منذ ثورة الياسمين في تونس، وتمسك الشعب التونسي بالديمقراطية كخيار إستراتيجي، تحاك المؤامرات من قبل دول الثورة المضادة لإفشال تجربة التحرر الوطني في تونس من براثن الفساد والاستبداد في تونس. فما بين تجفيف المشاريع الاقتصادية ومنع المساعدات والاستثمارات الخليجية من الوصول لتونس، من قبل السعودية والإمارات إلى البث الإعلامي المستمر للخلافات بين الفرقاء السياسيين في تونس، من قبل إعلام دحلان وابن زايد من مصر ودبي، إلا إثارة الشائعات حول قيادات حركة النهضة.
ومع استمرار التمسك بالخيار الديمقراطي في تونس لجأت قوى الثورة المضادة الحارجية والداخلية اللعب على أوتار الخلافات الداخلية من أجل إثارة الشارع التونسي. إلا أن الأوضاع الحرجة التي تعيشها تونس اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، تضع الجميع على المحك.
وأقال رئيس الحكومة التونسية هشام المشيشي، يوم الاثنين 15 فبراير، 5 وزراء كان من المُقرر استبدالهم منذ 26 يناير الماضي في التعديل الوزاري، لكنه لم يتمكن من ذلك. وكان المشيشي قد قدَّم لائحة لتعديل وزاري تضم 11 حقيبة إلى البرلمان، لكن على الرغم من تمرير البرلمان التعديل الوزاري، إلا أن رفض الرئيس التونسي قيس سعيد أداء الوزراء الجدد اليمين أمامه؛ بسبب ما وصفها بشبهات فساد وتضارب مصالح بشأن عدد منهم، رغم عدم وجود أي دليل قضائي، أو اتهامات رسمية، على ذلك، عطَّل هذا التعديل. وللتعامل مع رفض الرئيس؛ فقد تمَّ تكليف وزراء من الحكومة الحالية بالإشراف على الوزارات الإحدى عشر بالنيابة، بالإضافة إلى مهامهم الأصلية. وأكَّدت رئاسة الحكومة التونسية أنها تبقى منفتحة على كل الحلول الكفيلة باستكمال إجراءات التحوير الوزاري، ليتمكَّن الوزراء من مباشرة مهامهم، في إطار الدستور.
جذور الأزمة بين الرئيس والمشيشي
بالرجوع إلى بدايات الأزمة فقد قام الرئيس التونسي في وقت سابق بتكليف إلياس الفخفاخ برئاسة الحكومة، تحت عنوان اختيار الشخص الأقدر في الفعل السياسي، متجاهلا بذلك مقترحات الأحزاب السياسية، فتكوَّنت بذلك ما أطلق عليها تسمية حكومة الرئيس، إلا أن عمر هذه الحكومة لم يطل كثيرا لتأتي فيما بعد حكومة الرئيس الثانية وهي حكومة المشيشي، إلا أن العلاقة بين رئيس الجمهورية قيس سعيد ورئيس الحكومة هشام المشيشي ما لبثت أن شهدت تحولا جذريا، فرغم أن سعيد اختار المشيشي من خارج مقترحات الأحزاب لرئاسة الحكومة عقب تقديم رئيس الوزراء إلياس الفخفاخ استقالته، فإن العلاقة بين الرجلين سرعان ما تحولت من ود وتنسيق إلى توتر وعداء؛ حيث انقلب المشيشي على كل توجيهات سعيد، أولا من خلال تغيير شكل الحكومة، من حكومة مستقلة إلى حكومة سياسية، وثانيا من خلال عدم تبنِّي برنامج اجتماعي يهدف للتعجيل بحل الأزمة الاجتماعية المتفاقمة في تونس، وهكذا فضَّل المشيشي البقاء في الحكم من خلال التنسيق مع حزام برلماني، على أن يكون حكومة الرئيس كما أُريد له.
مواقف أطراف
ويعترض سعيد بالأساس على استبعاد وزراء قريبين منه، ولكنه يُرجع أسباب هذا الاعتراض في الظاهر إلى ما وصفه بشبهات فساد على أربعة من الوزراء الجُدد، من دون أن يعلن عن ذلك صراحة. وتمثِّل هذه الإقالات خطوة تصعيدية من طرف المشيشي، تؤكد موقفه القاضي باستبعاد الوزراء المحسوبين بغالبيتهم على الرئيس سعيد، وتحرج سعيد نسبيا أمام الرأي العام بتعطيله الوزارات المذكورة، التي تبقى محدودة الحركة والفاعلية بحكم أنها تُدار من وزير مؤقت غير متفرغ لها تماما.
وكان المشيشي قد طلب رسميا من الرئيس سعيد إعلامه بأسماء الوزراء المُتحفظ عليهم، والذين يرى أنه تحوم حولهم شبهات، وعطَّل التعديل بسببهم، ولكن الرد يبقى مُستبعدا لأن ذلك سيحمل اتهامات رسمية لهذه الشخصيات، ما يحمل تبعات قانونية على سعيد، بتوجيه اتهامات لا إثبات قانونيا لها.
ويلقى المشيشي دعما متواصلا من حلفائه في البرلمان، من أحزاب النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة، الذين جدَّدوا في بيانات لهم دعمهم حكومته، بينما تتواصل الأزمة على مستويات عدة، برلمانيا وشعبيا، حيث أُثيرت مؤخرا تهديدات بالنزول إلى الشارع، في حين رفع معارضو الائتلاف الحاكم ورقة سحب الثقة من رئيس البرلمان راشد الغنوشي مجددا .
صراع الصلاحيات
قد يبدو التغيير الوزاري الأخير قضية سياسية أخذت عنوانا دستوريا وقانونيا، إلا أنها في الحقيقة تخفي وراءها تنازعا وتجاذبا سياسيا كبيرا؛ حيث إن الرئيس التونسي قيس سعيد يرى نفسه مُخولا لاختيار رئيس الحكومة وأعضاء فريقه الوزاري، وذلك بتأويل نصوص الدستور، وانطلاقا من كونه استاذا جامعيا متخصصا في القانون الدستوري. في حين يرى البعض أنه لا يمكن حل مشكلة تضارب السلطات بين رئيسي السلطة التنفيذية، إلا عن طريق المحكمة الدستورية، ومن ثمَّ يكون الحل الوحيد لتجنُّب إمكانية الوصول لمرحلة التشكيلات المستحيلة وفي ظل الأزمة السياسية الحالية؛ هو الإسراع في إرساء المحكمة الدستورية، لحل أزمة تأويل النصوص الدستورية.
وعلى المستوى السياسي؛ فلابد الآن من حدوث هدنة سياسية توقف كل صراع حول صلاحيات واضحة المعالم في الدستور، على الأقل لحين انتهاء أزمة كورونا، وعدم تضييع مزيد من الوقت في سجالات لا طائل من ورائها لأحد وخاصة للبلاد، حيث يجب إنهاء الخلاف الحالي بخصوص تركيب الحكومة، حتى تتمكن هذه الحكومة من التفرغ لأهم مهامها أي محاربة الوباء وتخفيف المعاناة الاقتصادية عن الشعب. 
وعلى أية حال، يُمكن اعتبار إقالة الوزراء الخمس خطوة أولية إيجابية لتجنُّب، ولو جزئيا، التعطيل والشلل الذي أصاب دواليب تسيير الدولة، إثر حالة الانسداد الناتجة عن الاختلاف العميق بين رئاستي الجمهورية والحكومة، حول إجراء التعديل الوزاري. والآن على مكونات السُلطة التونسية العمل على الإسراع في استكمال المؤسسات الدستورية، وعلى رأسها المحكمة الدستورية كأولوية مُطلقة، مع دعوة كل الأطراف المعنية بها إلى الابتعاد عن منطق المحاصصة وسياسة السعي إلى الهيمنة وبسط اليد عليها، وذلك بعد إطلاق حوار وطني سياسي واقتصادي واجتماعي في أقرب وقت لمحاولة الخروج من الأزمة العميقة التي تعيشها تونس منذ فترة طويلة.

Facebook Comments