ليس بسبب التمويل فى مصر، ولكن بسبب غياب الرؤية وتدهور حالة حقوق الملكية الفكرية، والهجرة الجماعية للعلماء خارج مصر، مع وجود قوانين تمنع الباحثين فى الجامعات الحكومية من إنشاء شركات ناشئة، فنستطيع أن نقول إن إنتاج مصر فى البحث العلمى، لا يساعد فى تقدم الإنسانية، ولكنه يساعد فى التقدم للترقية.