نيوم بن سلمان وسيناء السيسي.. ودماء الأبرياء على طريق التهجير القسري

- ‎فيتقارير

ما يجمع بين أحلام الطغاة والمستبدين في كل العصور والأماكن هو الاستهانة بدماء الأبرياء وتدمير حياتهم بلا مقابل إلا بأهداف شيطانية، لا تتناغم إلا مع مخططات صهيونية بتدمير الشخصية الوطنية وقتل الروح الإسلامية والوطنية لصالح مكاسب مالية ومقامرات قد تهدم الأوطان وتجعلها مجرد مرتع لأهواء كل أشقياء العالم، وهو ما يدفع ثمنه الأبرياء.

ففي الوقت الذي هجّر فيه السيسي أكثر من 100 ألف من أهالي سيناء في مناطق سيناء بدعاوى الإرهاب الذي تصنعه الدوائر الصهيو أمريكية وشياطين العسكر، تُدمر سيناء ويُطرد أهلها ويُنزع شجرها وزرعها، من أجل تمهيد الأرض لصفقات مريبة، ومشاريع ضد الدولة المصرية، تُنتهك فيها السيادة وتُضرب فيها الخيانة بأوتادها العميقة ببناء الأسوار لحصار الأشقاء بغزة، وحرمانهم من جميع منافذ الحياة، وغرس الصهاينة فيما وراء خطوط الجيش المصري، الذي تحول جزء منه لمصاص دماء وأرزاق الشعب.

وأسفرت تلك المقامرات المستبدة، التي يقودها السيسي، عن قتل آلاف من أهالي سيناء، بالقصف الجوي والتصفية الجسدية والجوع والحصار أو القتل العشوائي. وهو نفس الأمر الذي يتكرر حاليا في السعودية، على يد محمد بن سلمان.

ولعلّ طموحات محمد بن سلمان التي لا تحترم إنسانية أحد أو حرمة دماء مسلم، تجسدت في مقتل أحد أفراد قبيلة الحويطات الرافضين للمشروع.

وتقطن قبيلة الحويطات العربية العريقة في المساحة المخصصة للمشروع قرب البحر الأحمر، كما تتوزع في الأردن وفلسطين، وسيناء  في مصر.

وتبلغ كلفة مشروع “نيوم” 500 مليار دولار، ويقع على مساحة 26 ألفا و500 كيلومتر مربع، ويسعى من خلاله ولي العهد السعودي “محمد بن سلمان” إلى بناء مشروع سياحي ترفيهي ضخم ينافس إمارة دبي.

ووفق أجندة الحكومة السعودية المعلنة، فإن أول بلدة في منطقة نيوم الاقتصادية، ستكون جاهزة العام الجاري 2020، على أن تكتمل المنطقة كلها بحلول 2025.

الحويطي شهيدا

وفي عام 2017، التقى عدد من أبناء قبيلة الحويطات الإداري للمنطقة الأمير “فهد بن سلطان”، وناشدوه ضمان حق الإقامة لهم في ديارهم، لكنه أبلغهم أنه لا يستطيع مساعدتهم في الدفاع عن أراضيهم.

ومنذ شهور، أطلق ناشطون حملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي؛ للتعبير عن رفضهم الانتقال من أراضيهم تحت وسم “الحويطات ضد ترحيل نيوم”.

وبرز على رأس هذا الحراك، الناشط السعودي “عبدالرحيم الحويطي”، الذي دأب على نشر مقاطع فيديو تظهر استنكاره لتهجيره وأهالي قرية الخريبة شمال غربي السعودية، من ديارهم ورفضهم التعويضات الحكومية.

pic.twitter.com/GsW1H9djxj

وأضاف أن “هناك 9 أشخاص تمت مداهمتهم وأخذهم، وأنا في الطريق، قريبا ما سيداهمون أرضي”.

كما بث في فيديو آخر لقطات تظهر حشودا لسيارات الشرطة تطوّق بيته وبيوت آخرين لإجبارهم على تسليم بيوتهم، متوقعا أن يلقى حتفه جراء موقفه، وهو ما تم لاحقا بقتله ووصفه بأنه “إرهابي”.

وقالت “رئاسة أمن الدولة” السعودي، في بيان، إن “الحويطي قُتل أثناء القبض عليه في منزله بقرية الخريبة في تبوك، عقب مبادرته بإطلاق النار تجاه رجال الأمن ورفضه تسليم نفسه”.

ولم تكشف الرواية الرسمية للسعودية عن سبب محاولة القبض على “الحويطي”، أو القضايا الأمنية التي كان مطلوبا بسببها، غير أن البيان أكد أن المملكة “ستتعامل بكل حزم مع من يحاول الإخلال بالأمن بأي شكل”.

نيوم القاتل

وبحسب مراقبين، فإن مقتل “الحويطي” من غير المرجح أن ينهي أزمة قرية “الخريبة” التي تقع ضمن المراحل الأولى لمشروع “نيوم”، بل ربما تفتح بابا على مصراعيه أمام الشكوك في جدوى المشروع، والانتهاكات الحقوقية المصاحبة له، مع كونه قائما بالأساس على تهجير الأبرياء.

وبموجب المشروع السياحي الضخم، سيجري تنفيذ خطط تهجير ستطال أكثر من 20 ألف شخص من المنطقة لبناء المدينة الجديدة، بحسب صحيفة “وول ستريت جورنال”.

ووفق المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان، فإن شركات دولية متورطة في عملية الإخلاء القسري لسكان المنطقة، من أبرزها مجموعة بوسطن الاستشارية في الولايات المتحدة.

ويطالب الإعلام السعودي قبائل الحويطات بتغليب “المصلحة الوطنية” والتخلي عن أراضيهم مقابل تلقي تعويضات ومساكن بديلة، أسوة بما حدث عند توسيع باحات الحرم المكي، لكن الرافضين للتهجير يرون أنهم سوف يتخلون عن أراضيهم بالأساس لصالح مشروع يهدف إلى التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي.

ويقع المشروع السعودي ضمن أراضٍ داخل الحدود المصرية والأردنية، وعلى تماس مع ميناء “إيلات” الإسرائيلي في الأرض المحتلة على خليج العقبة.

ويقول معارضون للمشروع، إن “نيوم” ستكون أشبه بدولة منفصلة عن المملكة، في كل شيء (تم وضع نظام قضائي وتشريع خاص بها)، حيث سيُسمح بتقديم الخمور، وتوفير نمط متحرر؛ لجذب السياحة العالمية، واحتضان سياح الداخل بدلا من السفر للخارج.

وعلى طريقة علي جمعة في مطالبته بقتل معارضي العسكر “اقتلوهم ريحتهم نتنة”، برز علماء السلطان أيضا، وبرر الداعية السعودي “خالد المزيني”، واقعة قتل “الحويطي”، بالقول عبر “تويتر”: إن “نزع الملكية الخاصة للمصلحة العامة بتعويض عادل أمر مشروع باتفاق الفقهاء، وللدولة إجبار من يرفض ذلك، وهو ما جرى العمل به منذ عهد الخلفاء الراشدين وقرره العلماء”، وفق قوله.

على المحك

وربما يثير مقتل “الحويطي” غضبا في عشيرته، قد يترجم إلى فعل احتجاجي مستقبلا، وهو أمر بالتأكيد سيضر بصورة “بن سلمان”، الذي يعول كثيرا على المشروع، لضخ المزيد من الاستثمارات في الاقتصاد السعودي.

وقد تكون التعويضات السخية طريقا مختصرا لتجاوز تلك الاعتراضات، والحيلولة دون ظهور “حويطي” جديد، مع إمكانية توفير مساكن بديلة لسكان القرى التي سيتم نزع ملكيتها.

لكن ليس من المستبعد أن تثير الحادثة مخاوف لدى الشركات العالمية المعنية بالاستثمار في المشروع الضخم، الذي تشمل مرحلته الأولى بناء 14 فندقا فخما على 5 جزر، إضافة إلى عدد من المنتجعات في جبال قريبة.

وبالنظر إلى معاناة الاقتصاد العالمي والسعودي، جراء جائحة “كورونا”، وانهيار أسعار النفط، فإن مستقبل المشروع الضخم يبقى محفوفا بالمخاطر، لا سيما في ظل وجود أزمة تمويل يعانيها المشروع.

وتمول الرياض “نيوم” جزئيا من قرض مقداره 45 مليار دولار أمريكي حصلت عليه من مجموعة “سوفت بنك” اليابانية، ما يعني أن السعودية تبني المشروع بأموال لا تملكها، خاصة أنها تعاني من عجز كبير في ميزانيتها، يصل إلى 50 مليار دولار خلال 2020.

ومع تضرر الإيرادات من انهيار أسعار النفط، واستمرار أزمة “كورونا”، وإلغاء موسم العمرة، واحتمالية إلغاء موسم الحج أيضا، يمكن القول إن مشروع “نيوم” سيكون عبئا كبيرا على الخزانة السعودية، وربما لن يحقق الجدوى المرجوة منه مستقبلا.