أثنى دان شابير، السفير الأمريكي السابق في تل أبيب، على الدرر الكبير الذي قام به ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في التطبيع الإماراتي والبحريني مع (إسرائيل)، مؤكدا أنه من الصعب تصديق أن الإمارات، وبالتأكيد البحرين، كانتا ستتقدمان في مسيرة التطبيع مع إسرائيل بدون دعم سعودي، أو بالتأكيد لن يتمكنا من هذا التطبيع إذا كانت هناك معارضة سعودية".
ثناء شابيرو على دور ولي العهد السعودي في التطبيع الخليجي جاء في حوار أجرته معه صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، ويأتي في أعقاب صدور تقرير المخابرات الأمريكية (CIA) بشأن اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي في مقر قنصلية بلاده بمدينة إسطنبول التركية في أكتوبر 2018م، وهو التقرير الذي يؤكد تورط ولي العهد السعودي في عملية الاغتيال الوحشي حيث جرى قتل خاشقجي وتقطيع أوصاله وتذويبها في أفران خاصة حتى تلاشت جثته تماما ولم يعد لها وجود. وهو التقرير الذي أعقبه فرض عقوبات على 76 مسئولا سعوديا تحت مسمى "حظر خاشقجي" جرى استثناء "بن سلمان" من هذه العقوبات رغم أنه المتورط الأكبر في الجريمة لاعتبارات سياسية أسقطت مزاعم الإدارة الأمريكية عن القيم التي ترفعها.
التقارب مع الكيان

معنى ذلك أن تقارب ولي العهد السعودي مع الكيان الصهيوني وتجاوبه الواسع مع دعوات التطبيع وقيادته لقاطرة التطبيع مع تل أبيب تمثل البوابة التي يحتمي بها من قصائف العقوبات الأمريكية التي ربما تستهدف دفعه أكثر نحو أحضان (إسرائيل) بطريقة غير مباشرة.
إضافة إلى ذلك، فإن الرسالة من حوار الصحيفة الصهيونية مع الدبلوماسي الأمريكي والثناء على بن سلمان في هذا التوقيت ودوره في التطبيع مع الاحتلال، هي تأكيد الدعم الإسرائيلي لولي العهد السعودي، والتعبير عن حرص تل أبيب الكامل على تتويج بن سلمان ملكا على العرش السعودي بعد أبيه الذي بلغ من الكبر عتيا (نحو 90سنة).
ويرى شابيرو أن "تقييم العلاقات السعودية الإسرائيلية يشير إلى أن السعوديين يقتربون من الإسرائيليين، لا سيما في مجال التطبيع، لكن من الصعب معرفة مدى تقاربهم مع إسرائيل، ومن الصعب تصديق أن الإمارات، وبالتأكيد البحرين، كانتا ستتقدمان في مسيرة التطبيع مع إسرائيل بدون دعم سعودي، أو بالتأكيد لن يتمكنا من هذا التطبيع إذا كانت هناك معارضة سعودية".
ويؤكد شابيرو على أن "ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ينظر إلى المصلحة الفلسطينية، وإمكانيات التعاون مع إسرائيل بطريقة مختلفة عن جيل والده الملك سلمان، الذي لا يزال على قيد الحياة، وبصحة جيدة، لذلك قد يكون أكثر استعدادا من البعض الآخر للتقارب مع إسرائيل، لكن الأمر سيستغرق وقتا".
ويشير الدبلوماسي العبري إلى أن هناك قضايا يجري فحصها من جانب إدارة جو بايدن وعلى رأسها قتل المدنيين في حرب اليمن، وانتهاكات حقوق الإنسان في المملكة، واغتيال خاشقجي، وهي القضايا التي سوف تترك تأثيرها على تقييم العلاقات بين الطرفين وكذلك على العلاقات بين الرياض وتل أبيب. ويتوقع "شابيرو"، وهو حاليا باحث بمعهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، أنه بمجرد أن يصبح السعوديون مستعدين حقا للمضي قدما في عملية التطبيع مع إسرائيل، فسيطلبون منها شيئا، وأتوقع أن يكون متعلقا بالفلسطينيين، كتجميد المستوطنات، وإعلان الالتزام بحل الدولتين، وفي الوقت ذاته فإنني أسأل أصدقائي الإسرائيليين عن الثمن الذي يرونه ملائما لمثل هذا التطبيع، مقابل حصولهم على اعتراف السعوديين بإسرائيل".
ويؤكد شابيرو أن التطبيع السعودي سيعني تشكيل معسكر إقليمي واسع برعاية أمريكية يكون قادرا على مواجهة التحديات وأبرزها إيران والمنظمات الجهادية في إشارة إلى حركات المقاومة الفلسطينية والحركات الإسلامية الرافضة للمشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة.

أسرار العلاقات السعودية الإسرائيلية
العلاقات السعودية الإسرائيلية قديمة ومنذ عقود طويلة، فهي أشبه بالعلاقة الحرام التي كان كل طرف فيها حريص على دوامها بشرط أن تبقى سرا وطي الكتمان. وقد نشرت الخارجية الأمريكية وثائق تاريخية تؤكد أن النظام السعودي دعم اتفاق كامب ديفيد بين مصر والكيان الصهيوني، وكشف مسؤول أمريكي (لم تكشف الوثيقة هويته) شارك في اجتماع بين السفير الأمريكي لدى السعودية جون سي ويست جرى مع وزير الخارجية السعودي آنذاك سعود الفيصل في الـ9 من آب/ أغسطس عام 1978 أن الأخير عبر عن دعم المملكة الكامل للاتفاق بين مصر وإسرائيل. بالطبع لم يجرؤ النظام السعودي وقتها على كشف حقيقة موقفه لاعتبارات تتعلق بالخوف من ردة الفعل على استقرار النظام الذي أبدى عكس حقيقة موقفه في إطار التستر على العلاقة الحرام.
ولا يمكن فهم خفايا العلاقات السرية بين الجانبين إلا من خلال الإشارة إلى الفيلم الوثائقي الذي أعدته شبكة "بي بي إس" الأمريكية والذي تم بثه في سبتمبر2019م، ضمن برنامج "فرونت لاين، والذي كشف أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، تعهّد للرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال زيارته للرياض في مايو2017، بالاعتراف بإسرائيل وتطبيع التجارة معها إذا ساعدت الولايات المتحدة بلاده في "هزيمة إيران والسيطرة على الشرق الأوسط". وقال مارتن سميث، مقدم الحلقة، التي حملت عنوان "ولي العهد"، إن بن سلمان أراد من ترامب أن يضمن مساعدة الولايات المتحدة في هزيمة إيران، ودعم طموحاته في أن يصبح اللاعب الرئيسي في الشرق الأوسط. وفي مقابل ذلك، تعهد بن سلمان بمساعدة ترامب وصهره، جاريد كوشنر، في حل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، وهو التعهد الذي أصبح لاحقًا نواة خطة الإملاءات الأميركية لتصفية القضية الفلسطينية، المعروفة إعلاميًّا باسم "صفقة القرن". وعرض الفيلم الوثائفي حديث المحلل العسكري في صحيفة "واشنطن بوست"، دافيد أغناتيوس، الذي اقتبس من بن سلمان قوله: "أرى شرقًا أوسطَ تكون إسرائيل جزءًا منه… أنا مستعد للاعتراف بها وإقامة علاقات تجارية معها"، مضيفًا أن بن سلمان "أغرى" الإدارة الأميركية، وأصبح محور الخطة التي عمل كوشنر على الترويج لها.

Facebook Comments