انتهت دراسة حديثة إلى أن انتشار فيروس كورونا "كوفيد ــ19 "أدى إلى انكشاف المجتمع المدني في مرحلة ما بعد انقلاب 30 يونيو 2013م؛ حيث أجرى نظام الانقلاب أكبر عملية تأميم للعمل الخيري في مصر؛ وهو ما انعكس بشكل سلبي على مشهد مكافحة الوباء الذي تقف فيه الحكومة وحيدة وعاجزة دون مساندة حقيقية وجادة من المجتمع، بعد أن أجهز النظام العسكري على قدرات المجتمع المناعية، وأطاح بمصادر قوته، وكرس معاني السلبية واللامسئولية عبر عقود من التجريف والتأميم والطغيان؛ حتى تبقى المؤسسة العسكرية وحدها القادرة على الفعل والتأثير، حتى لو كان عملها محدود النجاح يقوم على اللقطة والشو الإعلامي أكثر من مكافحة جادة لتفشي الوباء واحتوائه.
الدراسة التي نشرها موقع "الشارع السياسي"، أمس الجمعة، تحت عنوان «العمل الخيري بمصر في زمن كورونا.. بين التأميم والتوظيف السياسي»، أشارت إلى أن الجمعيات الخيرية التي كان يديرها الإخوان قبل الانقلاب كانت تقوم بدور مكمل للحكومة منذ عقود؛ بسبب قدرات الحكومة المحدودة والقاصرة، من خلال تشجيع العمل الخيري خاصة في محافظات الصعيد والمناطق الفقيرة بالقاهرة والمحافظات الريفية، وهو ما وفر مظلة كبيرة لملايين الفقراء لم تكن الدولة قادرة على الوصول إليهم (32 مليون شخص وفق بيانات رسمية عام 2018)، والآن وبعد أزمة جائحة كورونا، وفرض حظر التجوال الجزئي وإغلاق المقاهي والمطاعم، وتعطل السياحة، وتوقف أو تقليص عدد العمالة في القطاع الخاص، وتضرر الاقتصاد غير الرسمي الذي يشكل نحو 40% من الاقتصاد المصري، باتت الحاجة إلى دور تلك الجمعيات أكبر، لكنه لم يعد موجودا بالشكل الذي كان عليه قبل عام 2013م، في ظل إصرار نظام السيسي على تأميم العمل الأهلي واحتكار النشاط الخيري وتوظيفه سياسيا لخدمة أهداف النظام وتكريس وجوده وضمان بقائه.
الإخوان بين أمس واليوم
وبحسب الدراسة، تبقى المقارنة بين موقف الإخوان اليوم وبين موقفهم الإيجابي عندما تفشي وباء الكوليرا في مصر، في سبتمبر 1947م، كفيلة لإدراك خطورة النظم المستبدة على قدرات المجتمعات وقتل مواطن المناعة الذاتية بها؛ وقتها تواصل الإخوان مع وزارة الصحة بالحكومة، وأعد مكتب الإرشاد 40 ألف متطوع ووضع في خدمة الحكومة والمجتمع مقرات وعناصر 1500 شعبة، وقاموا بدور كبير في نشر التوعية عبر المساجد والصحف والنوافذ الإعلامية، وشاركوا في إسعاف المصابين وتطعيم المواطنين باللقاح، وتوزيع أدوات التعقيم والتطهير؛ حتى انتهى الوباء في ديسمبر، وقد أسفر عن مقتل نحو 12 ألف مصري.
وتضيف الدراسة، أن هذا الدور العظيم من الإخوان دفع وزير الصحة وقتها الدكتور نجيب إسكندر باشا إلى تقديم الشكر للجماعة في رسالة رقيقة لفضيلة المرشد العام الأستاذ حسن البنا، قال فيها: (حضرة صاحب فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين.. تحية طيبة وبعد.. بالإحاطة إلى خطابكم الخاص باستعداد مستوصفات الإخوان المسلمين بجميع نواحي القطر بعمليات التطعيم في مناطقها ضد الكوليرا، فإني أقدر بالعرفان هذا الواجب الوطني لما ينطوي عليه من عاطفة كريمة وروح طيبة نحو مواطنينا الأعزاء، وسوف لا تتأخر الوزارة عن قبول إسهاماتكم في العمل الذي أشرتم إليه في خطابكم في الوقت المناسب، ولا يسعنا إزاء هذه الوقفة الكريمة إلا أن نبعث لفضيلتكم بموفور الشكر مقدرين حسن معاونتكم لنا في مقاومة وباء الكوليرا. وتفضلوا بقبول فائق الاحترام).
وحول موقف الجماعة اليوم، تقول الدراسة، أما اليوم فقد حيل بين الجماعة والناس، وحيل بين الجماعة وبين المجتمع، حيث أوغل نظام الانقلاب فيهم قتلا واعتقالا وتشريدا ونهبا لأموالهم، ويكفي أن من بين المعتقلين كفاءات طبية وطنية وقامات مكانها الطبيعي هو تصدر صفوف المجتمع في مكافحة العدوى، لكن النظام يصر على إبقائهم معتقلين معرضين للإصابة بالعدوى، وهو انتقام وتنكيل لا يمكن فهم أبعاده وتفسيره إلا باعتباره ضمن سياق إقليمي يستهدف القضاء على كل من يعارض الوجود الصهيوني في المنطقة، ورغم ذلك تصر الجماعة على خدمة المجتمع ودشنت مبادرة “نعم.. شعب واحد نستطيع”، من أجل تعزيز قدرات المجتمع المناعية في مكافحة الوباء بعيدا عن موقف النظام الذي يؤكد كل يوم أنه حريص على نفسه وبقائه في السلطة أكثر من حرصه على حياة الناس وحماية الأمن القومي للبلاد.
علامات استفهام
ورأت الدراسة أن إعلان وزارة الصحة بحكومة الانقلاب عن حاجتها إلى متطوعين، تحت شعار “كن بطلا” أثار كثيرا من علامات الاستفهام؛ لأن وزارة الصحة تضم نحو «46,763» طبيبا وفق دراسة أعدتها وزارة الصحة بالتعاون مع المجلس الأعلى للجامعات المصري، في أواخر عام 2019، إضافة إلى “187,090” هم إجمالي طاقم التمريض الحكومي في سنة 2016 بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وهناك أيضا “20,053” ممرضا وممرضة بالقطاع الخاص ومستشفيات الجيش والشرطة ورجال الأعمال، ويبلغ عدد المقيدين بالنقابة العامة للتمريض “243,529”، هذا بخلاف مئات الآلاف من الإداريين والعاملين والموظفين بالوزارة؛ فلماذا تطلب متطوعين ولديها كل هذا الجيش الجرار الذي يصل إلى نصف مليون موظف حكومي ما بين أطباء وممرضين وإداريين وموظفين؟!
ورأت الدراسة أن إعلان الحكومة عن حاجتها إلى متطوعين أثار كثيرا من علامات الاستفهام، أولها أن حجم تفشي العدوى وقتها لم يكن كبيرا "450 إصابة و21" وفاة"، وهو ما يعني أن الرقم الحقيقي أكبر من ذلك بكثير، ولذلك أعلنت الحكومة عن حاجتها إلى متطوعين، والتفسير الثاني أن الإعلان ربما يعكس حالة عصيان بين الطواقم الطبية لم يتم الإعلان عنه لأسباب تعود إلى تهديدات الأجهزة الأمنية، وأن الهدف من المتطوعين هو سد الفجوة المحتملة بناء على رفض كثير من الطواقم الطبية العمل في ظل عدم توافر أدوات الوقاية والحماية من العدوى.
“30” يونيو وتدمير العمل الخيري
ووفقا للدراسة، فإن نظام انقلاب 30 يونيو أجهز على العمل الخيري، ودمر مؤسسات المجتمع المدني من أجل أن يبقى هو وحيدا في الساحة بلا شريك، ومن الأدلة على ذلك:
أولا: تم حل مئات الجمعيات الخيرية بعد الانقلاب مباشرة، وتجميد أرصدتها بناء على حكم من محكمة الأمور المستعجلة في سبتمبر 2013م بحل جمعية الإخوان والتحفظ على أموالها، وتوسع نظام 30 يونيو في قرار الحل والتجميد حتى وصلت إلى تعليق عمل ما بين 1055 إلى 1300 جمعية، وحرم القرار ملايين البسطاء من الانتفاع بخدمات تلك الجمعيات الصحية والتعليمية والخيرية.
ثانيا: سن النظام قانون العمل الأهلي سنة 2017م والذي قيد نشاط منظمات المجتمع المدني، ووضع لها أغلالا تحول دون القيام برسالتها في خدمة المجتمع، وأمام الانتقادات الواسعة للقانون أجرى النظام عليه تعديلات في يوليو 2019م وصادق عليه السيسي في 21 أغسطس 2019م، تحت مسمى القانون 149 لتنظيم ممارسة العمل الأهلي، وهناك شبه إجماع بين منظمات العمل المدني على أن قانون 2019 حوى تعديلات غير كافية إضافة إلى وجود قوانين أخرى تفرض قيودا مشددة على منظمات العمل الأهلي والمجتمع المدني تحتاج إلى تعديل، وأكد بيان لعشرة منظمات حقوقية مصرية ودولية أن القانون الجديد ما هو إلا إعادة تسويق القانون القمعي الذي يحمل الفلسفة العدائية لمنظمات المجتمع المدني”، ويجعلها تحت رقابة دائمة من جانب الأجهزة الأمنية، بحسب بيان لمنظمة هيومن رايتس ووتش.
ثالثا: احتكار التبرعات بــ”صندوق تحيا مصر:” مع بدء ظهور وباء “كورونا” في مصر، اتجه نظام السيسي نحو تكريس وضعية صندوق “تحيا مصر” الذي أسسه في 2014م، وهي وضعية شاذة تمثل دورا موازيا لدور الدولة، حيث يتم إجبار رجال الأعمال والوزارات الحكومية والمؤسسات الأهلية على تقديم الدعم والتبرعات للصندوق الذي يجمع الأموال وينفقها متحررا من أي رقابة؛ لأن الإنفاق منه يتم بأوامر مباشرة من السيسي نفسه الذي يكرس وضعية شاذة تخالف الدستور والقانون، وخلال شهر إبريل 2020، تلقى الصندوق أكثر من 100 مليون جنيه (6.3 ملايين دولار) كتبرعات مباشرة من جهات ومستثمرين، وبعد 6 سنوات من تأسيسه فإن حصيلة الصندوق تقترب من 30 مليار جنيه، بحسب مصادر حكومية، رغم أن السيسي تحدث عن أمله في جميع 100 مليار جنيه في أول 3 سنوات من تأسيس الصندوق، وحصن السيسي أنشطة الصندوق بقانون في يوليو 2015م أقره مجلس النواب، يوفر للصندوق سرية مطلقة وحصانة من جميع أنواع الرقابة، وحتى الجهاز المركزي للمحاسبات يقتصر دوره على “إعداد تقرير بمؤشرات أداء الصندوق سنويا، في ضوء القوائم المالية المعتمدة من مراقب الحسابات.
