يواصل نظام العسكر الدموي ارتكاب جريمة الإخفاء القسري بحق الأحرار الرافضين لانقلابه الدموي، وعدم الاعتراف بنظام قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي.
ورغم الإدانات الدولية والشجب الحقوقي، لا يتوقف العسكر عن تلك الجريمة الشنعاء وغيرها، معتمدين فى ذلك على رضا الصهاينة والأمريكان، وغض النظام العالمي والأمم المتحدة الطرف عن جرائمهم.
وتتورط سلطات العسكر فى ممارسة الاختفاء القسري ضد معارضين وصحفيين وناشطي حقوق إنسان، رغم ما يمثله ذلك من جريمة ضد الإنسانية وانتهاك صارخ للقوانين والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
ومع المطالبات المستمرة لنظام العسكر بضرورة التوقف عن الإخفاء القسري- وما يترتب عليه من منع الحماية القانونية عن الأشخاص المختفين وزيادة تعرضهم للتعذيب- تكشف الممارسات الأمنية استمرار أجهزة أمن الانقلاب في ارتكاب تلك الجريمة .
كانت منظمة العفو الدولية “أمنستي” قد كشفت عن أن 710 أشخاص على الأقل في دولة العسكر قد تعرضوا خلال العام 2019 لإخفاء قسري، لمدد متباينة وصلت إلى 183 يومًا، مشيرة إلى استمرار تفشي التعذيب في مراكز الاحتجاز ومعتقلات العسكر .
وقالت المنظمة، فى تقريرها السنوي حول أوضاع حقوق الإنسان في العالم: إن قوات أمن الانقلاب ألقت القبض “تعسفيا” على نحو 20 صحفيا على الأقل، بسبب تعبيرهم السلمي عن آرائهم .
وأضافت: واجهت الأحزاب السياسية أيضا قيودا تعسفية على ممارسة عملها وحملات قبض على أعضائها .
ولفتت المنظمة إلى تزايد استهداف الحقوقيين بحملات الاعتقال والتعذيب والاحتجاز، إضافة إلى الاستخدام المفرط للمحاكم الاستثنائية، بما فيها المحاكم العسكرية ومحاكم أمن الدولة. واستنكرت عدم قيام السلطات بمحاكمة من زعم أنهم ارتكبوا التعذيب إلا في حالات نادرة .
آلاف الشكاوى
كما كشف مجلس جنيف للحقوق والحريات عن تلقيه آلاف الشكاوى عن حالات اختفاء قسري في دولة العسكر، تشمل طلابا ونشطاء ومتظاهرين، مشيرا إلى أن سلطات العسكر تعتمد على الإخفاء القسري كوسيلة لترهيب المعارضين وتكريس قمع الحريات.
وأكد المجلس أنَّ سلطات العسكر ترفض التعاون مع المنظمات الحقوقية للكشف عن حالات الإخفاء القسري، بما يثبت تورطها بالتزامن مع تقليص مسـاحة المجتمع المدني واستهداف النشطاء الحقوقيين الذين يعملون على توثيق جريمة الإخفاء القسري من جانب قوات أمن الانقلاب .
وطالب بإرسال بعثة من لجنة الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري التابعة للأمم المتحدة إلى دولة العسكر، للكشف عن الأسباب الأساسية لحالات الحرمان التعسفي من الحرية والاختفاء القسري للنشطاء الحقوقيين والصحفيين والمعارضين السياسيين، والضغط على العسكر لوقف انتهاكاتهم لحقوق الإنسان والتي تخالف كافة المواثيق والقوانين الدولية.
وشدد المجلس على ضرورة ضمان حرية المجتمع المدني والحماية من الاعتقال التعسفي والاستهداف والتعذيب المنصوص عليها في الدستور المصري، والذي يكفل حرية العمل السياسي.
الجنائية الدولية
من جهتها تعرّف المحكمة الجنائية الدولية، الاختفاء القسري بأنه: “إلقاء القبض على أي شخص، أو احتجازه، أو اختطافه من قبل دولة أو منظمة سياسية، أو بإذن أو دعم منها لهذا الفعل أو بسكوتها عليه، ثم رفضها الإقرار بحرمان هؤلاء الأشخاص من حريتهم أو إعطاء معلومات عن مصيرهم أو عن أماكن وجودهم بهدف حرمانهم من حماية القانون لفترة زمنية طويلة”.
وجاء في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لسنة 1998، أن تورط قوات الشرطة في القبض على الأفراد وتعمّدها إنكار ذلك أو حجب حقيقة ما حدث للمقبوض عليهم عند سؤال ذويهم، ممَّا يترتب عليه وضع هؤلاء خارج حماية القانون، هو الأمر الذي يرقى إلى تعريف الاختفاء القسري، والذي يُعدّ أحد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تعتبر من بين الجرائم ضد الإنسانية.
أعداء المجتمعات
من جانبه قال بول سيلز، نائب رئيس المركز الدولي للعدالة الانتقالية: إنّ ممارسة الاختفاء القسري كتكتيك تعتمده الدولة ترجع إلى تاريخ بعيد، فهي قد دخلت دائرة الضوء خلال الثمانينيات عندما بدأت الأرجنتين بمحاسبة المسئولين عنها. مشيرا إلى أنه تمّ تعيين الثلاثين من أغسطس اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري في الأمم المتّحدة.
وأشار إلى أنه من أهمّ التطوّرات في مجال حماية حقوق الإنسان في السنوات الأخيرة، الاتفاقية الدوليّة لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري التي دخلت حيّز التنفيذ في 23 ديسمبر 2012.
وأوضح سيلز، في تصريحات صحفية، أن الرسالة الأساسيّة التي يجب إيصالها اليوم هي أنّه يجب وضع حدّ للإخفاء القسري، وأنّ هذه الممارسة غير مقبولة في أيّ ظرف من الظروف. مشددا على ضرورة معالجة إرث الاختفاءات القسريّة، وأن تتمكن عائلات المختفين قسريا من الوصول إلى الحقائق، وأن يعرفوا أين أُبناؤهم، وما جرى لهم، كما يجب محاسبة المسئولين.
وحذر من أن الإفلات من العقاب يشجع هذا العمل غير الإنساني، مؤكدا أنّ الاختفاء القسري جريمة ضدّ الإنسانيّة.
مجرمون وقتلة
وأكد هيثم أبو خليل، مدير مركز ضحايا لحقوق الإنسان، أنه بالإمكان اللجوء إلى المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة السيسي ورموز نظامه كمجرمين وقتلة، ومحاسبتهم على جرائم الإخفاء القسري والقتل والتعذيب والاعتقالات العشوائية وتصفية المعارضين، مشيرا إلى أن هذا يتطلب أن تقوم دول بهذه المهمة مثل تركيا على سبيل المثال، لأن لها ثقلها الكبير دوليا وإقليميا، ولو حشد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قدرات تركيا ووظف علاقاتها وثقلها الدولي، يمكن أن تفعل هذا الأمر، خاصة لو كان هناك دعم من قطر ودول أخرى مؤمنة بالقضية.
وقال أبو خليل، في تصريحات صحفية: يمكن مساءلة نظام العسكر بداية من رأس السلطة، متمثلة في السيسي ووزراء ومسئولين، وتوجيه الاتهام بشكل واضح لهؤلاء، والمطالبة بمحاكمتهم أمام الجنائية الدولية.
وحول دور المنظمات الحقوقية الدولية مثل هيومن رايتس واتش والمفوضية الأممية لحقوق الإنسان، قال إن دور هذه المنظمات يتمثل “في الجانب الحقوقي البحت، سواء بإصدار بيان أو بإثارة الأمر إعلاميًّا أو الدعم المعنوي، لكن ليس من اختصاصها التحرك باتجاه الجنائية الدولية، ولكن يمكن الاستفادة من بياناتها ودورها الداعم في هذا الأمر.
قضاء السيسي
وقال علاء عبد المنصف، مدير منظمة السلام الدولية لحماية حقوق الإنسان: إن هناك مسئولين من الناحية القانونية عن جرائم الإخفاء القسري والتعذيب والاعتقالات وانتهاكات حقوق الإنسان، سواء بطريق مباشر أو غير مباشر، مؤكدا أن هناك مسئولية على السيسي وكل من شارك معه فى جرائم الإخفاء القسرى والاعتقالات التعسفية وما ترتب عليها.
وأضاف عبد المنصف، في تصريحات صحفية، “أما بالنسبة للمحكمة الجنائية الدولية، فرغم أن مصر غير مصدقة على اتفاقية روما الخاصة بالمحكمة، إلا أنه يمكن إيجاد مخارج قانونية من قبيل تبني منظمة دولية مصر عضو فيها مثل مجلس حقوق الإنسان، أو المفوضية الأممية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، على أن تحيل هذه الجهة الأمر لمجلس الأمن لرفع الأمر للجنائية الدولية ومجلس الأمن، ويمكنه أن يحيل للجنائية الدولية أو يعقد محكمة خاصة يشكلها المجلس، على أن يتأكد المدعي العام بالجنائية الدولية، أن الجرائم التي ارتكبها السيسي ونظامه تدخل في اختصاص المحكمة.
وأكد ان الجهات الحقوقية الدولية تتبنى مثل هذه القضايا رغم ما تتعرض له من ضغوط، ولكن دورها يدور حول البيانات والتوثيق وإصدار الإجراءات القانونية المتعلقة بهذا الأمر.
واعتبر عبد المنصف تحميل هذه الجهات أكثر من حجمها يعد ظلما لها، مؤكدا أنها فيما تصدره وتوثقه أكثر إنصافا من قضاء السيسي.
