عجز وارتباك مصري غيري مسبوق، وعدم قدرة على الحفاظ على مكانة مصر وقدراتها وفعاليتها الدولية المتمثلة في احترام حقوقها واحترام مطالبها العادلة، تتزايد آثاره السلبية الكارثية مع استمرار إدارة العسكر العشوائية لملف المياه وأزمة سد النهضة.

في الوقت الذي يعلن فيه وزير الري بحكومة الانقلاب محمد عبد العاطي أن العجز المائي بمصر يصل لنحو 56 مليار م 3، يتوسع العسكر في إنشاء خطوط مياه من نهر النيل نحو صحراء سيناء واستعدادات إنشائية واسعة لتشغيل سحارتي سرابيوم بالإسماعيلية لنقل المياه من ترعة الإسماعيلية إلى داخل سيناء، بدعوى ري وزراعة نحو 60 ألف فدان، كمزرعة أولى يقيمها العسكر في سيناء رغم عدم ملاءمة ذلك لإمكانات مصر المائية، ما يثير الشكوك حول طبيعة تلك المشروعات ومآلاتها، وهل ستتجه مياه النيل نحو اسرائيل؟ أم ماذا يخطط السيسي؟ الذي ينقل نحو 1,5 مليون م 3 من مياه النيل إلى صحراء العاصمة الإدارية في وقت يحرم فيه 7 محافظات ساحلية من مياه النيل والاكتفاء بتحلية مياه البحر ومياة الصرف!

ورغم العشوائية والفشل المصري في إدارة الملف، سنحت فرص غير مباشرة لمصر لنيل حقوقها المائية، إثر فشل إثيوبيا في إكمال بناء وإنشاءات القطاع الأوسط من سد النهضة من أجل الملء الثاني، الذي كان يستهدف 13.5 مليار م مكعب هذا العام، إلا  أنه بسبب عدم اكتمال البناء فسيتم ملء 4 مليار م فقط.

عجز الموارد المائية

مؤخرا، كشف وزير الموارد المائية والري بحكومة الانقلاب أن العجز في مواردنا من المياه يقدر بنحو 56 مليار متر مكعب سنويا. وقال في لقاء مع بعض نواب المحافظين، وأعضاء البرلمان عن “تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين”، الذي تديره المخابرات، إجمالي الاحتياجات المائية في مصر لحوالي 114 مليار متر مكعب سنوياً، في حين أن الموارد المائية تقدر بحوالي 60 مليار متر مكعب سنويا.

ولفت “عبدالعاطي” إلى أن موارد مصر، معظمها يأتي من مياه نهر النيل، إضافة إلى كميات محدودة للغاية من مياه الأمطار، والمياه الجوفية العميقة بالصحاري. كما أن تعويض هذه الفجوة يكون من خلال إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، والمياه الجوفية السطحية في الوادي والدلتا، فضلاً عن استيراد منتجات غذائية من الخارج، تقابل 34 مليار متر مكعب سنوياً من المياه.

وأضاف الوزير: نعمل حاليا على تنفيذ مشروعات تطهير المجاري المائية، لأن التحديات التي تواجه قطاع المياه في مصر كبيرة، وعلى رأسها الزيادة السكانية. وتابع: “من المتوقع حدوث زيادة في سكان مصر بنحو 75 مليون نسمة في عام 2050، وهو ما يمثل ضغطا كبيرا على الموارد المائية، بالإضافة إلى التغيرات المناخية المتزايدة في ظل الارتفاع الملحوظ لدرجات الحرارة”.

ووسط حالة البكائية والمرثيات التي يسوقها نظام السيسي العاجز عن حماية الحقوق المائية لمصر، قال “عبدالعاطي”: “مصر تشهد ظواهر جوية متطرفة وغير مسبوقة، مثل الأمطار الشديدة التي تضرب مناطق متفرقة من البلاد، وارتفاع منسوب سطح البحر، وتأثير ذلك السلبي والخطير على المدن والمناطق الساحلية”. وأضاف: “الدولة أعدت استراتيجية للموارد المائية حتى عام 2050، بتكلفة تصل إلى 900 مليار جنيه، وخطة قومية للموارد المائية حتى عام 2037 تعتمد على 4 محاور؛ تتضمن ترشيد استخدام المياه، وتحسين نوعيتها، وتوفير مصادر مائية إضافية، وتهيئة المناخ للإدارة المثلى للمياه”.

تدوير المياه

وقبل ذلك وفي إطار البكاء وعدم القدرة على حماية الخط الأحمر الذي توعد به السيسي إثيوبيا بقوله إن مياه النيل تمثل “خطا أحمر” بالنسبة لمصر”، أكد عبد العاطي أن مصر هي الدولة الوحيدة التي تقوم بتدوير المياه 4 مرات ، وتكاد تكون هي الدولة الوحيدة بالعالم الذي تفعل ذلك، دون الالتفات إلى مردودات ذلك صحيا على المصريين وصحتهم وقدراتهم العقلية والجسمانية والعملية بسبب نسب التلوث والشوائب التي تحملها مياه شربهم وتروى بها زراعتهم، في وقت تروى فيه ملاعب الجولف بمياه النيل النقية وتنقل مياه النيل إلى حدود (إسرائيل) في خيانة صارخة لمصر وشعبها.

ففي 24 مايو الماضي، أكد وزير الموارد المائية أن مصر تعيد استخدام المياه 4 مرات على الأقل، ضمن خططها لتجاوز الصدمة المائية التي سيحدثها ملء سد النهضة الإثيوبي. وقال “عبدالعاطي”، في لقائه ببرنامج “كلمة أخيرة”، المذاع على فضائية “أون إي”: “لا توجد دولة في أفريقيا تعيد استخدام المياه مثل مصر فنحن نعيد استخدام المياه 4 مرات على الأقل”.

وأوضح أن إعادة استخدام المياه أكثر من مرة يهدف لسد العجز المائي خاصة أن الموارد المائية لمصر تبلغ 60 مليار متر مكعب سنويا بواقع 55 مليار متر مكعب من مياه النيل، والباقي تخص المياه الجوفية، بينما تستهلك البلاد 80 مليار متر مكعب من المياه سنويا.

وأضاف أن الإجراءات الفنية التي لجأت إليها وزارة الري فنيًا للتخفيف من عبء الصدمة المائية، تتضمن الري بالتنقيط وتبطين الترع. وأشار إلى أن وزارة الري تستهدف تبطين 7 آلاف كيلو متر من الترع في المرحلة الأولى، بقيمة تبلغ أكثر من 20 مليار جنيه، وتبطين 20 ألف كيلو متر من الترع بتكلفة أكثر من 80 مليار جنيه في المرحلة الثانية.

موضحا أن محطتي “بحر البقر” و”الحمام” يعملان على إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، بقدرة معالجة تصل إلى نحو 12 مليون متر مكعب يوميا. وتتمسك مصر والسودان بعدم الملء الثاني لبحيرة السد قبل التوصل لاتفاق قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل السد، في مقابل رفض إثيوبى وتأكيد على الالتزام بمواعيد الملء في يوليو المقبل. وحال ملء وتشغيل سد النهضة، سيتأثر استمرار تدفق حصتي مصر والسودان السنوية من مياه نهر النيل‎، البالغتين 55.5 و18.5 مليار متر مكعب، بالترتيب.

الفشل الإثيوبي

وكان عدد من الخبراء في مجال الري أكدوا أن إثيوبيا فشلت في عملية تعلية الممر الأوسط لسد النهضة، تمهيداً للملء الثاني لسد النهضة، هذا العام. وذكروا أن ما يمكن أن تنجزه أديس أبابا قبل موسم الفيضان هو الوصول لطول 573 مترا فوق سطح البحر رغم أنه كان مخطط أن يصل ارتفاع الممر الأوسط إلى 595 مترا. وفي وقت سابق الجمعة، أعلن وزير الري الإثيوبي “سيليشي بيكيلي”، أنه جار العمل فى سباق مع الزمن للانتهاء من بعض الأعمال الهندسية في البوابات الـ13 قبل التخزين القادم، وسوف يتم العمل على رفع الممر الأوسط إلى ارتفاع 573 مترا بدلا من 595 متر، وسوف يتم الانتهاء من التخزين في يوليو القادم.

وزير الري الأسبق “محمد نصر علام” قال إن “التراجع الإثيوبي عن تعلية الجزء الأوسط من السد واستكمال الملء الثاني العام القادم ليس مفاجأة؛ لأنه السبيل الوحيد لاحتمال تجنب المواجهة مع مصر والسودان”.  وأضاف في منشور له على “فيسبوك” قائلاً: “ويكفى التعلية في رأيى لمنسوب 565 مترا على الأكثر وبما يضمن تشغيل التوربينات المنخفضة”.

يشار إلى أن مؤتمرا علميا عقد في جامعة أربا منش بإقليم الجنوب الإثيوبى، وأعلن وزير المياه والري الإثيوبي آخر تطورات سد النهضة، جارى العمل في سباق مع الزمن للانتهاء من بعض الأعمال الهندسية في البوابات الـ13 قبل التخزين المقبل، وسيتم العمل على رفع الممر الأوسط إلى ارتفاع 573 متر بدلا من 595 مترا، وسوف يتم الانتهاء من التخزين في يوليو/تموز المقبل”.

وأضاف: “التخزين الجديد يصل إلى حوالى 4 مليارات متر مكعب يمكن تخزينها خلال الثلاثة أسابيع الأولى من يوليو كما حدث العام الماضى، ويمكن تشغيل أول توربينين في أغسطس. وتابع قائلاً: “فشلت إثيوبيا في إتمام الإنشاءات الهندسية لتخزين 13.5 مليار متر مكعب، وسوف يتم تخزين 10 مليارات متر مكعب سنويا خلال السنوات المقبلة، وما كان مخططا ليتم هذا العام سوف يستكمل العام القادم أي رفع الممر الأوسط إلى 595 مترا وتخزين حوالى 10 مليار متر مكعب ليصل إجمالى التخزين العام القادم 18.5 مليار متر مكعب.

فيما ذهب الخبير بمركز الاهرام للدراسات هاني رسلان، إلى أن التقديرات أجمعت طبقا لصور الأقمار الصناعية أن التعلية التي تم إنجازها لتنفيذ الملء الثانى بلغت حتى الآن 6 م فوق منسوب الملء الأول البالغ 560 م. كما أن التعلية المطلوبة لإنجاز الملء الثانى هي رفع الممر الأوسط للسد 35 مترا أي من ارتفاع 560 فوق مستوى سطح البحر إلى 595 م. كذلك وزير الرى الإثيوبى ذكر أن الارتفاع الذي تم إنجازه في التعلية وصل إلى 5.4 م ، وأن الظروف لا تسمح بأكثر من ذلك، لا سيما أن هناك مؤشرات أو بوادر أن الفيضان قد ينزل مبكرا هذا العام. هذا التأخير قد يكون لأسباب تتصل بفشل فنى أو إدارى أو تمويلى، أو ربما يكون متفقا عليه سلفا.

تلك الاوضاع تضع إثيوبيا في حالة اضطراب وارتباك، وتغوص مع الوقت بشكل متزايد في أزمتها الداخلية التي وصلت إلى مرحلة التهديد العملى بالتفكك في حالة استمرت التفاعلات القائمة على ذات النهج الحالي. وهو ما يمثل فرصة كبيرة لمصر، إلا أن العسكر الا يجيدون إلا القمع على المستوى المحلي وإهدار الفرص السانحة لمصر على المستوى الخارجي.

Facebook Comments