يشعرُ كثيرٌ من جيلي اليوم بمعنى التغيّر الكبير في سلوك المناسبات، بعد هيمنة أجهزة السوشيال ميديا على حياتنا اليومية، هذا الشعور الحزين ليس مرده فقط لاختلاف الأجيال والأطوار المادية الحديثة، التي لها بعدٌ سلبي وإيجابي، ولكنه في الإحساس العميق، أن عالم الآلة الذي قد يُمثّل صورة من صور احتلال النفس اليوم، أصبح بطشه شديد على العلاقات. 

  ونُلاحظ هنا كيف أن أدوات التعبير عن المشاعر، أصبحت معلقة بالإشارات الالكترونية، وبعضهم يبعث رسائله وردوده من خلالها ويختار التعميم ويرسل، ولا يعنيه من رد أو لم يرد، في مناسبة الأعياد ورمضان وغيره. 

  وأحد الإشكالات أن تكون هذه الأدوات هي محدد لعلاقات الناس ببعضهم، رغم أنها ليست بالضرورة ذات مصداقية دقيقة، وإنما هي مواسم التقاء بين أصدقاء السوشل ميديا عابرة بالأصل، وبعضها يثبت، فتُفهم لمن لا يتيسر لهم اللقاء، أما مساحة المشاركة الاجتماعية الجسدية، فلها عالمها الحقيقي اليوم، حين ننتبه لأنفسنا ونستيقظ من رسالة الآلة وأنها تختلف عن حضور الروح، سواء بالاتصال الشخصي أو بالزيارة او بإبداء المشاعر مباشرة، ولستُ هنا اُقلل من التراسل والتسجيل الإيجابي والتشجيع في عالم السوشل ميديا. 

  لكن لا يجوز أن تكون حياتنا محاصرة في ظل هذه الأسوار، وذاتُ الأجهزة قد تمثل أداة تخاطب أفضل، كالرسائل الصوتية المباشرة وغيرها، بين الأصدقاء والأقرباء. 

والحياة الاجتماعية أي محيطك المباشر من العلاقات، من أرحام أو رفاق، هم رحلة الحياة الحقيقية التي تعالج تصحرنا الشديد اليوم تحت الآلة، ولها معنى جميل حين تكون الأنفس ذات أريحية وانسجام وتقدير مشترك. 

  قلتُ لإبني ذات يوم ومن خلال تجربة سنوات، انا يا بني حينما أصلُ أهل ود أمي وأبي، أي رفاقهم الخلص، أشعر بارتداد عظيم على ذاتي ونفسيتي، وراحة لا اجدها في وسائل التواصل، وهي من أجمل المجالس التي تجمعني مع الناس، ففعل بارك الله فيه، نفس ما أقوم به مع رفاق والدي رحمه الله، وكرره معهم ومع رفاقي، فقال فعلاً يا أبي لقد وجدتُ ذلك في نفسي. 

  إن المعادلة هنا هي اننا حين نقبل على رفاق والدينا، الذين لا يلزم ابداً اتفاق الأفكار معهم، ولا الحاجة لجلب جدل الثقافة إليهم، إنما التبسط وحديث الحياة الاجتماعية الحلوة وأنباء الناس الإيجابية، وذكر محاسنهم ومواقفهم، فأنت تُقبل عليهم دون حسابات، أو مصالح فتحل بركة المشاعر عليك، فهي خصلة أخلاقية إسلامية وأعراف اجتماعية جميلة، وطبائع مروءة تُحييها في نفسك وتعلّم بها أولادك، ولذلك فالمردود تستشعر به فوراً. 

فهناك بركة من الله تسعى معك لإخلاص نيتك، وهناك رسائل ود حميمية تستشعرها مع رفاق والدتك أو والدتك وأرحامهما، وللخؤولة معنىً خاص لكون الأم قلب الروح والعاطفة ومشاعر الحج الاجتماعية الصادقة، فضلاً عن مشاعر ذوي الأم تجاه ابن بنتهم، وهي كذلك في صيانة الرابط الاجتماعي في أسرة الوالد، عبر مشاعر شخصية للأرحام، وليس التدافع للمفاخرة، فالمفاخرة مُذهبة للبركة، موحشة للنفس. 

إننا اليوم بالفعل قبل أن نُحدّث ابنائنا، نحتاج أن نمارس معهم هذه العبادة والسلوك الأخلاقي الجميل، ومن تجربتي أن الأجيال الجديدة، حين تترسخ في حياتها هذه الزيارات والعلاقات النوعية الحميمة، تجد فيها روحاً مختلفة وتسعى لحضورها، فهذه البساطة التي نحتاج أن نملاها بالحب والود وتقدير المشاعر، تفتح لنا وللأجيال مساراً جميلاً في ظل تصحر المشاعر القاسية. 

 يجب أن نتبادل جميعاً تشجيعهم والاحتفاء بهم، والسؤال غير المحرج عن مدارات حياتهم وتحيتهم وإعلان الفرح بقدومهم للزيارة في المجلس العام أو الخاص. 

ولِنَتَجَنَّب المباهاة والسخرية، والتسابق في المجالس للتفوق على الأقران، أو إشعار الداخل بانتفاخ النفس أو استعلائها، فذلك من سوء الأدب ومن جهالة المرأ، فالحياة قصيرة وتجاربها وتأثيراتها عليك ستجدها أقرب مما ظننت، فلا تعوّد نفسك على رفعها وهي تتزاور، بل تواضعها وهي تتآلف بكل حب، ولا تكسر نفسك للآخرين غير المستحقين، ولكن هذب نفسك واخضع جناحك للمحبين وبالذات من رفاق الوالدين، فلعمرك هذا من دلائل النبلاء يا ابن الأكرمين. 

Facebook Comments