ظلت المحكمة الجنائية الدولية، التي أنشئت بموجب اتفاقية روما 17 يوليو 1998، وبدأت عملها أول يوليو 2002، يُطلق عليها، للسخرية، اسم "الجنائية الإفريقية" حتى 19 عاما خلت. سبب هذه التسمية أنها قصرت عملها منذ النشأة على التحقيق مع 9 دول إفريقية، ورفضت التحقيق في جرائم الصهاينة والأمريكان في فلسطين والعراق وأفغانستان وجرائم السيسي في مصر.

ولكن قرار المحكمة الأخير بشأن ولايتها على الجرائم المرتكبة في غزة والضفة والقدس وضع حدا لهذه الازدواجية في المعايير، ولذا غضبت تل أبيب وواشنطن لأنه نزع "الريشة" التي كانت على رأس العسكريين الصهاينة والأمريكان وتعطيهم حصانة من المحاكمة أمامها.

ومنذ انضمام فلسطين إلى المحكمة أول يناير 2015، ورفض إسرائيل الانضمام لها، والسلطة الفلسطينية تطالبها بالتحقيق في جرائم الحرب الصهيونية والعدوان على غزة ثلاث مرات، دون جدوى.

أخيرا قالت المدعية العامة للمحكمة، فاتو بنسودا، عام 2019 إن هناك "أساسا معقولا" لفتح تحقيق في جرائم الأعمال العسكرية الإسرائيلية بقطاع غزة، والنشاط الإستيطاني في الضفة الغربية، لكنها طلبت إقرار قضاة المحكمة بهذا الاختصاص.

الآن، وبعدما قضت الجنائية الدولية في قرار أصدرته 5 فبراير الجاري 2021، أن الأراضي الفلسطينية تقع ضمن اختصاصها، سيفتح هذا باب ملاحقة القادة الصهاينة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في غزة والضفة الغربية، والقدس.

وتزامن هذا مع إعادة انتخاب فلسطين بالإجماع، للمرة الثانية على التوالي، عضوا في المكتب التنفيذي للمحكمة الجنائية الدولية، 19 ديسمبر 2020؛ ما أعطاها شرعية قانونية لمواجهة الاحتلال والجرائم الصهيونية.

أهمية القرار

أهمية القرار الذي تأخر قرابة 6 سنوات، منذ انضمام فلسطين للمحكمة الجنائية، أنه لا يسمح فقط بالتحقيق في جرائم الحرب الصهيونية بالأراضي المحتلة؛ بل ويُشرع طرح الاستيطان في الضفة كـ"جريمة حرب" أيضا.

والأهم أنه يُذًكر العالم مجددا بطابع هذا الكيان الصهيوني الذي قام على الإجرام ونهب الأرضي، كما يفضح تهاوي سردية المتهافتين على التطبيع معه.

القرار أيضا "تاريخي" لأنه وهو يؤكد ولاية المحكمة القضائية في التحقيق بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بالضفة وغزة والقدس، يأخذ عضوية فلسطين بالاعتبار؛ فهو يثبت ولاية السلطة الفلسطينية على الأراضي المحتلة والقدس منذ عام 1967 ولا يعترف بضمها لإسرائيل، حيث نص قراره على ولايتها على "غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية.

هناك بالطبع فارق بين القرار والقدرة على تنفيذه؛ فالقرار يتوقع أن يواجه عقبات عدة، أبرزها سعي أمريكا وإسرائيل لإحباطه، واستنفار إدارة بايدن التي تضم 11 مسئولا يهوديا، ضده لجعله كأن لم يكن.

هناك أيضا تساؤلات حول: هل ستُفًعل سلطة عباس القرار وتستفيد منه، أم أنها ستُخضعه لمصالح متنفذيها وبوصلة بايدن في ظل استمرار مواصلتها التعاون الأمني مع المحتل؟

وهناك سابقة في أغسطس 2014 تمثلت في سحب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وتحت ضغوط غربية، شكوى أودعتها السلطة لدى الجنائية الدولية ضد الجرائم التي اقترفها الجيش الصهيوني في غزة خلال عدوان 2014، وكرر نفس الأمر في عدوان 2009 بسحب شكوى مشابهة.

أهم ما جاء بالقرار

أبرز ما قاله قضاة المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي في قرارهم إن "المحكمة تمتلك الولاية القضائية على جرائم حرب أو فظائع ارتكبت في الأراضي الفلسطينية المحتلة".

غالبية قضاة المحكمة قبلوا وجهة نظر المدعية العامة فاتو بنسودا، التي ترى وجود ما يدعم وقوع جرائم حرب في "الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية"، على أساس أن السلطة الفلسطينية عضو في المحكمة ومن ثم يصبح من صلاحياتها فتح الملف.

هذا يعني عدم الاعتراف بدعاوى (إسرائيل) أن المحكمة ليست لديها مثل هذه الصلاحيات، بدعوى إن "السلطة الفلسطينية ليست دولة ذات سيادة".

فتح المجال أمام محاكمات لصهاينة

ويفتح المجال أمام التحقيق في جرائم إسرائيل، ما سيكون له تداعيات على جنرالات وجنود جيشها وقادتها السياسيين، وصدور أوامر اعتقال محتملة بحقهم.

وسبق أن كشفت صحيفة هآرتس (الإسرائيلية) يوم 16 يوليو 2020 النقاب عن قائمة سرية أعدها الكيان الصهيوني، تضم بين 200 إلى 300 مسؤولا تقلدوا مناصب عسكرية وسياسية واستخبارية محتمل محاكمتهم.

وقالت إن القائمة معدة لتنبيههم، تحسبا لاحتمال تعرضهم للاعتقال خلال سفرهم للخارج، بتهمة ارتكاب جرائم حرب بالأراضي الفلسطينية، حال بدء المحكمة تحقيقاتها.

نتنياهو ووزير الدفاع بيني جانتس على رأس القائمة، والجهة التي تعمل على هذا الملف لم تبلغ الكثير من الشخصيات التي تم إدراج اسمها في هذه القائمة نظرا لسرية الموضوع، بحسب هآرتس.

أيضا سبق أن تلقت المحكمة 28 سبتمبر 2018، شكوى من دولة فلسطين ضد الولايات المتحدة بعد نقل سفارتها للقدس تتهمها بانتهاك اتفاقية "فيينا" لعام 1961، وتطلب إصدار المحكمة أمرا لأمريكا بسحب بعثتها الدبلوماسية من القدس وعودتها لتل أبيب.

وتلزم إتفاقية 1961 أي دولة بوضع سفارتها على "أرض دولةٍ مستضيفة"، بينما الوضع الحالي لمدينة القدس هو أنها محتلة والسيطرة عليها عسكرية، وليست لدولة الاحتلال سيادة معترف بها دوليا عليها.

وقد أضطرت أمريكا للانسحاب من معاهدة فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961؛ للخروج من مأزق نقل السفارة للقدس، ولضعف حجتها أمام المحكمة.

ومنذ ذلك التاريخ، لم تتخذ أي دولة في العالم من القدس مقرا لسفارتها لدى الكيان الصهيوني باستثناء خمسة بلدان، هم: كوستاريكا عام 1982، وعدلت عن قرارها في منتصف أغسطس عام 2006، والسلفادور 1984، وعدلت عن قرارها في نهاية أغسطس 2006، ثم الولايات المتحدة في منتصف مايو 2019، تبعتها جواتيمالا، ثم باراجواي مايو 2019.

هل يحاكمون المقاومة؟

التوجس الأكبر بعد قبول الجنائية الدولية اختصاص التحقيق في جرائم داخل فلسطين، هو أن ينحرف تحقيق المحكمة في الجرائم التي تحدث في غزة والضفة ليطال المقاومة لا المحتل!

فهناك قرار سابق من المحكمة في يونيو 2014 تحدث عن "البحث في انتهاكات من الطرفين"، أي الإسرائيليين والفلسطينيين، وبيان "الادعاء"، وقيل حينئذ إنه سيتم بحث أدلة تسمح بتوجيه اتهامات للطرفين".

ولو حدث هذا، سيجري اعتبار رد المقاومة علي العدوان بإطلاق الصواريخ على بلدات "إسرائيلية" أيضا "جرائم حرب"، ويتهمون "حماس" وحركات المقاومة، بدعوى أنهم أطلقوا صواريخ عشوائية على المدنيين الصهاينة.

وقد أشار لهذا "معهد واشنطن" في تقرير بتاريخ 24 إبريل 2020 زعم فيه: "إذا استمرت ملاحقات المحكمة الجنائية الدولية، فقد يجد مواطنون إسرائيليون وفلسطينيون أنفسهم في قفص الاتهام في لاهاي على السواء".

وسبق لـ "بنسودا" مدعي عام "الجنائية" أن ألمحت في حديث لصحيفة "هآرتس" في 23 ديسمب 2019، لاحتمال تقديم مسؤولين ونشطاء من الفصائل الفلسطينية إلى هذه المحكمة أيضا.

وقد تقدّمت الحكومة الصهيونية بالفعل بشكوى إلى مجلس الأمن الدولي 28 أغسطس 2014 ضد حركة حماس، تدعي استخدامها للمدنيين في غزة كـ "دروع بشرية".

وذلك ردا على دعاوى تطالب بمحاكمة مجرمي الحرب الصهاينة لقتلهم حوالي 2139 شهيدا بينهم 579 طفلا و263 امرأة و102 مسنا، وجرح حوالي 11128 بينهم 3374 طفلا و17 صحفيا عام 2014.

لذلك جاء ترحيب حركة "حماس" بقرار المحكمة الجنائية الدولية، القاضي بولايتها القضائية على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، مشددا على أنها "خطوة مهمة لإنصاف ضحايا الاحتلال الصهيوني".

ودعت إلى ضرورة "استكمال الخطوات المطلوبة لمحاسبة مجرمي الحرب الصهاينة في المحاكم الدولية"، و"مواجهة الضغوط المتوقعة".

Facebook Comments