لعل ما يشاهده الشارع المصري من جرائم جنائية تقشعر منها الأبدان في عهد العسكر تؤكد غياب دور الدولة والنظام الأمني والسياسي عن الوصول لمشكلات المواطنين الأساسية، واقتصار دور النظام بأجهزته على حماية شخص أمن النظام فقط وشخص واحد فقط، في اعتقادهم بأن بقاءه وأمنه هو أمان لهم ولجرائمهم ولتقصيرهم ونهبهم للشعب المصري.
فقد استيقظ أهالي قرية الغرق بمركز اطسا بمحافظة الفيوم، على وقع جريمة قتل بشعة هزّت الرأي العام يوم الجمعة 7 مايو 2021م، وقبل أيام قليلة من حلول عيد الفطر، إذ تجرّد أب من كل مشاعر الأبوة، فقتل زوجته وأولاده الخمسة بسبب خلافات أسرية بينهم، وحاول الانتحار بإشعال النيران في" فرن لعيش الفينو" خاص به، إلا أن الأهالي قاموا بإنقاذه.
وتلقت الأجهزة الأمنية بالمحافظة بلاغاً صباح من أهالي قرية" الغرق" التابعة لمركز أطسا، بقيام مواطن يدعى "عماد . م" (40 سنة) بقتل زوجته وأولاده الخمسة بـ "سكين مطبخ"، مؤكدين أن المتهم اعتاد على تعاطي المواد المخدرة خلال الأيام الأخيرة، خاصة مخدر "الاستروكس"، مما جعله يبيع كل ما يملك، ويقيم في مسكن بالإيجار، وأدى هذا الأمر إلى خلافات مستمرة مع زوجته وأولاده خلال الأيام الأخيرة.
وتتولى قيادات عسكرية ومخابراتية وأمنية رفيعة عمليات تهريب المخدرات إلى مصر متسترين بمناصبهم الحساسة وحصانتهم الوظيفية ويبرهن على ذلك أن أكثر الأماكن التي تنتشر فيها تجارة المخدرات هي السجون وأقسام الشرطة تحت رعاية مباشرة من ضباط وأمناء الشرطة.
واعترف المتهم خلال التحقيقات الأولية معه بالواقعة، وقال "ذبحت زوجتي وحضرت لتسليم نفسي بعد جريمتي التي كانت بسبب أزمة مالية جعلتني أبيع كل ما أملك"، وأضاف "مع كثرة طلبات زوجتي المادية بدأت الخلافات بيننا، وفي يوم الحادث وقعت بيننا مشاجرة بعدها دارت في عقلي فكرة شيطانية قادتني إلى قتلها والتخلص منها والأولاد".
وكانت محافظة الفيوم قد شهدت خلال شهر إبريل الماضي جريمة قتل بشعة، عندما أقبل مدمن بقرية فيديمين التابعة لمركز سنورس على قتل شقيقة زوجته "رحمة. س. أ" (30 عاماً) وابنه (3 أعوام)ً رمياً بالرصاص، بعد أيام من خروجه من المصحة التي كان يتلقى العلاج بها، وذلك لرفض زوجته العودة إليه، وإصرار أهلها على إنهائه العلاج قبل ذلك، وأحضر المتهم فرد خرطوش، واقتحم منزل أسرة زوجته، وأطلق النيران على أفراد الأسرة ما تسبب في مقتل شقيقة زوجته بطلقات في الصدر ونجله، فيما أصيب ابنه الرضيع بطلقة في القدم، وحماته "بدرية. ر" (56 عاماً) ربة منزل.
وفي مقدمة أسباب الجريمة البشعة المدانة قانونا وشرعا، يبرز دور الدولة ومسئولية أجهزتها الأمنية والرقابية في حماية الشباب المصري من إدمان المخدرات المنتشر في كل الأحياء والقرى والشوارع، بل إن دواليب المخدرات يشرف عليها أمناء شرطة يعلمون لحساب رتب كبيرة بالوزارة ويتقاضون جميعها رواتب هائلة من تجار المخدرات- كما سبق وان كشفت تحقيقات بمنطقة الأميرية بمحافظة القاهرة والتي أكدت تورط قيادات رفيعة في تجارة المخدرات ـ حيث يتقاضى ضباط وأمناء شرطة بقسم شرطة الأميرية والسواح والمطرية رواتب شهرية من تجار المخدرات.
كما طالع المصريون مؤخرا لقاءات بقصر الاتحادية رتب لها رجل المخابرات محمود السيسي بين والده السيسي وعدد من قيادات عوائل سيناء بينهم أكبر تجار ومهربي المخدرات والهيروين من إسرائيل، كما اتهمت الصحافة الإسرائيلية مؤخرا الأمن المصري بتحويل سيناء لبؤرة وممر آمن لتهريب المخدرات من وإلى مصر.
كما أن انشغال أجهزة السيسي الأمنية بالأمن السياسي وملاحقة المعارضين والفتيات والشباب الذين يعبرون عن آرائهم عبر شبكات التواصل الاجتماعي، كل ذلك يأتي على حساب الأمن الجنائي وحماية المصريين، إذ إن الشرطة وقوى الأمن في كل دول العالم وظيفتهم الأساسية منع وقوع الجريمة وليس التحرك بعد وقوعها فقط كما في مصر.
وتعبر فاجعة أسرة الفيوم القتيلة عن جريمة السيسي في إفقار المصريين ومرار حياتهم الاقتصادية، إثر تصاعد نسب الفقر التي تطال حاليا أكثر من 80 مليون مصري، يقدر البنك الدولي ارتفاع الفقر في مصر لأكثر من 60% من المصريين بينهم أكثر من 80% يعانون الفقر المدقع، وهو ما يفاقم أزمات القتل والانتحار والسرقات كمردودات طبيعية للأزمة المالية وسياسات السيسي القمعية على الصعيد الاقتصادي، ناهيك عن القهر السياسي والاجتماعي، إذ إن السيسي منذ انقلابه العسكري رفع أسعار الوقود والطاقة والكهرباء والغاز نحو 8 مرات، بنسب تجاوزت 600% ما فاقم الأوضاع المعيشية في مصر ودفع الأسر للتسول أو السرقة أو القتل وسط انسداد الأفق الاجتماعي والاقتصادي لملايين المصريين.

وتبقى المخاطر بابها مفتوحا على مصراعيه في مصر في ظل بقاء حكم العسكر الذين يستعملون الفقر وسيلة لإخضاع المصريين، فيما تنتفش جيوبهم بالعمولات والمناقصات والمشروعات بالأمر المباشر بما يفوق 60% من الاقتصاد المصري، تذهب لكروش قيادات الجيش ويحرم المصريون حتى من عوائد تلك المشروعات من رسوم وجمارك وضرائب يجري حرمان الموازنة العامة منها، ما يفاقم الفجوات التمويلية ومن ثم عجز الموازنة التي يجري تغطيتها من جيب المصريين وفرض مزيد من الضرائب والرسوم على الشعب، ومن ثم تتسع دائرة القتل والجرائم والسرقة بمصر إلى ما لا نهاية.

Facebook Comments